أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - قصائد من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير















المزيد.....


قصائد من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 20:49
المحور: الادب والفن
    


هذه بعض القصائد من ديوان كتبته على امتداد ثلاث سنوات. أراه اليوم، لا ينشغل بوصف العالم بقدر ما ينصت إلى ما يتكسر فيه. كتبته من مسافة بعيدة بيني وبين ما كنت أظنه يقينا، ومن حياة مكتظة بالتفاصيل والعمل، كانت تترك داخلي أثرا من الإنهاك الصامت، كأن المعنى يتراجع كلما حاولت تثبيته. في هذا الديوان المعنون "في الغياب نتعلم شكلنا الأخير"، لا يظهر الغياب كموضوع، وإنما كطريقة أرى بها الأشياء وهي تتبدل من دون أن تستقر. والغربة ليست مكانا، بقدر ما هي شكل من العيش داخل اللغة حين تفقد ثباتها. كل نص يختبر حدود المعنى وهو ينزلق، ويقيس هشاشة الأشياء حين تفقد أسماءها دون أن تفقد أثرها. لم أكتب هذه القصائد لأفسر شيئا أو أقدمه، وإنما لأبقى قريبا من لحظة الانكسار وهي تتحول، بهدوء، إلى شكل آخر من الفهم والبقاء.

1

أثرُ ما لم يثبتْ في الهواء:

لم يكن النسيانُ طريقًا مستقيمًا، ولا كانَ بابًا يُغلقُ خلفَ الخارجينَ منه.
كانَ يشبهُ يدًا تتعلّمُ ارتجافَها في العتمة، ثم تنسى كيفَ تُطفئُ ما أضاءتهُ ذاتَ وجعٍ.

أمشي وكأنّ الأرضَ تجرّبُني كلَّ يومٍ باسمٍ جديد،
وكأنّ جسدي استعارةٌ مؤجَّلةٌ لشيءٍ لم يكتملْ في اللغةِ بعد.
لا شيء يثبتُ على يقينِه:
حتى الظلالُ تتأخرُ عن أجسادِها،
حتى الخطى تعودُ لتسألَ عن معناها في الرملِ ثم تمضي.

يا أيّها القلبُ الذي يتخفّى كطفلٍ في جيبِ قميصٍ واسع،
كم مرّةً صدّقتَ أنَّك نجوتَ،
ثم اكتشفتَ أنّ النجاةَ كانتْ تمرينًا على سقوطٍ أكثرَ مهارة؟

ثمة أشياءُ تُغسَلُ ولا تخرجُ نظيفة،
وثمة ذاكرةٌ كلّما لُمستْ ازدادتْ اشتعالًا،
كأنّ النارَ لم تُخلقْ للإطفاءِ،
كأنّها اختبارٌ دائمٌ لجلدِ المعنى لا لجلدِ الجسد.

أسمعُ في داخلي ضجيجَ ما لم يحدثْ بعد،
وأرى ما حدثَ يمشي إلى الوراءِ كأنهُ يعتذرُ عن كونهِ حدثًا.
كلُّ شيءٍ قابلٌ لإعادةِ التأويل:
الضحكةُ التي مرّتْ كعصفورٍ فوق نافذةٍ ولم تُقمْ،
اليدُ التي لوّحتْ وظلّتْ معلّقةً بين احتمالينِ من الفقدِ.

يا ربَّ الطرقاتِ التي لا تُفضي إلى شيءٍ إلا إلى نفسها،
خذْ هذه الخطى التي تعلّمتِ التيهَ بإتقانٍ،
ودعْها تنسى أنّ لها وجهةً،
فإنّ الوصولَ شكلٌ آخرُ من الخسارةِ أحيانًا،
وأحيانًا أخرى يشبهُ أن تُغلقَ العينُ على ضوءٍ أكبرَ من قدرتها.

لم أعدْ أميّزُ بين ما يُقالُ في الداخلِ وما يُسمعُ من الخارج،
كلُّ الأصواتِ تشبهُ صدًى لنداءٍ واحدٍ لم يُنطقْ بعد.
حتى الصمتُ صارَ مزدحمًا،
كأنّهُ مكتبةٌ تُخفي كتبًا عن أصحابِها.

أمشي،
وفي كلِّ خطوةٍ يتدلّى من الهواءِ شيءٌ يشبهُ اسمي القديم،
ولا ألتفتُ كثيرًا،
لأنّ الالتفاتَ نوعٌ من الاعترافِ بأنّ ما خلفي ما زالَ قادرًا على مناداتي.

في لحظةٍ ما،
سأكونُ أقلَّ وضوحًا من فكرةٍ لم تُفكَّرْ،
وأكثرَ خفةً من ظلٍّ قرّرَ أن يتخلّى عن صاحبهِ.
وسأقولُ للريحِ:
خذي ما تبقّى منّي،
فإنّي تعبتُ من حملِ الاحتمالاتِ كأنّها أجسادٌ ثانية.

