أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - أصوات الموتى وإعادة تشكيل العالم في رواية حبيبتي مريم















المزيد.....

أصوات الموتى وإعادة تشكيل العالم في رواية حبيبتي مريم


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 18:51
المحور: الادب والفن
    


تضع رواية "حبيبتي مريم" للكاتبة هدى عيد، القارئ منذ بدايتها أمام عالم يتصدع من الداخل، حيث لا يعود الحدث مهمّا بقدر ما تصبح طريقة فهمه هي مركز التجربة. جريمة تقع، جثة تختفي، وأسرة تنفتح على سلسلة من الشكوك التي لا تتوقف عند حدود الوقائع. يتحول كل تفصيل في السرد إلى احتمال، وتتحول كل شهادة إلى سؤال جديد، حتى يبدو الواقع نفسه وكأنه فقد قدرته على تقديم إجابة ثابتة. في هذا المناخ، لا يعود المطلوب معرفة ما جرى فقط، وإنما فهم الكيفية التي يمكن بها للحقيقة أن تفلت من يد من يبحث عنها.

من السهل النظر إلى هذه الرواية بوصفها عملا يتناول الفساد السياسي، أو رواية اجتماعية عن أسرة لبنانية مزقتها الكوارث، أو نصا بوليسيا يعتمد على التشويق وتعدد الرواة. تلتقط هذه القراءات جزءا من الصورة، ثم تتوقف عند حدودها. تكشف الطبقة الأعمق أن القضية الأساسية تتعلق بطبيعة الواقع نفسه. هل نعيش داخل عالم يمكن الوثوق به؟ هل الحقيقة موجودة في الخارج، أم أنها تتشكل مع كل عين تنظر إليها؟ كم يحتاج الإنسان من الأدلة حتى يطمئن إلى أن ما يراه قد حدث فعلا؟

منذ اللحظة التي يقرر فيها غريب فتح قبر زوجته، يتغير مركز الرواية بالكامل. قرار كهذا لا يصدر عن فضول، ولا عن رغبة في الانتقام، ولا عن نزوة عابرة. إنه فعل فلسفي قبل أن يكون فعلا دراميا. يحاول الإنسان استعادة يقين سُلب منه. يزرع الطبيب الشك، ويبدأ الشك بابتلاع كل شيء. الحب، والذاكرة، والزواج، والعِشرة الطويلة، تتحول دفعة واحدة إلى مواد قابلة لإعادة التأويل. هنا يبرز سؤال ظل يرافق الفلسفة منذ بدايات الشك الفلسفي في الفكر الإغريقي: إلى أي حد يمكن لكلمة واحدة أن تهدم عمرا كاملا من الثقة؟

تضع الرواية هذا السؤال داخل سياق لبناني شديد القسوة، مع أن أصداءه تتجاوز لبنان بسهولة. المجتمع الذي تتراجع فيه سلطة القانون يترك فراغا، وهذا الفراغ لا يبقى خاليا. تنمو داخله سلطات أخرى، شبكات مصالح، روايات متعارضة، حقائق متنافسة، حتى يصبح الإنسان عاجزا عن التمييز بين الخبر والإشاعة، وبين الوقائع والتلفيق. لهذا يشعر القارئ أن الجريمة ليست حدثا استثنائيا، وإنما نتيجة منطقية لعالم اختلت قواعده منذ زمن.

يمثل اختفاء الجثة أكثر الرموز كثافة في الرواية. يحمل الجسد دائما وظيفة تتجاوز البيولوجيا. إنه آخر شاهد على الحياة، وآخر دليل على الموت. أولت الحضارات كلها الدفن مكانة استثنائية، لأن الإنسان يحتاج إلى طقس يعلن انتهاء الرحلة. يسحب اختفاء الجثة هذا اليقين من جذوره. يفقد الموت شكله المعروف، ويفقد الحزن نقطة ارتكازه، وتفقد الذاكرة آخر ما كانت تستند إليه.

تستدعي هذه الفكرة رواية اختراع موريل، حيث يتحول الحضور إلى غياب، والغياب إلى صورة يصعب الإمساك بحقيقتها. يعيش الإنسان هناك وسط أشباح لا يعرف إن كانت حية أم مجرد تسجيلات، بينما يعيش غريب وسط شكوك لا يعرف إن كانت ابنة الخيال أم امتدادا لجريمة أكبر. يلتقي العملان عند سؤال واحد: ما الذي يمنح الحقيقة وجودها؟ العين؟ الذاكرة؟ الوثيقة؟ أم الإيمان الداخلي؟

يمنح تعدد الرواة الرواية قيمة تتجاوز الناحية التقنية. لا تتناوب الأصوات على الحكي وفق نظام منظم، كل صوت يحمل تصورا كاملا للعالم. لا تظهر الحقيقة مجزأة، ولكن متحركة، تتبدل مع انتقال السرد من شخصية إلى أخرى.

