|
|
فردوس العاشقات الحزينات لبرهان شاوي: أسئلة الحب والرغبة والهوية
وليد الأسطل
الحوار المتمدن-العدد: 8792 - 2026 / 8 / 9 - 13:59
المحور:
الادب والفن
ماذا يحدث للإنسان حين يكتشف أن أكثر الأشياء التي يظن أنه يختارها بحرية قد تكون قد تشكلت فيه قبل أن يبدأ الاختيار؟ سؤال كهذا يبدو في ظاهره فلسفيا، غير أنه سرعان ما يتحول داخل "فردوس العاشقات الحزينات" إلى سؤال عن الجسد والرغبة والذاكرة والخوف والذنب. فالعلاقات التي تتحرك فيها الشخصيات لا تقدم الحب بوصفه تجربة عاطفية منفصلة عن بقية الوجود؛ إذ تكشفه كقوة تختبر صورة الإنسان عن نفسه، وتضع اختياراته أمام تاريخ طويل من الاحتياجات والندوب والتوقعات.
ومن منظور نقدي، يمكن القول إن الرواية تتحرك داخل منطقة تتقاطع فيها الرواية النفسية مع الرواية الأخلاقية، مع السرد التأملي الذي يجعل الحدث وسيلة لاختبار المفاهيم أكثر من كونه غاية مستقلة. وهذا يقربها، من ناحية نظرية، من ذلك التصور الذي جعل الرواية عند بول ريكور فعلا لإعادة تنظيم التجربة الإنسانية داخل الزمن والحكاية. فالشخصية لا تُفهم هنا من خلال ما تفعله فقط، ولكن من خلال الطريقة التي تعيد بها رواية ماضيها وتبرير حاضرها وتوقع مستقبلها. يصبح الزمن السردي، في هذه الحالة، جزءا من بناء الهوية نفسها.
وأثناء القراءة ظل سؤال يعود إليّ بأشكال مختلفة: هل نحب الأشخاص فعلا، أم نحب ما يجعلوننا نشعر به تجاه أنفسنا؟
قد يبدو السؤال بسيطا، لكنه يزداد قسوة كلما اقتربنا من الشخصيات. فالعاشق لا يدخل العلاقة وحده. يدخل ومعه طفولته، خوفه من الهجر، ذاكرته، غروره، حاجته إلى أن يكون مرغوبا، حاجته إلى أن يشعر بأنه ما زال حيا. المرأة كذلك لا تدخل العلاقة بوصفها صفحة بيضاء. كل شخصية تحمل تاريخا سابقا للعلاقة، ولهذا يصعب أن نفهم ما يحدث بينها وبين الآخر من خلال الحاضر وحده.
وهنا تستفيد القراءة من مفهوم "الهوية السردية" عند ريكور. فالذات لا تظهر بوصفها جوهرا ثابتا مكتفيا بذاته، وإنما تتشكل عبر الحكايات التي يرويها الإنسان عن نفسه. ومن هذه الزاوية، يمكن فهم كثير من اضطرابات الشخصيات باعتبارها اضطرابا في علاقتها بحكايتها الخاصة: من أنا؟ ماذا حدث لي؟ هل ما أفعله الآن امتداد لما عشته سابقا، أم محاولة للهروب منه؟ وهل يستطيع الإنسان أن يغير حكايته دون أن يخون نفسه؟ تبدو الرواية مشغولة بهذا السؤال على نحو واضح، حتى عندما لا تطرحه بصيغته الفلسفية المباشرة.
ربما لهذا كانت تسمية الشخصيات بآدم وحواء ذات دلالة تتجاوز فكرة التعميم. إن كل واحدة منها احتمال من احتمالات الإنسان.
وهذه التقنية تستحق قراءة سردية مستقلة. فالتسمية النموذجية تقلل من فردانية الشخصية، وتدفعها نحو وظيفة تمثيلية، كأن الكاتب يريد أن ينقلها من حيز الشخص إلى حيز النموذج الإنساني. هنا يمكن استحضار رولان بارت، خصوصا في تصوره للنص باعتباره فضاء تتقاطع فيه أصوات وخطابات متعددة. لا تعود الشخصية ملكا لمؤلفها وحده، ولا يتلقى القارئ معناها جاهزا؛ يتكون المعنى من شبكة العلاقات والإشارات والمرجعيات التي تحيط بها.
