أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - بشار مرشد - ملاحظات... في تجربة البناء وتداعيات الانقسام














المزيد.....

ملاحظات... في تجربة البناء وتداعيات الانقسام


بشار مرشد
كاتب وباحث

(Bashar Murshid)


الحوار المتمدن-العدد: 8613 - 2026 / 2 / 9 - 19:48
المحور: السياسة والعلاقات الدولية
    


مقدمة:
من أكثر التحوّلات إثارة للسخرية في التاريخ السياسي، تلك اللحظة التي يتحوّل فيها الهادم الراديكالي إلى وريثٍ باكٍ على الأنقاض. حالة كثيفة من التنافر المعرفي؛ تُهاجَم فيها المؤسسة في مهدها، وتُضرَب أساساتها بالمطارق بدعوى أنها خيانة وكارثة، ثم حين يقع المحذور ويتصدّع البناء، يلتفت الهادم ليحمّل المسؤولية للبنّاء الأصلي، متسائلًا بصلافة، لماذا لم تمنعنا من هدم بيتنا؟

أولًا: المطرقة تحت ستار الطهارة:
تبدأ الرحلة بمزايدة أخلاقية فجّة؛ حيث يتفرّغ الراديكالي لشيطنة كل حجر وضعه البنّاء الأصلي. لا يرى في الكيان السياسي الناشئ سوى مسخٍ يجب سحقه، فيُشغّل المطرقة بأشكالها المختلفة: إعلامية، سياسية، وميدانية، لتجريد المؤسسة من شرعيتها أمام الجمهور.
المفارقة أن هذا الراديكالي يعيش انفصاما وظيفيا صارخا؛ يلعن الكيان نهارا، ويحتمي بظله ليلا، يطالب بخدماته، ويتقاضى رواتبه، ويتظلّل بسقفه، في محاولة طفولية للجمع بين طهرانية الثائر ورفاهية المواطن. ليست هذه راديكالية تغيير، بل ازدواج أخلاقي مقنّع بشعارات عالية الصوت.

ثانيًا: مأساة البنّاء… الإعياء تحت وابل الشتائم:
في المقابل، يقف البنّاء الأصلي في مشهد تراجيدي حقيقي. جسدٌ أعياه العمل في ظروف مستحيلة، بدأ البناء وهو يتحرّك تحت الاحتلال، بلا سيادة، بلاع موارد، وبمواد ناقصة الصلابة. لم يكن البيت قائما أصلا، بل محاولة شاقة للانتقال من العدم إلى حدٍّ أدنى من التنظيم السياسي، منذ لحظة الاولى بكل تناقضاتها.
هذا البنّاء وهو يتمثل في نضال مكون رئيسي من الشعب وليس بشخصية معينة وقد سخر كل امكاناته لتوفير مواد البناء، فإذا به لا يواجه العدو فقط، بل يواجه معاول القريب. استُبدلت أدوات البناء التي حملها بمطارق هدم، وتحولت سنوات صبره إلى مادة للشتيمة. إن بنى قيل مفرّط، وإن حمى قيل حارس للاحتلال. يقف اليوم عاريا من أدواته، محاصرا بإعياء النهج وخذلان الرفاق، لا يُكافَأ على ما أنجز، ولا يُسامَح على ما عجز عنه.