تذكر هذه البنية بعالم رواية الصخب والعنف، حيث يتغير الحدث نفسه مع تغير الوعي الذي يرويه. لا يرى الإنسان الواقع كما هو؛ يرى صورته الخاصة عنه.

هنا يبرز سؤال آخر: هل تحفظ الذاكرة الماضي أم تعيد تأليفه؟ رأى هنري برغسون أن الذاكرة ليست مخزنا للوقائع، ولكن عملية مستمرة تعيد تشكيل الزمن داخل الوعي. تكاد هذه الفكرة تكون مفتاحا لقراءة "حبيبتي مريم". لا يعود الماضي كما وقع، وإنما كما تسمح له الجراح أن يعود. تعيد كل شخصية كتابة تاريخها كلما حاولت فهم ما جرى.

تصبح مريم نفسها فكرة أكثر من كونها شخصية. حضورها بعد الموت أقوى من حضورها أثناء الحياة. لا تمنح التسجيلات التي تركتها القارئ معلومات فحسب، وإنما تخلق مفارقة وجودية مؤلمة؛ قد يغيب جسد الإنسان، ويظل صوته يواصل إعادة تشكيل العالم. هنا يتذكر القارئ رواية بيدرو بارامو، حيث يتكلم الموتى، ويصير صوت الغائب أكثر رسوخا من أصوات الأحياء. لا يوقف الموت الكلام؛ يغير مصدره.

تنجح الرواية أيضا في تقديم الصحافة بوصفها تجربة أخلاقية. لا تبحث مريم عن سبق صحفي، ولكن عن معنى العدالة داخل فضاء فقد علاقته بالعدالة. ليست المعرفة هنا امتيازا، إنها عبء ثقيل. تفتح كل وثيقة جديدة بابا جديدا للخطر. يتذكر القارئ كتاب "الأمل ضد الأمل"، حيث تتحول الكتابة إلى مقاومة ضد محو الإنسان، ويصبح حفظ الحقيقة شكلا من أشكال الدفاع عن الكرامة.

لا تمتلك السلطة في الرواية وجها محددا، إذ تنتشر داخل المؤسسات، والخطابات، والعلاقات، وحتى داخل الخوف الذي يسكن الشخصيات. لهذا تبدو أفكار ميشيل فوكو قريبة من هذا العالم. لا تعيش السلطة في قمة الهرم وحدها، إنها تنتشر داخل تفاصيل الحياة اليومية، وتعيد إنتاج نفسها عبر اللغة، والإجراءات، والإشاعات، والصمت، والخوف.

يرفض الزمن أيضا السير في خط مستقيم. يستدعي الحاضر الماضي باستمرار، ويفرض الماضي حضوره على كل قرار جديد. يتحول الزمن إلى شبكة تتقاطع فيها الذكريات مع الوقائع، والندم مع الاحتمالات. يمنح هذا البناء الرواية طاقة تأويلية واسعة، لأن كل عودة إلى حدث سابق تضيف إليه معنى جديدا.

ثمة بعد آخر يستحق التوقف عنده، يتعلق بصورة الوطن. لا يظهر الوطن في "حبيبتي مريم" بوصفه مكانا جغرافيا، ولا شعارا سياسيا، ولا هوية جاهزة. يتحول الوطن إلى اختبار أخلاقي يومي. ماذا يبقى من الوطن حين يفقد الإنسان ثقته بالمؤسسات؟ ماذا يبقى حين تصبح الهجرة مشروع الخلاص الوحيد؟ ماذا يبقى حين يتحوّل الأمل إلى امتياز نادر؟

تفتح هذه الأسئلة بابا نحو رواية دفتر الملاحظات الذهبية، حيث يتشظى العالم إلى دفاتر متفرقة، ويعجز الإنسان عن جمعها داخل صورة واحدة متماسكة. التشظي هناك نفسي وثقافي، وهنا سياسي ووجودي، مع أن النتيجة واحدة: البحث الدائم عن مركز لم يعد موجودا.

اللافت أيضا أن الرواية لا تستثمر الكوارث بوصفها مادة للعاطفة الرخيصة. يحضر انفجار مرفأ بيروت بوصفه لحظة كشفت هشاشة العالم، لا بوصفه مناسبة للبكاء وحده. تدخل المدينة النص باعتبارها كائنا مجروحا، ويتحول الخراب إلى لغة موازية للحوار، كأن الأبنية المهدمة تقول ما عجزت الشخصيات عن قوله.