وهنا يصبح السؤال أكثر إزعاجا: هل يمكن أن نقرأ أنفسنا في شخصية ندينها؟ ربما نعم. وهذه واحدة من أخطر وظائف الأدب. إنه لا يسمح لنا دائما بالبقاء في موقع القاضي. يمنحنا في لحظة ما أسبابا تجعلنا نفهم الشخص الذي كنا نرفضه، ثم يتركنا أمام ورطة أخلاقية لا مخرج سهلا منها. نفهمه، نتعاطف معه، ثم نكتشف أننا لا نستطيع تبرئته.
هل فهم الإنسان يعني بالضرورة العفو عنه؟ لا أعتقد.
هذه المنطقة تحديدا هي التي تجعل الرواية أقرب إلى مختبر أخلاقي. لا تتحرك الشخصيات فقط بين الحب والكراهية، إنها تتحرك بين الرغبة والمسؤولية، بين ما تريد وما تعرف أنه قد يؤذي الآخرين. وهنا يتدخل سؤال قديم جدا، لكنه لا يفقد خطورته: كم تبلغ مسؤولية الإنسان عن رغباته؟
إذا كانت الرغبة قد تشكلت في طفولة بعيدة، وإذا كانت الأسرة والمجتمع والخوف والقمع والحرمان قد ساهمت في بنائها، فأين يبدأ اختيار الإنسان؟ وأين ينتهي عذره؟ يمكن هنا استدعاء ميشيل فوكو، لا بوصفه مفتاحا تفسيريا وحيدا للرواية، ولكن بوصفه أداة لطرح سؤال آخر: كيف يتعلم الإنسان أن يتحدث عن رغبته أصلا؟ فالرغبة ليست تجربة داخلية خالصة، إنها محاطة بخطابات اجتماعية وطبية وأخلاقية وقانونية تحدد ما يمكن قوله عنها وما ينبغي إخفاؤه. ومن هذه الزاوية، لا تبدو الشخصيات مجرد أفراد يعانون من رغبات خاصة؛ إنها أيضا نتاج شبكة من الأحكام التي سبقتهم. يصبح السؤال إذن: هل نحن نرغب كما نريد، أم كما سمح لنا تاريخنا الثقافي أن نرغب؟
جعلتني هذه الأسئلة أفكر في الرواية بطريقة مختلفة: تتجاوز العلاقات في الرواية كونها روابط بين الشخصيات، لتصبح اختبارات للذات. كل علاقة تسأل الشخصية بطريقة غير مباشرة: من أنت عندما ترغب؟ من أنت عندما تخاف أن تخسر؟ من أنت عندما تعرف أن رغبتك قد تؤذي إنسانا آخر؟
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الحب في الرواية يبدو أحيانا كأنه مرض جميل. نحن نبحث عن الآخر كي نكتشف أنفسنا، ثم نكتشف أنفسنا على نحو لا نحتمله. نريد شخصا يعرفنا، ثم نخاف من مقدار ما يمكن أن يعرفه. نريد أن نكون قريبين، ثم نشعر بالرعب من فقدان المسافة. نطلب الحرية، ثم نتألم عندما يمارس الآخر حريته. ما أغرب هذا الكائن الذي نسميه عاشقا! إنه يريد شيئا مستحيلا تقريبا.
وهنا يمكن أن تتقاطع الرواية مع أطروحة إيمانويل ليفيناس حول الآخر. فالمشكلة الأخلاقية لا تبدأ عندما أحب الآخر فقط؛ تبدأ عندما أدرك أنه لا يمكن اختزاله في حاجتي إليه. ليس الآخر مرآة لرغباتي، وليس امتدادا لذاتي، ولا مادة أستعملها كي أكتمل. تمنح هذه النقطة العلاقات في الرواية بعدا فلسفيا عميقا: يمكن أن تُقرأ كل مأساة عاطفية بوصفها صراعا بين الرغبة في الاقتراب والرغبة في امتلاك الآخر.
