أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - بشار مرشد - خديعة الحياد واغتيال السياق














المزيد.....

خديعة الحياد واغتيال السياق


بشار مرشد
كاتب وباحث

(Bashar Murshid)


الحوار المتمدن-العدد: 8654 - 2026 / 3 / 22 - 02:49
المحور: الصحافة والاعلام
    


مقدمة:
في عالم الصحافة الحديثة وتنوعها المتسارع، لا تُقتل الحقيقة دائماً بالكذب الصريح، بل تُغتال أحياناً بـنصف الحقيقة حيث يبرز اليوم نمط من صيادي ومقتنصي التصريحات الذين يرتدون قناع الحياد المزيّف، ويتخذون من نقل الأقوال حرفياً وسيلةً لمآرب غير مهنية.

إنهم لا ينقلون الخبر ليضيئوا وعي القارئ، بل يقتطعون الكلمة من سياقها ليرموا بها في أتون الصراعات ، محولين المنصات الإعلامية إلى "ساحات تلاسن وتعزيز الشتائم ومختبرات لتوليد الكراهية.

هندسة الغضب:
لا يمارس هذا النوع من مدعي الحياد عمله بعفوية، بل هي عملية هندسة اجتماعية دقيقة. حيث تبدأ الخديعة باختيار تصريح لشخصية جدلية أو صاحب رأي مخالف لتوجه ذلك الجمهور المتعطش، ثم يتم انتزاع هذا التصريح من سياقه الموضوعي أو الزمني، ووضعه في برواز واطار من العناوين التي توحي إلى الاستفزاز.
إن الهدف هنا ليس تقديم معلومة، بل استدعاء الضحية إلى المقصلة الرقمية. ويدرك هذا المدعي يقيناً أن جمهوره لا يقرأ ليفهم، بل يقرأ ليفرغ شحنات الغضب في ذلك المذبح؛ فيقوم بتقديم الوليمة (التصريح) وينسحب بهدوء الخبث خلف عبارة نحن مجرد ناقلين، تاركاً الساحة لجيوش الشتائم والتهكم. إنها ليست صحافة اونقل معلومة، بل هو انحراف اخلاقي لإعلام يتاجر بمشاعر الجماهير ويبيع كرامة الأشخاص مقابل حفنة من الاعجابات وعقود الإعلانات التي تزداد كلما زاد منسوب الكراهية في التعليقات.

الهامش المسموم وتبييض الأجندات خلف الشاشات:
لا تكتمل فصول هذه الخديعة إلا بالنظر إلى تلك المساحات الرمادية التي يتحرك فيها بعض العاملين في القنوات الفضائية، أو تلك الصفحات التي تتلحف بأسماء مؤسسات إعلامية كبرى أو بعض الدول والأحزاب والتيارات، إنهم يتخذون من فضاء التواصل الاجتماعي هامشاً قذراً لطرح ما لا تجرؤ القنوات الرسمية على بثه التزاماً بحد أدنى من المعايير أو خوفاً من المساءلة القانونية.
هنا، يتحلل الصحفي المدعي من وقار الشاشة، ليتحول على منصات التواصل إلى محرض جوال ينشر التصريحات المبتورة، ويغذي الصراعات، ويمارس اغتيال الشخصية بدم بارد، مستفيداً من اسم القناة التي تمنحه الشرعية ومن حرية السوشيال ميديا التي تمنحه الفوضى. إنها عملية توزيع أدوار خبيثة فالقناة للحفاظ على المظهر الدبلوماسي، والصفحات الشخصية والهوامش الرقمية لإدارة حروب الشوارع الإلكترونية.

التزييف واغتيال الوعي الجمعي:
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد سقطات مهنية عابرة، فالتخوف هو أن تصبح جائحة إعلامية عابرة للحدود، تغذيها خوارزميات ومنصات تواصل باتت تمنح المحرض مكبر صوت لا يملكه الحكماء. ومع انفجار أدوات التزوير المرئي والمسموع، ودخول الذكاء الاصطناعي على خط تزييف الحقائق واختلاق التصريحات، أصبحنا أمام ماكينة إعدام فتاكة لوعي الشعوب.
هذا التطور التقني، حين يقع في يد ببغاوات النقل ومدعي الصحافة، حيث يتحول إلى خنجر مسموم يمعن في تمزيق جسد الأمة الذي أنهكه التفرق والتشرذم أصلاً. فإن سرعة انتشار هذه الأكاذيب والمقاطع المبتورة تعمق الكراهية وتحول الانقسام المجتمعي إلى حفرة سحيقة من الحقد المتبادل.

