أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جبار قادر - موت الإعلامي الشاب هلكوت عزیز وحّد الكرد كما لم يوحّدهم أحد!














المزيد.....

موت الإعلامي الشاب هلكوت عزیز وحّد الكرد كما لم يوحّدهم أحد!


جبار قادر

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 14:45
المحور: القضية الكردية
    


في حياة الشعوب رجال يختلف الناس عليهم وهم أحياء، ثم يرحلون فلا يتركون وراءهم سوى الفراغ. وهناك رجال آخرون يرحلون فيكتشف الناس أنهم كانوا أكبر من خلافاتهم، وأوسع من أحزابهم، وأصدق من شعاراتهم. وكان الشاب الملئ بالحیویة هلكوت عزيز واحداً من هؤلاء.
لم أعرف هلكوت معرفة شخصية، رغم أنه ابن مدينتي كركوك، المدينة التي ننتمي إليها جميعاً بقدر ما ننتمي إلى ذاكرتها. كان من جيل أصغر مني بعقود، ولم تجمعنا المجالس ولا المناسبات، لكن بعض الناس لا تحتاج إلى معرفتهم عن قرب كي تدرك قيمتهم. تكفيك سيرتهم العامة، وصورتهم في الوعي الجمعي، والأثر الذي يتركونه في نفوس الناس. ولذلك كان حزني عليه حزن ابن مدينة فقد أحد أبنائها النبلاء، وحزن متابع رأى في هذا الشاب الراحل نموذجاً مهنياً نادراً في زمن ندر فيه أمثاله في الإعلام الکردي المشحون بالصراخ والمناکفات الصبیانیة.
ولعل ما يزيد من قسوة الفاجعة أن هلكوت لم يكن رجلاً بلغ آخر محطات الرحلة. كان شاباً في مقتبل العمر، ممتلئاً بالنشاط والأحلام والوعود المؤجلة. كان في المرحلة التي يفترض أن تتسع فيها الحياة أمام الإنسان لا أن تنغلق فجأة على طريق موحش. لذلك لم يكن رحيله صادماً لأنه مفاجئ فحسب، بل لأنه بدا منافياً لما نتوقعه من عدالة الزمن؛ فالأعمار الفتية حين تغيب تترك وراءها أسئلة أكثر مما تترك أجوبة، وتترك في القلوب غصة لا يخففها سوى الإيمان بسنة الحیاة.
لم يكن هلکوت قائداً سياسياً، ولم يحمل راية حزب، ولم يعتل منبراً ليخطب في الجماهير. كان إعلامياً فقط. ولكن كلمة "فقط" تبدو صغيرة جداً أمام شاب جعل من المهنية موقفاً، ومن الصدق هوية، ومن احترام العقل رسالة.
خرج هلكوت عزيز من كركوك، المدينة التي تختصر التراجیدیا الکردیة بتعقيداتها ونکساتها وجراحها. حمل معه روحها، وذهب إلى بغداد لا بوصفه ممثلاً لحزب أو تيار، بل بوصفه ممثلاً للحقيقة ما استطاع إليها سبيلاً. وفي زمن صار فيه الإعلام امتداداً للخصومات السياسية، بدا هلكوت مختلفاً. كان يعرف أن وظيفة الصحفي ليست أن يردد الشعارات، بل أن ينقل الوقائع، وأن قيمة الإعلامي لا تقاس بمدى ولائه لهذا الطرف أو ذاك، بل بمدى وفائه للمهنة. لهذا أحبه الناس.
