|
|
فخ الالتباس بين فساد الأشخاص وربطها بالمؤسسة
بشار مرشد
كاتب وباحث
(Bashar Murshid)
الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 13:45
المحور:
الفساد الإداري والمالي
مقدمة: من الأخطاء الشائعة في فهم المؤسسات في المجتمعات العربية النظر إلى المؤسسة من خلال الأشخاص الذين يشغلون مواقعها، بحيث يصبح الشخص هو المؤسسة، وتصبح المؤسسة مرادفا لمن يتولى إدارتها أو النفوذ فيها. فإذا أخطأ المسؤول قيل إن المؤسسة فاسدة، وإذا أساء الموظف استخدام سلطته قيل إن النظام كله فاسد، وإذا فشل مدير في أداء مهمته جرى اختزال المؤسسة بأكملها في شخصه. وقد يبدو هذا الخلط في ظاهره مجرد خطأ في التوصيف، إلا أنه في حقيقته يعكس إشكالية أعمق في الوعي المؤسسي لأنه يحول دون التمييز بين المؤسسة باعتبارها بنية وقواعد ووظائف جاءت لتنظيم أمور العامة أو خدمتهم باستمرارية، وبين الأشخاص باعتبارهم شاغلين مؤقتين لمواقع داخل تلك البنية. فالمؤسسة لا تبدأ بتعيين شخص ولا تنتهي برحيله. وهي كيان يتجاوز الأفراد الذين يديرونه، وتستمر وظائفها واختصاصاتها وقواعدها بغض النظر عن تغير الأشخاص. ومن هنا فإن فساد شخص داخل المؤسسة لا يعني بالضرورة فساد المؤسسة، كما أن صلاح شخص منفرد فيها لا يعني بالضرورة صلاحها أو يقوى على ذلك.
أولا: الشخص ليس المؤسسة فتتمثل إحدى مشكلات الوعي المؤسسي في تحويل المنصب إلى صاحبه، والمؤسسة إلى شخصها. فيصبح المسؤول في الخيال العام هو المؤسسة، والمدير هو الإدارة، وهذا التصور يقود إلى نتيجة خطيرة في تقييم المؤسسة من خلال الأشخاص بدل تقييم الأشخاص من خلال المؤسسة، فإذا كان المسؤول نزيها وكفؤا، اعتُبرت المؤسسة ناجحة، حتى لو كانت بنيتها ضعيفة وآلياتها مختلة. وإذا كان المسؤول فاسدا أو مستبدا، حكم على المؤسسة كلها بالفساد، حتى لو كانت القواعد التي تحكمها سليمة وقابلة لإنتاج أداء مختلف بمجرد تغيير شاغل المنصب، والنتيجة في الحالتين واحدة هو إضعاف مفهوم المؤسسة، فالمؤسسة القوية لا ينبغي أن تتوقف في تعريفها أو وظيفتها أو شرعيتها على شخص بعينه لأن الأشخاص متغيرون، بينما المؤسسات يفترض أن تكون أكثر استقرارا واستمرارية.
ثانيا: الشخص قد يفسد المؤسسة، لكن المؤسسة لا تختزل فيه لا يعني الفصل بين الشخص والمؤسسة إنكار أثر الأشخاص. فالأفراد قادرون على تعطيل المؤسسات أو اختراقها أو توظيفها لمصالحهم الخاصة، خصوصا عندما تكون آليات الرقابة والمساءلة ضعيفة. لكن السؤال الأكثر أهمية ليس: هل يوجد شخص فاسد؟ فوجود الفساد الفردي ليس ظاهرة استثنائية في المجتمعات. فالسؤال الأهم هو: كيف تمكن هذا الشخص من استخدام المؤسسة لمصلحته؟ ولماذا لم تستطع قواعدها وآلياتها الرقابية منعه أو محاسبته؟ هنا ينتقل التحليل من الشخص إلى البنية. فإذا كان الفاسد حالة استثنائية، وكانت المؤسسة قادرة على اكتشاف انحرافه ومحاسبته وتصحيح آثاره، فقد نكون أمام انحراف فردي. أما إذا استطاع السلوك نفسه أن يتكرر، ويتناقل من شخص إلى آخر، ويصبح الوصول إلى المنصب وسيلة للانتفاع، فالمشكلة لم تعد في الأشخاص وحدهم، وإنما في اختلال الوظيفة المؤسسية. وبذلك يصبح من الضروري التمييز بين فساد الأشخاص والبيئة التي تسمح للفساد بأن يصبح سلوكا مستمرا.