الخاتمة:
وهنا السؤال المرير كيف لأمةٍ تئن تحت وطأة التشرذم أن تواجه مثل تلك الجائحة من التزييف الرقمي وهي ترزح تحت وطأة تخلف ثقافي ومجتمعي يجعل من اللايك والاعجاب قيمةً أسمى من الحقيقة، ومن الشتيمة دليلاً على الانتماء.
إن استعادة الوعي لم تعد ترفاً فكرياً، بل هي معركة وجود؛ فإما أن نصنع سداً ثقافياً يوقف هذا الانحدار، أو أننا سنبقى وقوداً لنارٍ يشعلها مدعو الحياد بدمٍ بارد، في جسد أمةٍ لم تعد تحتمل مزيداً من الطعنات.
إن السد الثقافي المنيع يبدأ بكلمة لا؛ لا للاستدراج خلف العناوين المستفزة، ولا لتصديق أنصاف الحقائق. إذا توقف الجمهور عن منح اللايك للمحرضين، ستجف منابع تمويلهم وتنهار منظومة التجارة بالكراهية.



#بشار__مرشد (هاشتاغ)       Bashar_Murshid#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الريادة والكفاءة.. بين وقار الامتلاء وضجيج الفراغ
- الصحافة...من سلطة رابعة كمراقب إيجابي إلى خامسة كمؤثر سلبي
- بين دهاليز الدهاء وتجميل المصطلحات...القراءة الواقعية للعلاق ...
- ملاحظات... في تجربة البناء وتداعيات الانقسام
- قراءة في الوعي المفقود
- أوثان العقل... هل بعثت الجاهلية الحديثة أصنامها؟
- الازدواجية.. ثورة في المنشورات.. وفوضى في الممارسات
- أمر العمليات في الإدارة.. من الميدان إلى القرار
- الكلمة المأجورة.. والجدال البيزنطي
- التبلد الأخلاقي..حين يرتدي العُري أثواب الفضيلة
- الانتحار الحضاري البطيء.. عندما يصبح التحذلق بديلًا عن الإنت ...
- -المعارضة المتأخرة-: حين يصبح -أبناء النظام- أشد خصومه!
- انحطاط الحوار والتلون الانتهازي.. انهيار الأخلاق والقيم
- بين الفلسفة والإدراك... مسارات تكوين الشخصية والفكر
- الفيروسات البشرية..من وباء الى تشخيص
- تسطيح العقول.. كيف تُدار السذاجة والشيطنة؟
- الصهيونية.. من مخلفات الحروب العالمية إلى مشروع الاحتلال وال ...
- عروض الأزياء السياسية.. والقضية الفلسطينية
- دول الكومبارس..المتناقضات كأدوار في السياسة والاعلام
- -اغتنام العجلة”.. بناء العقل والمعرفة بدل الترف الزائل


المزيد.....




- تحليل: الغارات الإيرانية على قواعد تستخدمها الولايات المتحدة ...
- واشنطن وتل أبيب تلوحان بالتصعيد -للحسم- وإيران تعلن -سماء إس ...
- ديمونة مقابل نطنز.. إيران ترسي معادلة -الردع المتبادل- وتسته ...
- بعثات دبلوماسية غربية في القدس ورام الله تدين -إرهاب المستوط ...
- تلميح أمريكي إلى إنهاء تدريجي للحرب مع إيران ومناقشات بشأن م ...
- ترمب يهدد بتدمير طاقة إيران ونتنياهو يصف الليلة بـ-العصيبة- ...
- طهران تنفي خبرا عن تحذير بإخلاء الدوحة
- صاروخ إيراني يخلّف جرحى في جنوب إسرائيل
- زامير يحذر: عواصم أوروبية تحت تهديد الصواريخ الإيرانية
- نتنياهو يتوعد بمواصلة ضرب أعداء إسرائيل على جميع الجبهات


المزيد.....

- مكونات الاتصال والتحول الرقمي / الدكتور سلطان عدوان
- السوق المريضة: الصحافة في العصر الرقمي / كرم نعمة
- سلاح غير مرخص: دونالد ترامب قوة إعلامية بلا مسؤولية / كرم نعمة
- مجلة سماء الأمير / أسماء محمد مصطفى
- إنتخابات الكنيست 25 / محمد السهلي
- المسؤولية الاجتماعية لوسائل الإعلام التقليدية في المجتمع. / غادة محمود عبد الحميد
- داخل الكليبتوقراطية العراقية / يونس الخشاب
- تقنيات وطرق حديثة في سرد القصص الصحفية / حسني رفعت حسني
- فنّ السخريّة السياسيّة في الوطن العربي: الوظيفة التصحيحيّة ل ... / عصام بن الشيخ
- ‏ / زياد بوزيان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحافة والاعلام - بشار مرشد - خديعة الحياد واغتيال السياق