2

مسافة لا تُرى:

هناك، بين إصبعين من فراغٍ، تُعيدُ يدي كتابةَ اسمكِ كلَّما ظنّتْ أنها محته،
فتنبتُ الحروفُ كأنها جراحٌ تعرفُ طريقَها إلى اللحمِ دونَ استئذان.

وضعتُ على كفّي معنى الانتظار، فصارَ جلدي مرآةً لطقسٍ قديم،
تتقدّمُ فيه الذكرى مرتديةً هيئةَ جسدٍ لا يكتمل،
وتنسحبُ كأنها كانتْ تنتمي إلى غيمٍ أخطأ الأرضَ في لحظةِ سقوطه الأولى.

كنتِ تمرّين في داخلي كما تمرُّ الريحُ في بيتٍ بلا نوافذ،
لا تُمسِكُكِ الجهات، ومع ذلكَ تُحرّكين كلَّ ما هو ثابتٌ فيَّ،
فتتكسّرُ الطمأنينةُ على أعتابِ صوتكِ،
وأبقى أعدُّ ارتباكي كمن يعدُّ نبضًا لا يطمئنُّ إلى سببه.

كم مرّةً ظننتُكِ جسدًا، ثم انحللتِ فيّ كفكرةٍ لا تُمسك؟
وكم مرّةً ظننتُكِ فكرةً، ثم نزفتِ في عروقي كدمٍ يعرفُ طريقهُ إلى اسمه؟
حتى اختلطَ الأمرُ على قلبي:
هل كنتِ احتمالًا يُخطئُ التحقّق،
أم كنتِ تحقّقًا يُتقنُ التنكّر؟

في الليلِ، حين تُطفأُ الجهاتُ،
أسمعُ خطواتكِ على جلدِ الوقت،
تتركُ أثرًا يشبهُ النارَ وهي تتعلّمُ أن تكونَ ماءً،
ويشبهُ الماءَ وهو يتذكّرُ أنه كانَ نارًا.

أقولُ لنفسي: هذا مجرّدُ غياب.
ثم أكتشفُ أن الغيابَ كائنٌ كاملُ الملامح،
يجلسُ إلى جواري، ويضعُ يدهُ على كتفي كأنّهُ يعرفني منذُ بدءِ الخسارات.

لو كنتِ وهمًا، فلماذا يُخطئُ قلبي في اتجاهاتهِ كلما ناديتُكِ؟
ولو كنتِ يقينًا، فلماذا تتفتّتُ صورتُكِ كلما اقتربتُ منها؟
كأنكِ بين الحالتينِ كائنٌ لا يُقيمُ في تعريفٍ،
كأنكِ ترفضين أن تُختزلي في اسمٍ أو جسدٍ أو معنى.

ثم أراكِ مرةً أخرى في انكسارِ الضوءِ على نافذتي،
في ارتجافةِ الماءِ وهو يحاولُ أن يتذكّرَ شكلهُ الأول،
في رعشةِ الهواءِ حين يمرُّ كأنهُ يعبرُ جسدًا كانَ لهُ يومًا.

وأدركُ أني لم أكن أبحثُ عنكِ،
كنتُ أبحثُ عن ذلكَ الفراغِ الذي تركتِهُ فيّ،
عن تلكَ الفجوةِ التي تتقنُ التنفّسَ باسمي،
عن ذلكَ الصمتِ الذي يتكاثرُ كلما حاولتُ أن أنساه.

في النهاية، لا يبقى منكِ سوى أثرٍ يشبهُ الدفءَ وهو يتذكّرُ برده،
وشيءٍ يشبهُ الدمعةَ حين تتردّدُ بين أن تكونَ ماءً أو ذاكرة.
وأنا…
أبقى بين احتمالينِ لا يلتقيان:
أنكِ لم تكوني،
وأنكِ كنتِ أكثرَ مما تحتملهُ الحياة.

3
الاحتمال الثالث:

لم تكن يدي تبحث عن ملامسة، إنما عن أثرٍ ينجو من معنى اللمس.
شيءٌ يشبه ارتجاف الضوء حين ينسى مصدره.

أمدّ أصابعي إلى فراغٍ يتقن التنكّر في هيئة جسد.
كلما اقتربتُ، ازداد الهواء كثافةً، كأنه يتذكّر.

سكونكِ يجرح الحركة في داخلي؛ سكون فكرةٍ اكتملت فجأة.
كمن يُترك في منتصف حلم، بلا يقظة ولا اكتمال.

في الغرفة، لا تُسمّى الأشياء بأسمائها.
الكرسي ينسى وظيفته، والنافذة تتصرف كعينٍ بلا جهة.
والضوء يتكاثر على الجدران كأنه يبحث عن مخرج.