ثالثا: الخلط بين الشخص والمؤسسة يعيد إنتاج المشكلة المفارقة أن المجتمع الذي يربط المؤسسة بالشخص قد يساهم، من حيث لا يقصد، في إعادة إنتاج الحالة التي يشكو منها. فعندما ينظر إلى المؤسسة باعتبارها فلانا، يصبح تغيير الشخص هو الحل الظاهري للمشكلة. يرحل المسؤول ويأتي آخر، ثم تبدأ الدورة من جديد. وبذلك تتحول الإصلاحات إلى عمليات استبدال للأشخاص بدل أن تكون عمليات إصلاح للقواعد والحوافز وآليات الرقابة. قد يتغير المدير، ويبقى النظام الذي سمح للمدير السابق بالانحراف كما هو، بينما تستمر شبكات المصالح التي كانت تعمل داخل المؤسسة. وهنا يتضح أن تغيير الأشخاص لا يساوي بالضرورة إصلاح المؤسسات. بل قد يكون تغيير الأشخاص، إذا لم يصاحبه تغيير في بنية المؤسسة وآليات الرقابة، مجرد إعادة إنتاج للمشكلة بوجوه جديدة.
رابعا: تضخم الصلاحيات وصناعة المؤسسة الشخصية لا ينشأ الخلل المؤسسي دائما نتيجة فساد الأشخاص ، بل قد تسهم بنية المؤسسة نفسها في إنتاج السلوك الذي يقود إلى شخصنة المؤسسة. فحين تمنح قيادة المؤسسة صلاحيات واسعة جدا، دون أن تقابلها ضوابط ورقابة وتوزيع حقيقي للاختصاصات، يصبح القرار متمركزا في يد شخص واحد. ومع مرور الوقت، لا تعود المشكلة في مقدار الصلاحية القانونية فحسب، وإنما في الثقافة التي تنشأ حولها إذ يبدأ المحيط المؤسسي بالتعامل مع إرادة المسؤول باعتبارها المرجعية الفعلية، حتى عندما تكون هناك أنظمة وقواعد يفترض أن تحدد مسار القرار. وهنا يحدث انتقال تدريجي من مؤسسة تحكمها الصلاحيات إلى مؤسسة يحكمها صاحب الصلاحية. والفرق بين الأمرين جوهري. ففي الحالة الأولى تكون الصلاحية محددة. بالاختصاص والمدة والرقابة والمسؤولية، ويكون شاغل المنصب مستخدما للسلطة من أجل أداء وظيفة عامة. أما في الحالة الثانية، فإن اتساع الصلاحيات، مع ضعف القيود المؤسسية، يسمح بتحول السلطة إلى مصدر نفوذ شخصي، وتتحول المؤسسة تدريجيا إلى مجال يرتبط بشخص المسؤول وعلاقاته واختياراته وتوازناته.
خامسا: من تفويض السلطة إلى احتكار القرار التفويض الإداري في ذاته ليس مشكلة، بل هو ضرورة لعمل المؤسسات الحديثة. المشكلة تبدأ عندما يتحول التفويض إلى تفويض شبه مطلق، أو عندما تمنح الصلاحيات دون تحديد واضح لحدودها وآليات مراجعتها. عندها يضعف مبدأ التوازن بين السلطة والمسؤولية. وقد يستطيع المسؤول اتخاذ قرارات واسعة التأثير دون مشاركة حقيقية من الهيئات المختصة، أو دون رقابة فعالة، أو دون إمكانية عملية لمراجعة قراراته. وبذلك تصبح المؤسسة، من الناحية القانونية، متعددة المستويات والاختصاصات، لكنها من الناحية الفعلية متمركزة حول إرادة شخص واحد، وهذا من أخطر أشكال الدولة الشكلية، وجود الهياكل المؤسسية، مع تمركز القرار الفعلي خارجها. فالمؤسسة قد تبدو على الورق موزعة الاختصاصات، بينما تكون في الواقع قائمة على مركز واحد للقرار. ومن هنا فإن الخلل لا يكمن فقط في الشخص الذي يملك الصلاحية، وإنما في تصميم المؤسسة الذي سمح بتركيزها.