ولذلك أحببت المساحة التي تفتحها الرواية أمام العلاقة بين الحب والهوية. أحيانا لا نحب الشخص نفسه بقدر ما نحب الشخص الذي نصبحه عندما نكون معه. وهذه فكرة مرعبة إذا أخذناها إلى نهايتها. ماذا لو كان بعض ما نسميه حبا مجرد تعلق بصورة أنفسنا في عيون أشخاص آخرين؟ ماذا لو كان الفراق مؤلما لأننا لا نفقد الآخر فقط، ولكن نفقد النسخة التي كناها إلى جواره؟
عند هذه النقطة يصبح الحب شبيها بالفلسفة الوجودية أكثر مما يبدو في البداية. وهنا يمكن استحضار جان غرونييه، ذلك الكاتب والفيلسوف الفرنسي الذي اشتغل بهدوء شديد على هشاشة الوجود، وعلى ذلك الشعور الغريب بأن الإنسان يبحث دائما عن شيء يستطيع أن يمنحه معنى، مع معرفته الضمنية بأن كل شيء قابل للزوال. ربما هذا هو سر الحزن في "فردوس العاشقات الحزينات".
الفردوس موجود للحظة، ثم يبدأ الخوف من فقدانه. قد يكون الحزن أحيانا نتيجة معرفة الإنسان بأن أجمل الأشياء مؤقتة. نحن لا نحزن فقط لأن من نحب ابتعد. نحزن لأننا نعرف أن قربه نفسه لم يكن مضمونا منذ البداية. وهنا يصبح عنوان الرواية شديد الذكاء. كيف يمكن أن يجتمع الفردوس بالحزن؟ ربما لأن الفردوس الإنساني لا يأتي منفصلا عن هشاشته. لحظة الامتلاء نفسها تحمل في داخلها احتمال النقص.
ومن منظور جمالي، تقوم المفارقة في العنوان بوظيفة تتجاوز التزيين البلاغي. إنها تضبط أفق القراءة منذ البداية: "الفردوس" يحيل إلى الاكتمال، بينما "الحزينات" تنقض هذا الاكتمال فورا. نحن أمام تركيب دلالي متوتر، يمكن قراءته وفق ما يسميه النقد البنيوي علاقة التضاد الداخلي. السعادة والحزن، الامتلاء والنقص، الجسد والروح، الحرية والتعلق، كلها ثنائيات لا تستقر في الرواية على أحد طرفيها. وهذا يجعل العنوان أشبه بمفتاح تأويلي للنص كله.
وهذا يقود إلى سؤال آخر: هل يمكن أن يكون الحب مؤذيا لأنه يمنحنا أولا وهما بأن النقص يمكن القضاء عليه؟ نحن نريد من شخص واحد أن يملأ فراغات كثيرة صنعتها سنوات طويلة. نريده حبيبا وصديقا ومرآة ومنقذا وشاهدا على وجودنا. ثم نغضب عندما يعجز عن أداء كل هذه الوظائف. كأننا لا نكتفي بأن نحبه، فنحن نطالبه بأن يكون مؤسسة كاملة لإصلاح حياتنا. وهنا يصبح الآخر ضحية توقعاتنا. ومن هذه النقطة يمكن إدخال مفهوم التعلق في التحليل النفسي الفرنسي، خصوصا عند جاك لاكان، حيث لا تكون الرغبة بحثا عن شيء مكتمل يمكن امتلاكه نهائيا. تتحرك الرغبة حول نقص لا يختفي بمجرد العثور على موضوع للحب. لذلك قد يحصل الإنسان على ما كان يظنه خلاصه، ثم يشعر بعد فترة بأن شيئا آخر ينقصه. ليست المشكلة دائما في الحبيب؛ قد تكون في البنية نفسها التي تجعل الرغبة غير قابلة للإشباع الكامل. وهذا يمنح الرواية بعدا يتجاوز العلاقات الفردية إلى سؤال بنية الرغبة الإنسانية ذاتها.