ثالثًا: ثغرة التحصين… مسؤولية البنّاء المنسيّة:
لكن المشهد لا يكتمل دون مواجهة البنّاء بمرآة مسؤوليته. فالبيوت لا تنهار فقط لأن المطارق قوية، بل لأن الجدران افتقدت أحيانًا للإسمنت الأخلاقي والصلابة الإدارية. خطيئة البنّاء الكبرى لم تكن في أصل المحاولة، بل في تأجيل الإصلاح، والانشغال بجماليات السقف والشكل على حساب متانة القواعد: الناس، والعدالة، والمساءلة.وتطوير المؤسسات والمراكمة على كل إنجاز مهما صغر ، أن ترهّل المؤسسات، وغياب أو تاخر تداول السلطة والمسؤولية، والصمت عن التصدّعات الداخلية، كل ذلك جعل مطارق الراديكاليين تبدو في نظر البسطاء وكأنها أدوات إنقاذ. هنا لا يولد الهدم من فراغ، بل من انسداد قنوات الإصلاح. غير أن تفسير نشأة الراديكالية لا يعني تبرير نتائجها، ولا يجعل الفوضى بديلًا عن العدالة المؤجلة.

رابعًا: العدو… المتربّص بحماقة الداخل:
في هذا الفراغ، يظهر الطرف الثالث دائمًا: العدو. عدوٌّ لا يحتاج إلى عبقرية، بل إلى صبر. حين يرى أهل البيت يهدمون أعمدتهم بأيديهم، يتقدّم خطوة ليُتمّ الهدم، ويتحرّر من التزاماته، ويُعيد النظر في كل اعتراف أو حقّ، متذرّعًا بانهيار الطرف الآخر وفقدانه لأدوات السيطرة.
الراديكالي غير المسؤول هنا لا يجرح خصمه، بل يخدمه؛ يتحوّل إلى محلّل شرعي لجرائم العدو، يفتح الثغرة باسمه، ويترك للعدو شرف الضربة القاضية ويكمل شماتة العناد الفج.

خامسًا: دروس من مقبرة الشعارات الدولية:
التاريخ السياسي يعجّ بهذا النمط. في روسيا، هاجم البلاشفة جمهورية فبراير حتى أسقطوها، ثم وقّعوا معاهدة بريست-ليتوفسك التي مثّلت قمة التفريط، وسمّوها واقعية ثورية. في جنوب أفريقيا، اتُّهم مانديلا ببيع القضية، لكن من شتموه تسابقوا بعده لوراثة نفس الهياكل التي لعنوها. وفي اليونان، صرخ حزب سيريزا ضد عبودية الاتفاقيات، ثم وقّع ما هو أشدّ قسوة، وأطلق على تجرّع السم اسم البطولة الوطنية.
ليست المشكلة في التغيير الجذري حين يكون جزءًا من تصور بناء، بل في الهدم الذي لا يعرف ماذا يفعل بعد السقوط.

سادسًا: وراثة الأنقاض وتقديس التلامذة:
الخاتمة هي الأكثر سخرية. حين ينهار البناء بفعل مطارق الداخل وانتهازية الخارج، يخرج التلامذة لاحتلال الركام. أولئك الذين تربّوا على كره المؤسسة، يقفون اليوم فوق حطامها ليقنعوا الناس أن نصف الجدار المتبقي هو معقل التخندق.
ويحوّلون شتائمهم للبنّاء إلى قصائد مديح لصمودهم وسط الخراب. يسكنون الغرفة ذاتها التي حاولوا تفجيرها بالأمس، لكنهم الآن يسمّون الثقوب في الجدران نوافذ الحرية.

ختامًا:
قمة الفجور السياسي أن تطلب من خصمك أن يظل قويًا بما يكفي ليحمل عنك أعباء الواقع، بينما تظل أنت نقيا بما يكفي لتلعنه في الخطب. فإذا سقط تحت ثقل مطارقك وحاجتك، لبست ثيابه الممزقة واتهمته بأنه لم يكن جديرًا بارتدائها.
التاريخ لا يرحم من هدم السقف فوق رأسه ليُثبت أنه “ثائر”،
ولا الواقع يغفر لمن ورث الأنقاض بعد التباكي ثم ادّعى أنه هو من بنى القلعة.