وحين جاء الخبر الفاجع من طريق بغداد – البصرة، لم يكن مجرد خبر عن حادث سير أودى بحياة صحفي شاب. كان الخبر أشبه بصدمة أصابت الوجدان الكردي كله. فجأة، خفتت الأصوات المتنازعة، سكتت السجالات المعتادة، تراجعت الانقسامات التي أنهكت المجتمع الكردي سنوات طويلة لا أمل في تجاوزها مادامت هذە الأحزاب الکردیة باقیة. وتحولت صفحات الناس ومجالسهم وأحاديثهم إلى عزاء كبير لرجل واحد. كأن الكرد، الذين اختلفوا على السياسة والتاريخ والسلطة والمصالح، وجدوا أنفسهم مجتمعين أمام سيرة شاب لم يمنحهم سبباً واحداً للاختلاف عليه. في موته حدث ما عجز عنه كثيرون في حياتهم. اجتمع أنصار الأحزاب المتنافسة على الدعاء له وترحم عليه المختلفون في كل شيء. وبكى عليه من عرفه شخصياً ومن عرفه عبر الشاشة فقط. لأن الناس، في أعماقهم، يدركون قيمة الإنسان النزيه حتى لو لم يتحدثوا عنها كل يوم. وعندما يرحل، يشعرون أن جزءاً من الأمان قد رحل معه. لم يوحّد هلكوت الكرد بخطاب سياسي، ولا بمشروع أيديولوجي، ولا بشعار عاطفي. وحّدهم بشيء أبسط وأعمق وهو الاحترام، احترام المهنة، واحترام الناس، واحترام الحقيقة.
ولهذا كان رحيله حدثاً عاماً لا يخص عائلته وحدها، ولا مؤسسته وحدها، ولا مدينته كركوك وحدها، بل يخص كل من رأى فيه صورة الإعلامي الذي بقي وفياً لنفسه وسط عواصف الاستقطاب. إن أكثر ما يؤلم في رحيل هلكوت عزيز ليس أن صحفياً مهنياً قد غاب، بل أن نموذجاً نادراً قد انطفأ. وفي زمن يزداد فيه الضجيج، يصبح رحيل أصحاب الأصوات الهادئة خسارة مضاعفة.
لكن عزاء محبيه أن الرجال لا يُقاسون بعدد سنواتهم، بل بأثرهم. وأثر هلكوت عزيز ظهر واضحاً في يوم رحيله؛ يوم اجتمع المختلفون على الحزن، واتفقت القلوب على المحبة، ووُضع اسم الشاب الفقید فوق الانقسامات كلها. ربما لم يكن هلكوت عزيز يسعى إلى توحيد أحد، وربما لم يفكر يوماً بأنه سيصبح رمزاً جامعاً، لكن الأقدار شاءت أن يكتب له ما لم يُكتب لكثير من السياسيين والزعماء في أن يجتمع الناس عليه بعد رحيله كما لم يجتمعوا على أحد.
السلام الأبدي لروحە الطیبة المرحة والخلود لقطعة جميلة من صورة الإعلام الكردي الذي كان الناس يتمنون أن يبقى، وإذا كان الموت قد خطفه على طريق بعيد بين بغداد والبصرة، فإن ذكراه ستبقى تسير في طرق أقرب إلى القلوب؛ في كركوك التي أنجبته، وفي بغداد التي شهدت تألقه المهني، وفي ذاكرة كل من آمن أن الكلمة الصادقة تستطيع أن تبني جسوراً بين الناس أكثر مما تفعل الخطابات الصاخبة. ولعل أعظم ما تركه هذا الشاب الراحل وراءه أنه أثبت، حتى في موته، أن الاحترام ما زال قادراً على جمع ما فرقته السياسة، وأن الإنسان النبيل قد ينجح بصمته ومهنيته في توحيد القلوب أكثر مما ينجح أصحاب الشعارات الكبيرة.
هلكوت عزيز لم يرحل بوصفه إعلامياً فحسب، بل رحل بوصفه قيمة أخلاقية ومهنية نادرة. ولذلك كان الحزن عليه واسعاً بقدر اتساع محبة الناس له، وكان الإجماع عليه استثنائياً بقدر استثنائية سيرته. وفي زمن الانقسام، لم يكن هناك مشهد أبلغ من ذلك المشهد: كرد مختلفون في كل شيء تقريباً، لكنهم اتفقوا جميعاً على الحزن على هلكوت عزيز.



