أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأزمات (الحالة الليبية نموذجًا)















المزيد.....

نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأزمات (الحالة الليبية نموذجًا)


حسين سالم مرجين
(Hussein Salem Mrgin)


الحوار المتمدن-العدد: 8793 - 2026 / 8 / 10 - 22:13
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يأتي الانعقاد الحالي للاجتماع السنوي للجمعية الأمريكية لعلم الاجتماع (ASA) لعام 2026 في مدينة نيويورك، تحت شعار: تعطيل الوضع الراهن: وضع علم الاجتماع للعمل من أجل مجتمع أكثر إنصافًا، ليحدث نقلة نوعية في مسار البحث السوسيولوجي العالمي. إذ يهدف المؤتمر هذا العام إلى الانتقال الحاسم بالبحث من عتبة تشخيص المشكلات وتوصيفها، إلى مرحلة هندسة حلول عملية قائمة على الأدلة لمعالجة التحديات المعاصرة.
هذا التوجه العالمي يدفعنا بالضرورة إلى إعادة مساءلة واقع علم الاجتماع في ليبيا؛ لا سيما وأنه يتشكل اليوم في بيئة تقع في صلب علم اجتماع الأزمات. لقد دأب أغلب الباحثين محليًا على دراسة الظواهر الاجتماعية وتفسيرها بالتركيز المكثف على المرتكزات النظرية والأسباب الجوهرية، في حين تُختزل المعالجات والبدائل في أسطر مقتضبة في استنتاجات الدراسات. إن العرف الأكاديمي في علم الاجتماع يرتكز تاريخيًا على التفكيك والتحليل، بينما تُهمل التوصيات في مقترحات عامة غالبًا ما تكون غير واقعية أو منفصلة عن الواقع الإجرائي القابل للتنفيذ. ولو أعدنا النظر بتمعن، لوجدنا أن جوهر القيمة العلمية والمجتمعية للدراسات السوسيولوجية تكمن تحديدًا في تلك الأسطر غير المرئية؛ أي تلك التي ينبغي أن تُترجم إلى سياسات اجتماعية وخطوات إجرائية حقيقية لتجاوز الأزمات.
هنا تستحضرني المقاربة التشبيهية للتشخيص الطبي؛ فبالرغم من أن عملية التشخيص تستغرق وقتًا طويلًا من التحليل، ويتطلب إرساؤها فحوصًا وصورًا مخبرية دقيقة، فإن الهدف النهائي للطبيب ليس الغرق في وصف الداء أو تقصي مسبباته التاريخية فحسب، بل إن غايته الأسمى تكمن في الولوج إلى العلاج الناجع.وبالمثل، يجب ألا يكون الحل السوسيولوجي هلاميًا أو معزولًا عن الواقع؛ بل ينبغي أن يُصاغ بمسؤولية الوصفة الطبية، مرتكزًا على أدلة ملموسة، وإجراءات عملية، وقابلة للتطبيق الفعلي لإنقاذ المجتمع من أزماته البنيوية.
يدفعنا هذا المنعطف المعرفي بالضرورة إلى إعادة تعريف وظيفة السوسيولوجيا؛ فعلم الاجتماع ليس مجرد علم نقدي ينكفئ على تفكيك الإشكاليات ورصد الظواهر، بل هو علم يمتد بنيويًا ليشمل أدوات وآليات التحسين والتطوير والإصلاح؛ أي أنه علم اجتماع تقويمي وعلاجي بالدرجة الأولى.
هذا المنظور التطبيقي ليس وليد اليوم، بل هو أطروحة فكرية سبق وأن قدمتُها عام 2015 في محاضرة علمية وجهتُها لطلبة الدراسات العليا بقسم علم الاجتماع. ورغم أن هذه الرؤية واجهت آنذاك تحفظًا، بل ومقاومة من بعض الزملاء في هيئة التدريس الذين تمسكوا بالقوالب الكلاسيكية الجاهزة، فإن طرحي كان مدفوعًا ومتأثرًا بعمق بتجربتي الميدانية والعملية في المركز الوطني لضمان جودة واعتماد المؤسسات التعليمية والتدريبية، حيث تتجلى قيمة القياس والتقويم كمحركات للتغيير الفعلي. لقد قمتُ حينها بصياغة تعريف إجرائي مبتكر للجودة يتلخص في: كيف نرى أنفسنا بشكل أفضل كما يرانا الآخرون، وليس كما نرى نحن أنفسنا. وعند إسقاط هذا المفهوم على الحقل السوسيولوجي، نكتشف أن الهدف الأسمى للبحث العلمي لا ينبغي أن يقف عند عتبة اجترار النظريات، وسرد المبررات، وافتراض الفرضيات؛ بل يجب أن يتجاوز ذلك ليكون علم الاجتماع شريكًا بنيويًا في منظومة التفكير، وصناعة منهجيات الحل والمعالجة داخل البنية المجتمعية.
إن الاكتفاء بوضع توصيات شكلية تفصلها فجوات عميقة عن الواقع المعيش لم يعد ترفًا مقبولًا؛ فالمجتمع اليوم، في ظل أزماته المركبة، بحاجة ماسة إلى سوسيولوجيا إجرائية تملك أدوات التقويم الذاتي والمجتمعي، وتصوغ استراتيجيات قابلة للتنفيذ تُحدث فرقًا حقيقيًا وملموسًا في حياة الناس.
تتحرك أدبيات الجودة وضمانها نحو دفع المؤسسات والبرامج التعليمية إلى تبني الدراسات الذاتية كأداة محورية؛ وهي مرحلة تجمع بين التقييم والتقويم لتحديد الوضع الراهن بدقة، ورصد مواطن التحسين والتطوير عبر خطط عمل واضحة ومحددة، ومبنية على مؤشرات أداء تقيس مدى التقدم المحرز نحو تحقيق الأهداف المرسومة.