وسط هذا الركام كله، يبقى السؤال الأكبر معلقا: هل يستطيع الإنسان النجاة حين تنهار المعاني التي كان يعيش داخلها؟ كتب إيمانويل ليفيناس أن مسؤولية الإنسان تبدأ لحظة يلتقي وجه الآخر. تضيف رواية "حبيبتي مريم" بعدا مؤلما إلى هذه الفكرة؛ ماذا يحدث حين يختفي الوجه نفسه؟ كيف تستمر المسؤولية بعد اختفاء صاحبها؟ كيف يستمر الحب بعد غياب الجسد؟ كيف تستمر العدالة بعد ضياع الدليل؟

لهذا يصعب التعامل مع الرواية على أنها حكاية عن امرأة قُتلت، أو عن صحفية دفعت ثمن شجاعتها، أو عن أسرة حاصرتها الفواجع. كل قراءة تختزلها في محور واحد تفقدها جانبا من ثرائها. يقترب العمل أكثر من كونه تأملا طويلا في الإنسان حين يفقد نقاط الارتكاز التي اعتاد الاتكاء عليها. تتصدع الحقيقة، وترتبك الذاكرة، وينزف الوطن، ويدخل الحب امتحانه الأصعب.

لهذا يبقى الأثر الحقيقي للرواية خارج حدود أحداثها. ينتهي القارئ من الصفحة الأخيرة، ثم يكتشف أن السؤال ما زال مفتوحا: هل نبحث طوال حياتنا عن الحقيقة، أم نبحث عن شيء يجعل الحياة قابلة للاحتمال، حتى لو بقيت الحقيقة بعيدة؟ يمنح هذا السؤال "حبيبتي مريم" حياة أطول من زمن قراءتها، ويمنحها مكانا بين الأعمال التي لا تكتفي بسرد المأساة، وإنما تدفع القارئ إلى التفكير في الشروط التي تجعل المأساة ممكنة منذ البداية.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين بحرٍ وزيتون.. من ديوان: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- تقريظ الروائي الكبير برهان شاوي لروايتي ذاكرة شمبانيا
- حين تتحول الحياة إلى اختبار للمعنى: قراءة في رواية متتالية ح ...
- من ديوان في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- رواية ذاكرة شمبانيا: إشكالية كتابة التاريخ بين السلطة والسرد
- غزّةُ المعنى، وحكايةٌ عن فلسطين.. ديوان: في الغياب نتعلم شكل ...
- الصامتون، تشريح أدبي لعنف الورق وجناية الأحكام المسبقة
- حين يتحوّل الحُبّ إلى فخّ في رواية في الأدغال
- كنيسة سانت جيمس.. من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- كيف تعيدنا رواية أنا أنايس بيرغ إلى فجواتنا المنسية؟
- قصائد من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- حين يلتهم الحديد اللحم البشري في الأيام العظيمة
- عندما تهاجمنا الطفولة المفقودة في اقتلوهم جميعا
- كتابة الذات خارج يقينها
- رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك
- حين ينمو الشكل ويهتز النظام في الحدائق النحتية
- اعترافات إيطالي.. حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ
- حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ في اعترافات إيطالي
- أوروبا الوسطى وصناعة الأرشيف السردي الحي
- التاريخ ذريعة لتشريح الذات الإنسانية في مُؤتَمَن الشاعر


المزيد.....




- 250 عام على استقلال أمريكا.. الانقسامات حاضرة وترمب يحتكر ال ...
- الثقافة الروسية تجمع دول -بريكس- تحت مظلة حضارية واحدة
- غريب آبادي: الجولة الأولى من المحادثات الفنية في إطار مجموعا ...
- غريب آبادي: المشاورات بشأن الجولة الأولى من المحادثات الفنية ...
- بمرسوم من بوتين.. -متحف المحيط العالمي- ينال أرفع تصنيف ثقاف ...
- دافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ...رحيل الفنان الجزائري ع ...
- رويترز: الفرق الفنية الإيرانية والأمريكية ستجتمع في الدوحة خ ...
- برنامج -بطاقة بوشكين- الثقافي يسجل بيع أكثر من 113 مليون تذك ...
- فنان مصري مشهور يفقد بصره ويغيب عن الساحة الفنية
- علماء آثار من بطرسبورغ يرقمنون معالم أفريقيا والعالم الإسلام ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - أصوات الموتى وإعادة تشكيل العالم في رواية حبيبتي مريم