#جبار_قادر (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بغداد وإقلیم کردستان: وعود موسمیة وأزمات مزمنة
- عجاج التكريتي وذاكرة الأنفال المخنوقة
- أحدث الوثائق السرّية الروسية عن اللحظات الأخيرة لهتلر
- تدوير منصب محافظ كركوك: صفقة تُنتج الشلل الإداري!
- في ذكرى حملات الأنفال البعثية ضد الشعب الكردي
- اغتيال ليف تروتسكي
- كردستان الحمراء السوفیتیة: بين الحقيقة التاريخية و ...
- هل هناك خوارزمية ثورية تحكم إيران؟
- القضية الكردية وغياب الفهم الصحیح لحقائق التاريخ والجغ ...
- الفدرالية في العراق: أزمة فهم أم غياب التطبيق؟
- العراق: سلطة مشتتة، قرار مجزأ وسيادة مهشمة
- قطارات المنفى: الكرد في مسارات الإقتلاع الستالیني
- تركيا والقضية الكردية: بين إرث السلاح وآفاق السلام.
- بين استقلال كردستان ووحدة العراق: الدولة كإطار لإدارة الحلمَ ...
- مجلس النواب العراقي: من حلم تأسيس الدولة إلى مسرح العبث السي ...
- الإختراق الإسرائيلي في إيران ولبنان، والميليشيات تضرب في كرد ...
- بوکچين ملهم أوجلان: أفکار أخفقت في مواجهة الواقع
- الميليشيات العراقية وفنّ صناعة الأعداء
- كردستان الشرقية في لحظة التحول: هل يفتح إنهاك إيران الطريق إ ...
- الكرد في المناهج الرسمية: الغياب المتعمد أو التشويه المنهجي.


المزيد.....




- إسرائيل تطالب بإلغاء مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة الجنائ ...
- الأمم المتحدة: استمرار  تصاعد عنف المستوطنين الإسرائيليين ضد ...
- الضفة.. وقفة في البيرة تطالب بلجم انتهاكات إسرائيل بحق الأسر ...
- احتجاجات للحريديم تغلق طريقا في القدس المحتلة بسبب أنباء عن ...
- غزة: 8 شهداء في 24 ساعة واعتقالات تطال صيادين وطواقم طبية
- 8 شهداء خلال 24 ساعة بغزة واعتقالات تشمل صيادين ومسعفين
- ليبيا: ما حقيقة -مخططات توطين المهاجرين-؟
- تونس: حين يصبح العنف -سلوكاً مبرراً-.. كيف غذّت الخطابات الس ...
- الوزير الإسرائيلي المتطرف بن غفير يدعو لتصعيد القتل واعتقال ...
- بري: ما يُسمى بالمناطق التجريبية مرفوضة مني، وما هو مقبول ف ...


المزيد.....

- الى جمهورية كردستان الاشتراكية المتحدة!، الوثيقة 3 - كردستان ... / كوران عبد الله
- “رحلة الكورد: من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر”. / أزاد فتحي خليل
- رحلة الكورد : من جذور التاريخ إلى نضال الحاضر / أزاد خليل
- سعید بارودو. حیاتي الحزبیة / ابو داستان
- العنصرية في النظرية والممارسة أو حملات مذابح الأنفال في كردس ... / كاظم حبيب
- *الحياة الحزبية السرية في كوردستان – سوريا * *1898- 2008 * / حواس محمود
- افيستا _ الكتاب المقدس للزرداشتيين_ / د. خليل عبدالرحمن
- عفرين نجمة في سماء كردستان - الجزء الأول / بير رستم
- كردستان مستعمرة أم مستعبدة دولية؟ / بير رستم
- الكرد وخارطة الصراعات الإقليمية / بير رستم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الكردية - جبار قادر - موت الإعلامي الشاب هلكوت عزیز وحّد الكرد كما لم يوحّدهم أحد!