يجعل هذا الجانب استدعاء فرويد في الرواية مثيرا للاهتمام، خصوصا حين يتقاطع التحليل النفسي مع الأدب. يستطيع فرويد أن يسأل: لماذا ترغب هذه الشخصية في ذلك؟ من أين جاءت عقدتها؟ ما علاقتها بماضيها؟ ما الذي تخفيه عن وعيها؟ أما الأدب فيسأل سؤالا آخر: وماذا لو كان الإنسان أكبر من تفسيره؟ يمكن تفسير السلوك، يمكن البحث عن أسبابه، يمكن العودة إلى الطفولة والذاكرة والكبت، مع ذلك تبقى في الإنسان منطقة لا تنفتح بسهولة أمام التحليل.
وهنا أتذكر موريس بلانشو، الذي تعامل مع الأدب بوصفه اقترابا من منطقة لا يمكن للمعرفة أن تحيط بها تماما. لا يأتي الأدب دائما ليشرح الغموض، أحيانا يمنح الغموض فرصة كي يبقى غموضا. وهذا ما أراه مهما في الرواية. هي لا تقول للقارئ: هذه المرأة فعلت ذلك لأنها تعاني من كذا. هي تتركك أمام المرأة، أمام تاريخها، أمام أخطائها، أمام ضعفها، ثم تسألك: ماذا ستفعل أنت بكل ما عرفت؟ وهذه مسألة أخلاقية قبل أن تكون أدبية.
ومن الناحية المنهجية، تكمن قوة الرواية في أنها لا تجعل التحليل النفسي بديلا عن الأدب. فالشخصية ليست حالة سريرية تنتظر تشخيصا. إنها بناء سردي تتحرك داخله دوافع متعارضة، وذاكرة غير مستقرة، ورغبات لا تمتلك اللغة الكافية للتعبير عن نفسها. هنا تصبح القراءة النفسية مكملة للقراءة السردية، لا وصية عليها. وهذه نقطة مهمة في النقد الأكاديمي، لأن اختزال الشخصية في عقدة واحدة يؤدي إلى إفقارها، تماما كما يؤدي اختزال الرواية في موضوع الجنس أو الخيانة أو الحب إلى إفقار بنيتها الفكرية.
يفتح النقاش المتخيل حول لوليتا الباب على سؤال شديد الحساسية يتعلق بحدود الأدب. هل يستطيع الكاتب أن يصور شخصية منحرفة أخلاقيا من دون أن يمنحها نوعا من الجاذبية؟ هل كشف المرض يعني إدانته؟ هل يمكن للجمال الفني أن يجعل الشيء القبيح أكثر خطورة؟ وهل ينبغي للأدب أصلا أن يكون أخلاقيا حتى يكون عظيما؟ لا أملك إجابة نهائية. وربما يكمن جمال المسألة في عدم وجود إجابة نهائية.
الأدب العظيم لا يعطينا دائما الموقف الصحيح. يضعنا أحيانا في موقف لا نستطيع أن نخرج منه بضمير مرتاح. وهذا بالضبط ما يفعله الأدب حين يكون صادقا مع تعقيد الإنسان. يمكن أن نفهم شخصا ونرفضه. يمكن أن نتعاطف معه ولا نبرئه. يمكن أن نعرف أن جرحه قديم، مع إدراك أن الجرح لا يمنحه حق جرح الآخرين. في هذه المنطقة تصبح الأخلاق أكثر نضجا، لأنها تتوقف عن كونها قائمة بسيطة من الأبيض والأسود. وهنا تبرز أهمية القراءة الأخلاقية عند بول ريكور مرة أخرى، خصوصا في التمييز بين فهم الفعل والحكم عليه. فالتفسير لا يلغي المسؤولية، كما أن المسؤولية لا تستلزم جهلا بأسباب الفعل. تمنح هذه الثنائية الرواية إمكانا نقديا مهما: يمكن للقارئ أن يفهم جذور السلوك من دون أن يتحول إلى محام عن الشخصية. وربما يكمن نضج التجربة الروائية في إبقائنا داخل هذا التوتر، حيث التعاطف لا يعني التبرئة، والإدانة لا تعني إلغاء إنسانية المدان.