سادسا: شخصنة المؤسسة عندما يستمر المسؤول فترة طويلة في ممارسة سلطة واسعة، ويصبح تعيين الأشخاص وترقيتهم وإبعادهم وتوزيع الموارد واتخاذ القرارات مرتبطا بإرادته حيث تتكون تدريجيا شبكة من المصالح والولاءات حول المنصب. وعند هذه النقطة لا يعود الشخص مجرد مدير للمؤسسة، وإنما يصبح بالنسبة إلى الآخرين بوابة النفوذ داخلها. ومن هنا تنشأ ظاهرة يمكن تسميتها بـشخصنة المؤسسة. فالمؤسسة لا تعود تُرى باعتبارها كيانا عاما مستقلا، وإنما باعتبارها مؤسسة فلان. وقد يكون هذا الشخص قد بدأ عمله بنية حسنة، لكن استمرار تركيز السلطة حوله، وغياب المراجعة المؤسسية، قد يقودان إلى النتيجة نفسها حتى من دون وجود فساد شخصي متعمد. وهذا يوضح أن المشكلة ليست دائما في أخلاق الشخص، وإنما في هندسة المؤسسة التي تتيح لشخص واحد أن يصبح أكبر من المؤسسة.
سابعا: من قوة الشخص إلى ضعف المؤسسة قد يبدو المسؤول الذي يحتكر القرار قويا، وقد تبدو المؤسسة في عهده شديدة الانضباط وسريعة الاستجابة. لكن هذه القوة قد تكون في الحقيقة قوة شخصية لا قوة مؤسسية. فإذا كانت جميع القرارات الكبرى تمر من خلال شخص واحد، وإذا كان العاملون ينتظرون توجيهاته بدل الرجوع إلى قواعد العمل، وإذا كانت العلاقة معه أهم من العلاقة بالمنصب والقانون، فإن المؤسسة قد تبدو قوية في وجوده، لكنها تصبح أكثر هشاشة عند غيابه. وهنا يجب التمييز بين نوعين من القوة قوة الشخص وقوة المؤسسة والتي تحتم أن تستمر المؤسسة في أداء وظائفها بصرف النظر عن الشخص الذي يتولى قيادتها. وهنا الفرق الجوهري.
ثامنا: حين يصبح إنهاء خدمة الشخص تهديدا للمؤسسة تظهر إحدى أكثر المفارقات دلالة عندما تنتهي علاقة المسؤول بالمؤسسة. فإذا كانت المؤسسة مستقلة عن الشخص، فإن انتهاء خدمته يمثل انتقالا إداريا طبيعيًا حيث يغادر الشخص وتستمر المؤسسة. أما إذا كانت المؤسسة قد تشخصنت حوله، فقد ينظر إلى إنهاء خدمته باعتباره استهدافا شخصيا، لا قرارا يتعلق بالمصلحة المؤسسية. ومن هنا قد يبدأ المسؤول السابق في مهاجمة المؤسسة التي كان يمثلها، والطعن في نزاهتها أو التشكيك في قراراتها أو تشويه سمعتها، وكأن المؤسسة التي خدمها أصبحت خصما له بمجرد خروجه منها، وهذه الظاهرة تكشف مفارقة عميقة في ان الشخص الذي كان يفترض أن يكون خادما للمؤسسة يصبح، بعد مغادرته، خصما لها؛ لأنه كان قد ربط شرعيته ووجوده بها، وربط المؤسسة في الوقت نفسه بشخصه. وقد يكون هذا الهجوم انتقاميا، أو دفاعا عن الذات، أو محاولة لحماية شبكة المصالح التي نشأت أثناء وجوده، أو محاولة لإقناع الرأي العام بأن إبعاده كان إضرارا بالمؤسسة. لكن المؤسسة العامة لا ينبغي أن تختزل في شخص، ولا ينبغي أن تكون شرعيتها مرتبطة بشرعية من يشغل موقعًا فيها.
تاسعا: المفارقة الأخطر ان الشخص الذي يهاجم المؤسسة بعد مغادرتها يظهر مفارقة تستحق التوقف عندها وهي إذا كان الشخص قد أمضى سنوات في قيادة مؤسسة، ثم أصبح بعد مغادرته يصفها بأنها فاسدة أو عاجزة أو مختلة، فإن ذلك لا يثبت بالضرورة أن المؤسسة كانت كذلك. بل قد يكشف أحيانا عن طبيعة العلاقة التي نشأت بينه وبين المؤسسة. فإذا كان يرى أن المؤسسة جيدة ما دام هو على رأسها، وفاسدة بمجرد خروجه منها، فإن المشكلة قد لا تكون في المؤسسة وحدها، وإنما في تحويل المؤسسة إلى امتداد للشخص، ومن هنا يمكن القول إذا كان خروج الشخص من المؤسسة يؤدي إلى سقوط المؤسسة في نظره، فربما لم يكن يرى نفسه شاغلا للمنصب، بل كان يرى المنصب امتدادا لذاته. وهذا هو جوهر الشخصنة أن تصبح قيمة المؤسسة مرتبطة بمن يديرها بدل أن تكون مرتبطة بوظيفتها العامة وقواعدها واستمراريتها.