واليوم، بات علم الاجتماع مطالبًا أكثر من أي وقت مضى بتبني هذه الفلسفة الإجرائية؛ وذلك من خلال صياغة معالجات سوسيولوجية قائمة على الأدلة الدامغة تثبت جدوى الحلول وإمكانية تطبيقها على أرض الواقع، بدلًا من الاكتفاء بتوصيات عابرة تفتقر إلى التفاصيل التنفيذية.
إن الباحثين في حقل علم الاجتماع ملزمون اليوم بصياغة مؤشرات خروج علمية ومدروسة لتجاوز الأسباب الهيكلية التي أنتجت الأزمات والظواهر المعقدة. هذا الخروج لا ينبغي أن يكون ارتدادًا عشوائيًا، بل مسارًا منظمًا ومؤسسًا على التعافي المجتمعي الشامل وتحقيق المستهدفات الوطنية.
ويعني هذا التحول المنهجي أن الثقل الأكبر للبحث السوسيولوجي المعاصر يجب أن ينصب على هندسة الأدلة لمعالجة الإشكاليات الجذرية المسببة للاختلالات، والانتقال بالفكر الاجتماعي من فضاء التوصيف السردي إلى فضاء الحوكمة والتغيير الفعلي.
وفي سياق هذا التقييم النقدي، تجدر الإشارة إلى ما تضمنته مقالاتي السابقة حول مأزق العجز الفعلي الذي يواجهنا أحيانًا كمتخصصين في علم الاجتماع؛ حيث يعجز بعضنا عن حل مشكلاته الشخصية أو إدارة تعاملاته اليومية داخل البنية المجتمعية وبيئات العمل المحيطة. إننا كثيرًا ما نجد الأستاذ الجامعي في علم الاجتماع عاجزًا عن توظيف أدواته المعرفية لتجاوز التحديات اليومية؛ مما يكشف عن انقسام حاد وازدواجية بنيوية في التفكير: تارةً يفكر كباحث أكاديمي يملك ترف التأطير النظري، وتارةً أخرى يتصرف كجزء من الإشكالية المجتمعية ذاتها منفصلًا تمامًا عن ممارسات حل المشكلات التي يدرسها. إن الاعتراف بهذا العجز السوسيولوجي الذاتي هو الخطوة الأولى والضرورية نحو صياغة الحل.
ولعل من الشواهد الواقعية الميدانية على أهمية الحلول القائمة على الأدلة ما طرحتُه قبل سنوات على أحد الزملاء الأكاديميين خلال نقاشنا حول إشكالية النزاعات القبلية في ليبيا؛ حيث اقترحتُ تفعيل قنوات التواصل والربط بين نساء القبيلتين المتنازعتين، استنادًا إلى مؤشرات سوسيولوجية واضحة تُبين التأثير الخفي والعميق للنساء في مسارات المصالحة أو إذكاء الصراع. لم يتقبل الزميل آنذاك وجهة نظري واعتبرها طرحًا غير مألوف ولا طائل منه. لكن المفارقة تجلت بعد أسابيع قليلة، عندما قامت بعثة الأمم المتحدة بتنفيذ هذه المقاربة حرفيًا؛ عبر عقد لقاءات مكثفة بين نساء القبيلتين في تونس كخطوة تمهيدية وأساسية نحو المصالحة الشاملة.
لقد قامت المنظمة الدولية بما عجزنا نحن عنه كأكاديميين: إذ رصدت الأدلة، وحللت المسببات، وتفطنت للتأثير المحوري للنساء؛ فبدأت الحل الإجرائي من هناك، ونجح بالفعل في خفض حدة النزاع والانتقال إلى مربع التعافي.إننا في علم الاجتماع لا سيما في دول النزاعات والأزمات الممتدة بحاجة ماسة إلى إعادة ضبط زوايا الرؤية؛ نحو تبني أدلة تطبيقية إجرائية: يرتكز كل دليل منها على مؤشرات أداء وقياس واضحة وقابلة للتحقق على أرض الواقع.
تأسيسًا على ما تقدّم، فإننا نقف اليوم أمام استحقاق معرفي وتاريخي يلزمنا بمراجعة جذرية وعميقة للوضع الأكاديمي الراهن؛ بهدف إعادة توجيه علم الاجتماع وتفعيله وظيفيًا للعمل من أجل بناء مجتمعات أكثر عدلًا وإنصافًا. إن التحديات المعاصرة تمنحنا فرصة استثنائية للانتقال الحاسم بالبحث السوسيولوجي من عتبة الاكتفاء بتحديد المشكلات وتوصيفها السردي، إلى مرحلة هندسة حلول عملية إجرائية قائمة على الأدلة الدامغة، لا سيما في الدول والمجتمعات التي تعاني من أزمات ممتدة ونزاعات هيكلية كالحالة الليبية.
إن هذا التحول المنهجي يقتضي بالضرورة أن تأخذ المقاربات العلاجية والتطبيقية مساحات أوسع وأعمق من التفكير والزمن؛ ضمن نطاق ممتد من الأدلة والمؤشرات الملموسة التي تثبت علميًا وعمليًا مدى جدوى هذه المعالجات وقابليتها للتنفيذ على الأرض.
لقد ولى زمن الاختزال؛ فلم يعد مقبولًا أن تُهمل البدائل والحلول في أسطر قصيرة مقتضبة قابعة في نهاية البحوث، تحتاج بدورها إلى مزيد من التفسير والتفكيك. بل يتوجب أن تصبح هندسة الحلول هي المتن الأساس، والمنطلق الحقيقي الذي يستمد منه الفكر الاجتماعي قيمته ومبرر وجوده في قيادة المجتمعات نحو التعافي، والاستقرار، والبناء المستدام.