ولعل أكثر ما شدني في الرواية هو أن الرجل يتخذ أكثر من موقع؛ يقرأ ما يجري، يراقبه، يتورط في ارتكاب الأذى، وقد يكون في لحظة أخرى سَنَدًا. وهذه الحركة المستمرة تمنع القارئ من تثبيت الشخصيات في أدوار مريحة. لا يوجد ملاك كامل، ولا شيطان كامل. هناك بشر. وهذه الكلمة وحدها ربما تكفي لتفسير كل شيء. البشر الذين يريدون ثم يندمون. الذين يخونون ثم يتألمون. الذين يجرحون الآخرين وهم يحاولون إنقاذ أنفسهم. الذين يبحثون عن الحب، ثم يخافون منه عندما يجدونه. كما أن توزيع الأدوار بين الرجل والمرأة يستحق قراءة من منظور النقد النسوي الفرنسي. فالمرأة هنا لا تُقدَّم بوصفها مجرد موضوع للرغبة، إذ تظهر كذلك طرفا فاعلا في علاقات الرغبة والصراع؛ غير أن حضور الرجل يظل مؤثرا في الطريقة التي تُفهم بها هذه التجارب. ومن هنا تتيح لوس إيريغاراي وهيلين سيكسو، وهما من أبرز الأصوات النسوية الفرنسية، مساءلة بقاء المرأة داخل مركز دلالي يصوغه الرجل؛ فمن خلال إيريغاراي يمكن النظر إلى هذا الحضور بوصفه سؤالا عن مدى قدرة المرأة على إنتاج ذاتها خارج المركز الذكوري، بينما تساعد سيكسو على قراءة المساحات التي تستعيد فيها المرأة صوتها ورغبتها بوصفهما تعبيرا عن ذاتها. وفي تقديري، تكشف الرواية عن هذا التوتر أكثر مما تحسمه: تمنح المرأة حضورا ورغبة، وتبقي سؤال استقلال هذا الحضور عن النظرة الذكورية مفتوحا.
وربما لهذا تبدو النزعة الصوفية في الخاتمة منطقية أكثر مما تبدو للوهلة الأولى. عندما تتحول جولييت وليلى وناديجدا إلى أصوات تتحدث عن الحب، يتغير السؤال من: كيف أحصل عليك؟ إلى: ماذا يعني أن أحبك أصلا؟ هذه نقلة كبيرة. الحب في بدايته رغبة في القرب. وفي نهايته، ربما، معرفة بأن القرب لا يعني الامتلاك. أن تقول للآخر: أريدك، مع الاعتراف بأنك لست شيئا أملكه. أن تحبه دون تحويله إلى ملكية. أن تعرف أن رحيله ممكن، مع ذلك لا تحول الحب إلى سجن خوف. وهنا يصبح الحب قريبا من تجربة روحية، لا لأنه يلغي الجسد أو الرغبة، وإنما لأنه يتجاوز فكرة السيطرة.
وهذه النهاية يمكن قراءتها أيضا في ضوء مفهوم التجاوز عند جورج باتاي، حيث تتجاور الرغبة والحدود، والجسد والممنوع، والنشوة والقلق. لا يعيش الحب عنده في منطقة آمنة ومستقرة؛ إنه يقترب من الحدود التي تجعل الفرد يشعر بأنه يتجاوز عزلته، مع بقاء خطر الانهيار حاضرا. ومن هذه الزاوية، فإن انتقال الرواية من الرغبة الجسدية إلى التأمل الصوفي ليس انفصالا عن مسارها السابق، إنه إعادة صياغة للسؤال نفسه: كيف يمكن للإنسان أن يتجاوز عزلته من دون أن يبتلع الآخر أو يذوب فيه؟
لقد شعرت أن بعض العبارات الشعرية في الرواية تتجاوز معناها المباشر، وتكشف عن أسئلة أعمق تتصل بالإنسان وعلاقته بالآخر. حين يصبح السؤال متعلقا بكيفية الرغبة في الآخر من دون خسارة الذات، فإننا لم نعد أمام مشكلة عاطفية صغيرة. نحن أمام سؤال وجودي كامل.