#بشار__مرشد (هاشتاغ)       Bashar_Murshid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قراءة في الوعي المفقود
- أوثان العقل... هل بعثت الجاهلية الحديثة أصنامها؟
- الازدواجية.. ثورة في المنشورات.. وفوضى في الممارسات
- أمر العمليات في الإدارة.. من الميدان إلى القرار
- الكلمة المأجورة.. والجدال البيزنطي
- التبلد الأخلاقي..حين يرتدي العُري أثواب الفضيلة
- الانتحار الحضاري البطيء.. عندما يصبح التحذلق بديلًا عن الإنت ...
- -المعارضة المتأخرة-: حين يصبح -أبناء النظام- أشد خصومه!
- انحطاط الحوار والتلون الانتهازي.. انهيار الأخلاق والقيم
- بين الفلسفة والإدراك... مسارات تكوين الشخصية والفكر
- الفيروسات البشرية..من وباء الى تشخيص
- تسطيح العقول.. كيف تُدار السذاجة والشيطنة؟
- الصهيونية.. من مخلفات الحروب العالمية إلى مشروع الاحتلال وال ...
- عروض الأزياء السياسية.. والقضية الفلسطينية
- دول الكومبارس..المتناقضات كأدوار في السياسة والاعلام
- -اغتنام العجلة”.. بناء العقل والمعرفة بدل الترف الزائل
- التنافر المعرفي .. تقديس ما كان يُرفض بالأمس
- المطبخ السياسي... طريقة التحضير وأنواع الطهاة
- المطبخ العربي للسياسة… تَمَنٍ دون إعداد
- ياسر عرفات... الزعيم الذي صاغ الذاكرة الفلسطينية


المزيد.....




- ألمانيا: قرارات إسرائيل تصعب دعم الضفة وتقوض فرص السلام وحل ...
- فيضانات المغرب: استجابة بحجم الكارثة؟
- عاجل | وول ستريت جورنال عن مصادر: مسؤولون بإدارة ترمب ناقشوا ...
- نتنياهو يحلق إلى واشنطن عبر أجواء أوروبية رغم مذكرة التوقيف ...
- ترامب: إيران لن تمتلك سلاحا نوويا أو صواريخ  
- مليونية الجنوب تجدد التفويض للزبيدي وتتمسك باستعادة الدولة
- سنتكوم: تموضع قواتنا في المنطقة يضمن مواجهة التحديات الراهنة ...
- اختفاء والدة مذيعة يهز أميركا.. ونشر فيديو -مسلح على الباب- ...
- المستشفى الإماراتي العائم في العريش يفتتح قسما لغسيل الكلى
- عقوبات جديدة.. شبكة تمويل -حزب الله- في مرمى واشنطن


المزيد.....

- النظام الإقليمي العربي المعاصر أمام تحديات الانكشاف والسقوط / محمد مراد
- افتتاحية مؤتمر المشترك الثقافي بين مصر والعراق: الذات الحضار ... / حاتم الجوهرى
- الجغرافيا السياسية لإدارة بايدن / مرزوق الحلالي
- أزمة الطاقة العالمية والحرب الأوكرانية.. دراسة في سياق الصرا ... / مجدى عبد الهادى
- الاداة الاقتصادية للولايات الامتحدة تجاه افريقيا في القرن ال ... / ياسر سعد السلوم
- التّعاون وضبط النفس  من أجلِ سياسةٍ أمنيّة ألمانيّة أوروبيّة ... / حامد فضل الله
- إثيوبيا انطلاقة جديدة: سيناريوات التنمية والمصالح الأجنبية / حامد فضل الله
- دور الاتحاد الأوروبي في تحقيق التعاون الدولي والإقليمي في ظل ... / بشار سلوت
- أثر العولمة على الاقتصاد في دول العالم الثالث / الاء ناصر باكير
- اطروحة جدلية التدخل والسيادة في عصر الامن المعولم / علاء هادي الحطاب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - السياسة والعلاقات الدولية - بشار مرشد - ملاحظات... في تجربة البناء وتداعيات الانقسام