أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - بشار مرشد - الكلمة المأجورة.. والجدال البيزنطي














المزيد.....

الكلمة المأجورة.. والجدال البيزنطي


بشار مرشد
كاتب وباحث

(Bashar Murshid)


الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 22:19
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


مقدمة:
في عام 1453م، وبينما كانت مدافع السلطان محمد الفاتح تدك أسوار القسطنطينية، تُروى – بوصفها مثالاً لا تقريراً حرفياً – حكايات عن نخبة من فقهاء ولاهوتيي الإمبراطورية الغارقة بالفساد. في قاعات مغلقة، كانوا يستهلكون وقتهم في جدالات عقيمة حول قضايا هامشية، من أشهرها الجدل حول طبيعة الملائكة؛ أذكوراً هم أم إناثاً؟ وعن عددهم الذين يسيرون على رأس إبرة!
سواء صحت الرواية تاريخياً أم لا، فقد خلّدها الوعي الإنساني رمزاً لحالة الانفصال التام بين النخبة وواقع الانهيار. سقطت الإمبراطورية التي ظنت أسوارها منيعة، وبقي ذلك النوع من الجدل وصمة فكرية عُرفت لاحقاً بـ «الجدال البيزنطي»؛ أي الاشتباك في الهوامش بينما ينهار الجوهر.

البيزنطية الحديثة من السذاجة إلى الصناعة:
اليوم، لا يبدو أن التاريخ يكتفي بتكرار نفسه، بل كأنه طوّر أدواته. فما نشهده من دفاع محموم عن أفكار مشوهة، وتوجهات لا تسندها فطرة ولا منطق، يشبه إلى حد بعيد «بيزنطية حديثة»؛ لكنها هذه المرة ليست مجرد سذاجة أو عمى بصيرة، بل في كثير من الحالات صناعة مدفوعة الأجر. لم يعد الجدل عبثاً بريئاً، بل أصبح سلعة تُسوَّق، ولساناً يُستأجر، وقلماً يُشحذ لا للاقتراب من الحقيقة، بل لإغراق الوعي العام في تفاصيل ثانوية ومعارك مصطنعة.

إستراتيجية الدخان وكلفة الامتيازات:
الهدف واحد مهما تعددت الأقنعة والأسباب، وهو إشغال الناس بالدخان كي لا يروا الحريق الذي يلتهم الأساس خلسة وبصمت. وعندما ترى دفاعاً أعمى عن باطل فاضح، فلا تتعجل افتراض حسن النية دائماً؛ فأحياناً لا يكون الأمر اختلافاً في الرأي، بل أداءً لوظيفة، وتنفيذاً لدور، واستثماراً في الضجيج.
صحيح أن بعض هذا الجدل تحركه قناعات مشوهة أو جهل أو خوف من القطيع، لكن الأخطر هو ذاك الجدل الذي يعرف أصحابه الحقيقة جيداً، ثم يلتفون حولها لأن الكلفة الأخلاقية أقل من كلفة خسارة الامتيازات.

المؤسسات المترهلة وكهول الانتهازية:
ولا يقف الابتذال عند حدود «الكلمة المأجورة»، بل يجد بيئته المثالية في مؤسسات ترهلت كوادرها حتى تحولت إلى مزارع فكرية مغلقة. في هذه البيئات، يتكاثر كهول التلون والانتهازية، يتنقلون بين المواقع لا بحثاً عن معنى أو تجديد، بل عن مصلحة وجاه.
مؤسسات كهذه لا تنتج معرفة، بل تعيد تدوير الوجوه والخطاب، وتحارب الاختلاف باسم الاستقرار، وتخنق الحيوية باسم الخبرة. وهي على النقيض تماماً من أي كيان حي، حيث تتعاقب الأجيال، ويُفسح المجال للصعود الطبيعي لا للتكلس الأبدي.

خاتمة:
إن الوعي هو طوق النجاة وفي نهاية المطاف، سيهدأ الضجيج، وتذوي وتذوب أصوات الجدال المفتعل، ولن يبقى في ذاكرة التاريخ سوى الوقائع العارية. «البيزنطيون الجدد» الذين استبدلوا ضمائرهم بمنافع عابرة، وباعوا بصيرتهم في سوق المزايدات، واهمون إن ظنوا أن الجدل سيحمي مواقعهم الهشة؛ فالتاريخ لا يحفظ الصراخ، بل يحفظ المواقف.
إن حماية المجتمعات من هذا الانحدار لا تبدأ بكثرة الردود ولا بطول السجالات، بل بكشف اللعبة نفسها، برفض الانجرار إلى المعارك الجانبية، وبالتمييز بين الاختلاف الصادق والجدل الوظيفي. فالحقيقة لا تحتاج إلى صراخ، بل إلى عقول لا تُستأجر، وضمائر تدرك أن المنفعة العابرة ثمن بخس مقابل سقوط أخلاقي طويل الأمد.



#بشار__مرشد (هاشتاغ)       Bashar_Murshid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التبلد الأخلاقي..حين يرتدي العُري أثواب الفضيلة
- الانتحار الحضاري البطيء.. عندما يصبح التحذلق بديلًا عن الإنت ...
- -المعارضة المتأخرة-: حين يصبح -أبناء النظام- أشد خصومه!
- انحطاط الحوار والتلون الانتهازي.. انهيار الأخلاق والقيم
- بين الفلسفة والإدراك... مسارات تكوين الشخصية والفكر
- الفيروسات البشرية..من وباء الى تشخيص
- تسطيح العقول.. كيف تُدار السذاجة والشيطنة؟
- الصهيونية.. من مخلفات الحروب العالمية إلى مشروع الاحتلال وال ...
- عروض الأزياء السياسية.. والقضية الفلسطينية
- دول الكومبارس..المتناقضات كأدوار في السياسة والاعلام
- -اغتنام العجلة”.. بناء العقل والمعرفة بدل الترف الزائل
- التنافر المعرفي .. تقديس ما كان يُرفض بالأمس
- المطبخ السياسي... طريقة التحضير وأنواع الطهاة
- المطبخ العربي للسياسة… تَمَنٍ دون إعداد
- ياسر عرفات... الزعيم الذي صاغ الذاكرة الفلسطينية
- القوة في الحق والحرية... والضعف في العبودية والبطش
- أُكِلتُ يوم أُكِلَ الثور الأبيض
- نبض الصبر الفلسطيني.. صمود الموظفين والعمال رغم كل شيء
- سياسة الترف بعد الفقر.. هندسة الوعي وتغيّر الغايات
- الدفة وتعدد القباطنة... والعواصف المستمرة


المزيد.....




- -الوضع لا يزال غير واضح-.. مسؤول أمريكي يؤكد استهداف إيران ل ...
- أوكرانيا تأمل في الحصول على 154 مليار دولار إضافية من حلفائه ...
- ضربات أمريكية جديدة على إيران.. وطهران ترد باستهداف الكويت و ...
- الجيش الأمريكي يعلن شن ضربات على 10 مواقع بمضيق هرمز
- إسرائيل تشن ضربات على جنوب لبنان وحزب الله يندد بالاتفاق الج ...
- استحقاقات كبيرة أمام رئيس الوزراء البريطاني الجديد
- هجوم القوات الروسية سيستمر رغم الحديث عن مفاوضات
- مدن أوكرانية ستسقط قريبًا
- ضم مولدوفا إلى رومانيا.. بين الرغبة والواقع
- خلاف علني: روتّه في واشنطن يحاول إنقاذ حلف الناتو من الانقسا ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - بشار مرشد - الكلمة المأجورة.. والجدال البيزنطي