وإذا أردنا وضع الرواية ضمن سياق أوسع من الأدب والفكر الفرنسي الحديث، يمكن أن نجد صدى لاهتمام كتاب مثل مارسيل بروست بفكرة الذاكرة والغيرة، ولأسئلة سيمون دو بوفوار حول الحرية والعلاقة بالآخر، مع فارق أساسي هو أن "فردوس العاشقات الحزينات" تصوغ هذه الأسئلة ضمن بنية عربية ذات حساسيات اجتماعية وثقافية مختلفة. لذلك ينبغي التعامل مع المرجعيات الفرنسية بوصفها محاور حوار نقدي تساعدنا على اكتشاف ما يضيفه النص العربي إلى الأسئلة الإنسانية المشتركة. ربما هذه هي المأساة الحقيقية للعاشق. ليس أنه لا يجد من يحب، ولكن أنه يجد شخصا يستطيع أن يجعله يرى نفسه بوضوح أكبر مما يحتمل.
قد لا تكون "فردوس العاشقات الحزينات" رواية عن نساء حزينات بقدر ما هي رواية عن الإنسان حين يكتشف أن قلبه ليس مكانا آمنا كما كان يتصور. نحن نحب لأننا ناقصون، ونخاف لأننا نعرف أننا ناقصون، ونتعلق لأننا نريد أن نصدق أن شخصا آخر يستطيع أن يمنح هذا النقص شكلا من الاكتمال. ثم يأتي الواقع ليذكرنا بالحقيقة القديمة: لا أحد يستطيع أن ينقذنا بالكامل. ولا أحد يستطيع أن يحمل عنا حياتنا. ولا حتى الحب. ومع ذلك نستمر في البحث عنه. ربما لأن الإنسان يعرف في مكان عميق جدا داخله أن الفردوس مستحيل، ومع ذلك لا يستطيع أن يتوقف عن الحلم به. وهنا، تحديدا، تكمن مأساة العاشق وجماله في الوقت نفسه.
#وليد_الأسطل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لماذا لن أشاهد أوديسة كريستوفر نولان؟
-
الأَثَر
-
المدعي العام.. فسيفساء الوهم والقتل والأسطورة
-
سلامٌ لراشيل
-
ابنُ بابين لا يُغلقان
-
البحث عن ألمانيا المضيئة في حريق مسرح فايمار
-
ملامح الصبي الذي لم يتعلّم الوداع
-
19 يوليو.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
-
أرشيف دالكي.. فلان أوبراين
-
رواية العروس الصامتة.. بييرجورجيو بوليكسي:
-
راشيل، الغيابُ الطويل.. والجدران التي تعرف أكثر (في الغياب ن
...
-
سلطان وبغايا.. تفكيك للمدينة ولجهاز إنتاج المعنى
-
رواية عهد الماء: عندما يصبح الزمن نهرا من المصائر والذاكرة
-
ذاكرة شمبانيا: نص فرنسي المرجع والبناء
-
برشلونة الحلم.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
-
أصوات الموتى وإعادة تشكيل العالم في رواية حبيبتي مريم
-
بين بحرٍ وزيتون.. من ديوان: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
-
تقريظ الروائي الكبير برهان شاوي لروايتي ذاكرة شمبانيا
-
حين تتحول الحياة إلى اختبار للمعنى: قراءة في رواية متتالية ح
...
-
من ديوان في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
المزيد.....
-
آثار العراق مهددة بالزوال.. كيف -يُقنَّن- التاريخ باسم الاست
...
-
-خيار خاطئ-.. إعلام إسرائيلي يهاجم فنانة مصرية تخلت عن يهودي
...
-
صدور رواية لا تنتظرني للكاتب علاء غسان نصار
-
الاشتراكات الشهرية في -إنستغرام- تصبح مصدر دخل جديد.. تعرف ع
...
-
-أمك ثم أمك ثم أمك-.. لماذا اختارت هوليود حديثا نبويا عنوانا
...
-
عودة شيرين عبد الوهاب تشعل المسرح.. استقبال حافل وانتقادات ت
...
-
نوادر أدبية وفنية في مزاد ليتفوند.. من نيكراسوف المحظور إلى
...
-
فنان مصري شهير يعلن اعتزاله التمثيل نهائيا
-
رجل يعيش داخل لوحة إعلانية.. نتفليكس تبتكر أغرب دعاية لفيلم
...
-
ما علاقة القطط بالكهرباء والفلسفة والأدب؟
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|