##حسين_مرجين (هاشتاغ)       Hussein_Salem__Mrgin#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحن بحاجة إلى معايير ومؤشرات الصمود للمؤسسات التعليمية الليب ...
- معايير ومؤشرات الصمود لضمان جودة التعليم في بيئات النزاع الع ...
- تشريح سوسيولوجي لظاهرة أمراء الحرب وخصخصة الدولة في ليبيا
- كيف نرى الجودة وضمانها في التعليم بليبيا ؟ أطر الحوكمة ورهان ...
- الانقلاب على حتحات على ما فات: هندسة الذاكرة الليبية سيكولوج ...
- تأصيل التفاهة وتأميم الذاكرة: قراءة في المتخيل القبلي والسيا ...
- قراءة تقييمية لواقع جودة التعليم العالي وضمانها في المنطقة ا ...
- علم الاجتماع في ليبيا تفكيك إرت الكوابح ورهانات المشروع السو ...
- علم الاجتماع في ليبيا: من ذاكرة شرنقة السلطة إلى حصار الرقاب ...
- رؤية تفاعلية لإعادة هيكلة أنظمة الجودة وضمانها في التعليم بل ...
- السيولة الهيكلية في الإدارة الليبية: أداة لتفتيت الذاكرة الم ...
- ذاكرة الآباء الواقعية: كيف تبني عثرات الماضي مناعة الأبناء؟
- أزمة التعليم في ليبيا: إنتاج المشكلات بدل الحلول
- سيادة التعليم في ليبيا بين مطرقة الانقسام وسندان المنظمات ال ...
- 9 يوليو 1996 في ليبيا: الذاكرة الجريحة التي ما تزال تنزف صمت ...
- كيف يُدار التعليم العالي في ليبيا ؟
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة في ليبيا من التفكيك إلى آليات الت ...
- سوسيولوجيا الذاكرة الجريحة: نحو مقاربة المصالحة القائمة على ...
- جامعات ليبيا بعد 2014: طفرة في العدد وتعثر في الأثر
- من لعب الإقصاء في المدارس إلى ثقافة المواطنة: دعوة لإعادة هي ...


المزيد.....




- بينها الحرس الثوري.. المرشد الإيراني يعيد تشكيل القيادة العس ...
- مصر.. ارتفاع التضخم السنوي إلى 14.9% وسط ترقب لقرار الفائدة ...
- -دخول العلم المصري ممنوع- مدون مصري يثير جدلاً في منطقة سقار ...
- ترامب يردّ على مطالب إيران ويضع شرطًا جديدًا للمفاوضات: سنطا ...
- ترامب يقول إنه بدوره سيطلب تعويضات من إيران وقد وجه مفاوضيه ...
- مصر.. بيان من وزارة الصحة بعد جدل حول تصريحات بشأن الأنسولين ...
- الدفاع الروسية: إسقاط 215 مسيرة أوكرانية خلال 24 ساعة
- إيران لترامب.. لا مساومة بشأن مضيق هرمز
- دبلوماسي أمريكي: واشنطن ستبذل كل الجهود الممكنة لدعم المفاوض ...
- أوروبا تواجه تهديدا خطيرا وكارثيا


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسين سالم مرجين - نحو سوسيولوجيا تطبيقية: مرحلة هندسة الأدلة في علم اجتماع الأزمات (الحالة الليبية نموذجًا)