عاشرا: المؤسسة ليست ملكًا لمن يديرها فالمؤسسة العامة لا يملكها رئيسها، ولا الموظف مهما علت مرتبته، فالمنصب تكليف لا ملكية. والصلاحية اختصاص لا امتياز شخصي. والقرار الإداري وظيفة عامة لا تعبير عن الإرادة الخاصة لشاغل المنصب، ولهذا فإن السؤال عند تقييم المسؤول لا ينبغي أن يقتصر على: هل كان ناجحا أم فاشلا؟ أو هل كان محبوبا أم مكروها؟ بل يجب أن يكون السؤال: هل ترك وراءه مؤسسة أقوى من التي استلمها، أم ترك مؤسسة أكثر ارتباطا بشخصه؟ فإذا كانت المؤسسة لا تعمل إلا بوجوده، وإذا كانت القرارات متوقفة على حضوره، وإذا كانت شبكة العلاقات مرتبطة به، وإذا كان رحيله يؤدي إلى اضطراب المؤسسة، فإن نجاحه الشخصي إن وُجد لا ينبغي أن يخلط بالنجاح المؤسسي. فالنجاح الحقيقي للمسؤول لا يقاس فقط بما أنجزه أثناء وجوده، وإنما أيضا بما إذا كان قد بنى نظاما يستطيع الاستمرار بعد رحيله.
حادي عشر: من فساد الأشخاص إلى اختلال الوظيفة المؤسسية يمكن بناء التمييز على ثلاث درجات: 1. الانحراف الفردي شخص يستغل موقعه لتحقيق منفعة خاصة، بينما تبقى المؤسسة قادرة على اكتشاف الانحراف ومحاسبته وتصحيح آثاره. هنا يكون الخلل في الشخص، ولا ينبغي تعميمه على المؤسسة. 2. اختراق المؤسسة تبدأ شبكة من المصالح الشخصية أو الفئوية في التأثير في قرارات المؤسسة وتوجيه مواردها ووظائفها بعيدا عن غايتها العامة. هنا يبدأ الخلل بالانتقال من مستوى الفرد إلى مستوى البيئة المؤسسية. 3. اختلال الوظيفة المؤسسية تصبح القواعد والحوافز والعلاقات غير الرسمية مهيأة لإنتاج السلوك المنحرف بصورة متكررة، بحيث لا يعود الأمر متعلقا بشخص بعينه، وإنما بطريقة عمل أصبحت المؤسسة تنتجها أو تسمح باستمرارها وما قد يعزز الصراعات فيما بين هذه الشبكة المنتفعة وتكون ساحة حرب بينهم . هنا يصبح من المشروع الحديث عن فساد مؤسسي أو اختلال مؤسسي، لا لأن المؤسسة كيان أخلاقي فاسد، وإنما لأن بنيتها الفعلية أصبحت عاجزة عن أداء وظيفتها العامة، أو أصبحت تنتج نتائج تتعارض مع الغاية التي أنشئت من أجلها.
ثاني عشر: المؤسسة القوية ليست التي يتولى إدارتها أشخاص صالحون فقط، وإنما التي تستطيع أن تعمل بصورة صحيحة حتى عندما لا يكون جميع شاغليها مثاليين. وهذه نقطة جوهرية في بناء الدولة الحديثة. فالدولة التي تحتاج إلى مسؤول نزيه حتى تعمل بصورة صحيحة تظل دولة ضعيفة مؤسسيا. أما الدولة التي تضع من القواعد والرقابة والفصل بين الصلاحيات والمساءلة ما يجعل إساءة استخدام السلطة صعبة ومكلفة وقابلة للاكتشاف، فهي تقترب من الدولة المؤسسية وبعبارة أخرى المؤسسة الجيدة لا تفترض صلاح الإنسان، بل تحد من قدرة الإنسان على تحويل موقعه العام إلى منفعة خاصة. وهذا لا يعني انعدام الثقة بالإنسان، وإنما يعني أن النظام المؤسسي الناضج لا يبني استقراره على الفضيلة الشخصية لشاغل المنصب.
ثالث عشر: خصخصة السلطة العامة يمكن وصف النتيجة القصوى لهذه العملية بأنها نوع من خصخصة السلطة العامة. ولا يقصد بالخصخصة هنا معناها الاقتصادي، وإنما انتقال الصلاحية العامة من كونها اختصاصا مؤسسيا إلى كونها نفوذا شخصيا. فالمسؤول لا يصبح مالكا للمؤسسة من الناحية القانونية، لكنه قد يتصرف فيها كما لو كانت ملكا له من الناحية العملية حيث يختار من يقترب. ويستبعد من يختلف. ويعيد توزيع النفوذ وفقا لعلاقاته. ويجعل القرار مرتبطًا بإرادته. ويحوّل المنصب إلى مركز لشبكة من المصالح. وعند هذه النقطة يصبح لدينا تناقض بين الشكل القانوني العام للمؤسسة وبين الواقع داخلها. فالمؤسسة تظل عامة في الأوراق، لكن جزءا من سلطتها يتحول عمليا إلى نفوذ شخصي. وهذا من أبرز مظاهر الدولة الشكلية وهي أن تكون المؤسسات موجودة من الناحية القانونية، بينما تتحرك السلطة الفعلية وفق علاقات شخصية وغير رسمية.
رابع عشر: العامل الخارجي واستغلال الهشاشة الداخلية ومن هنا يمكن فهم مسألة التدخلات الخارجية بصورة أكثر دقة. ليس من الضروري أن يكون كل خلل مؤسسي ناتجا عن تدخل خارجي مباشر، كما لا ينبغي إنكار إمكانية استغلال القوى الخارجية لحالات الضعف الداخلي. فالبيئة المؤسسية المترهلة توفر بطبيعتها فرصا للتأثير الخارجي. وكلما ضعفت قواعد الشفافية والمساءلة، وتركز القرار في يد أشخاص، وتراجعت استقلالية المؤسسة، ازدادت قدرة أصحاب المصالح، سواء كانوا داخليين أو خارجيين، على توظيف الأشخاص والمؤسسات لخدمة أهدافهم. وبذلك يصبح العامل الخارجي عاملا مضاعفا للهشاشة، لا تفسيرا وحيدا لها. فالمؤسسة القوية ليست المؤسسة التي لا يمكن التأثير فيها مطلقا، وإنما المؤسسة التي تمتلك من القواعد والشفافية والتوازنات ما يجعل اختراقها أو توظيفها أمرا أكثر صعوبة.
خاتمة : إن تجاوز أزمة المؤسسات لا يبدأ بالقول إن المؤسسة فاسدة، ولا ينتهي بإقالة شخص واستبداله بآخر. البداية الصحيحة هي تحديد موضع الخلل: هل المشكلة في شخص؟ أم في شبكة مصالح؟ أم في تركيز الصلاحيات؟ أم في ضعف الرقابة؟ أم في الحوافز التي تجعل السلوك المنحرف أكثر ربحا من الالتزام بالوظيفة العامة؟ أم في عجز المؤسسة عن حماية استقلالها من التأثيرات الداخلية والخارجية؟ إن المجتمع الذي لا يميز بين الشخص والمؤسسة يظل أسيرا لفكرة أن إصلاح الدولة يتم عبر استبدال الأشخاص، بينما الدولة الحديثة لا تُبنى بتغيير الوجوه فقط، وإنما ببناء مؤسسات تجعل وظيفة الدولة مستمرة ومستقلة عن الأشخاص وتستمر لتداول المنصب والمسؤولية. والأخطر من ذلك أن منح الصلاحيات الواسعة لشخص واحد وإطالة فترة مسؤوليته، دون ضوابط مؤسسية مقابلة، قد يؤدي إلى تحويل المسؤول من شاغل للمنصب إلى مركز للسلطة ومالك لها، ومن ثم إلى تحويل المؤسسة من كيان عام إلى مجال نفوذ شخصي. وعندما يحدث ذلك، تصبح مغادرة الشخص للمؤسسة أزمة في نظره وفي نظر أتباعه، وقد تتحول المؤسسة نفسها إلى هدف للهجوم والتشويه واحيانا صراعات فيما بينهم، لأن الشخص لم يعد يرى الفرق بين ذاته وبين المنصب، وبين المنصب وبين المؤسسة. ومن هنا يمكن صياغة القاعدة المركزية لهذا المقال وهي أن لا تُقاس سلامة المؤسسة بصلاح شاغليها، ولا يُحكم على المؤسسة بفساد بعض شاغليها وإنما تُقاس سلامتها بقدرتها على أداء وظيفتها العامة، ومقاومة الانحراف، وتصحيح الأخطاء، وتوزيع السلطة، ومساءلة أصحابها، والاستمرار بعد تغير الأشخاص فالمسؤول الناجح ليس من يجعل المؤسسة تعتمد عليه، وإنما من يجعل المؤسسة قادرة على الاستغناء عنه. فإذا كانت المؤسسة أقوى بعد رحيله، فقد نجح في بناء مؤسسة. أما إذا كانت المؤسسة أضعف بعد رحيله، وكانت شرعيتها مرتبطة بشخصه، وكانت الصلاحيات قد تحولت إلى نفوذ وصراعات، والوظيفة إلى ولاء، والمؤسسة إلى امتداد للشخص وبيئة للاستحواذ، فإن ما تحقق لم يكن بالضرورة بناء مؤسسيا، وإنما قد يكون مجرد توسيع لنطاق السلطة الشخصية داخل إطار مؤسسي شكلي، وهنا تحديدا يبدأ الانتقال من الدولة التي تمتلك مؤسسات إلى الدولة التي تعمل بمنطق المؤسسات، وهو الانتقال الذي يمثل جوهر التحول من الدولة الشكلية إلى الدولة الوظيفية.
#بشار__مرشد (هاشتاغ)
Bashar_Murshid#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من الدولة الشكلية إلى الدولة الوظيفية...رؤية في مقومات الدول
...
-
هل اسرائيل دولة ام كيان وظيفي؟؟
-
رسالة الكتابة كمسؤولية وعمر ممتد
-
بين المطرقة والسندان...الشرق الأوسط ورهان الاستقلال في لعبة
...
-
الدغمائية المعاصرة...من صلابة القناعات إلى انغلاق المجتمعات
-
خديعة الحياد واغتيال السياق
-
الريادة والكفاءة.. بين وقار الامتلاء وضجيج الفراغ
-
الصحافة...من سلطة رابعة كمراقب إيجابي إلى خامسة كمؤثر سلبي
-
بين دهاليز الدهاء وتجميل المصطلحات...القراءة الواقعية للعلاق
...
-
ملاحظات... في تجربة البناء وتداعيات الانقسام
-
قراءة في الوعي المفقود
-
أوثان العقل... هل بعثت الجاهلية الحديثة أصنامها؟
-
الازدواجية.. ثورة في المنشورات.. وفوضى في الممارسات
-
أمر العمليات في الإدارة.. من الميدان إلى القرار
-
الكلمة المأجورة.. والجدال البيزنطي
-
التبلد الأخلاقي..حين يرتدي العُري أثواب الفضيلة
-
الانتحار الحضاري البطيء.. عندما يصبح التحذلق بديلًا عن الإنت
...
-
-المعارضة المتأخرة-: حين يصبح -أبناء النظام- أشد خصومه!
-
انحطاط الحوار والتلون الانتهازي.. انهيار الأخلاق والقيم
-
بين الفلسفة والإدراك... مسارات تكوين الشخصية والفكر
المزيد.....
-
إيران: مشروع قانون هرمز لا يتضمن أي إشارة إلى دول محددة ولكن
...
-
إسرائيل تواصل التصعيد جنوب لبنان.. غارات على سيارة إسعاف وقص
...
-
الأمن الروسي: توقيف مجموعة من المتورطين في تشغيل أجهزة -سيم
...
-
مقطع متداول يوثق حجم التخريب في مدينة ماري الأثرية شرقي سوري
...
-
وزير الزراعة يلتقي وفداً من رجال الأعمال الأتراك لبحث فرص ا
...
-
وزيرة التنمية المحلية والبيئة تبحث مع محافظ القليوبية تطوير
...
-
التعليم العالي: غدًا بدء تسجيل رغبات المرحلة الثانية للتنسيق
...
-
النائب تامر عبدالحميد: دعم التصنيع المحلي وتوفير بيئة جاذبة
...
-
صراع إرادات بين واشنطن وطهران... ترامب يرد على شروط إيران بم
...
-
سوريا: القضاء يحكم غيابيا على الرئيس المخلوع بشار الأسد بالإ
...
المزيد.....
-
The Political Economy of Corruption in Iran
/ مجدى عبد الهادى
المزيد.....
|