أراكِ كفكرةٍ خرجت من رأس اللغة ولم تعد تقبل العودة.

حين مررتُ بكِ، لم يكن هناك اصطدام.
كان ذوبانًا بطيئًا، كأنني أتنازل عن طبقةٍ خفية منّي.

المسافة لم تعد تقاوم؛ تتقلّص حتى تصير جسدًا ثالثًا بيننا.

صوتكِ لا يُسمع كصوت.
يسقط على الذاكرة بدل الأرض، مثل مطرٍ ينسى اتجاهه.

كل محاولة لتفسيره كانت تُوسّع فجوةً داخلي.

أحببتُ فيكِ ذلك الالتباس الذي لا يطلب نجاة.
هدوءًا يربك الطمأنينة نفسها.

لم نكن اثنين.
ولا واحدًا.
كنا احتمالًا ثالثًا يتعثر في أول تسمية.

الهواء بيننا كائنٌ مستقل، يراقب دون أن يتدخل،
ويكتب فوق الجلد علاماتٍ لا تُقرأ، إنما تُحسّ.

لم أعد أميّز بين الاقتراب والابتعاد؛
كلاهما حركة واحدة حين تفقد الجهة معناها.

رأيتكِ خارج الجسد،
ثم الجسد الوحيد الممكن،
ثم فكرة تتعلّم أن تكون إنسانًا ولا تنجح.

لم نكن نحب، ولا نبتعد، ولا نسمّي ما يحدث.
كنا نُبقي الفراغ حيًّا، نطعمه من ارتباكنا.

في النهاية، لم ينكسر شيء.
الأشياء العميقة لا تنكسر؛ تتبدّل كثافتها فقط.

غادرتُكِ دون مغادرة.
تركتُكِ كضوءٍ نُسي في غرفة.
أثرٌ كامل من عدم اليقين.

4

جغرافيا الغياب:



أعبرُ إسبانيا،

كأنني أعبر ذاكرةً صقلها البحر والغياب،



في مدريد

المساء يلمع على الحجر

كأن النهار ترك عليه بقايا يده،

ويبدو الزمن أقل استعجالًا



في المقاهي

يتدلّى التعب من الأكتاف كشيءٍ مألوف،

ودخان القهوة يرتفع خفيفًا،

كأغنيةٍ لا تريد أن تُنسى



في متحف البرادو

ملوكٌ يثقل الوقارُ ملامحَهم كزمنٍ راكد،

أثوابٌ تتدلّى من الأجساد كهبوطٍ بطيءٍ للهيبة،

وخيولٌ واقفةٌ في ضوءٍ خافتٍ كأنه يختبر صبرها



ويمرّ فيلاثكيث،

هادئًا كمن يترك الصورة تكتمل وحدها،

يُبطئ ما بين العين وما يُرى،

ويترك للألوان أن تقول ما لا يُقال.



ومن جهة الجنوب

غرناطة تلوّح بأصابعها البيضاء من بين الجبال،

جبال تقترب من السماء

كأنها تريد أن تسمع آخر ما تبقّى من العربية.

تحدثني عن رخام أخفّ من الذاكرة،

عن خطوات عربية مختبئة في الحجر،



تبعث لي رائحة الماء في الأفنية،

رائحة الرمان،

رائحة أبوابٍ أغلقتها القرون خلفها بهدوء.



يشرع البحر جهته

فتظهر برشلونة

بشرفاتها المائلة نحو الريح،

ومرافئها التي تلتقط خطى الغرباء،

مدينةٌ تترك الموسيقى سائبةً في الهواء

كأنها لا تخشى أن تضيع.



غير أن الليل

حين يتأخر فوق الأرصفة

يكشف الوحدة المختبئة تحت الموسيقى،

ويجعل الأضواء البعيدة

تبدو كسفنٍ صغيرة

ضلت طريقها في الماء.



وحين أبتعد

تمشي إسبانيا خلفي بلا ضجيج؛

ظلُّ حصانٍ في مدريد،

ماءٌ يلمع في الحمراء،

وصوتُ مدينةٍ على حافة البحر

لا يزال يفتح أبوابه للريح.



5

هُوِيَّةٌ فِي حَالَةِ عُبُورٍ:



تشكّلتُ من رعشةٍ أولى في صمتٍ كثيفٍ بلا اسم.

كأن الوجود لمحني ثم تراجع.

لا افتتاح يمسك به العقل، ولا لحظة تُعلّق في سطر.

فقط انزلاق خفيّ من عدمٍ لا يعترف بمرآة.



تدرّجتُ في إدراك الحركة كمن يتعلّم خيانة السكون.

لا يقين بالخلاص منه.

في داخلي شظايا نور أفلتت من عيونٍ أنهكها النظر.

كل تقدّم كان يمحو أثره وهو يمضي.



مرّت حولي كائنات ناقصة الاكتمال.

أفكار خرجت من ذهن لم يُنضجها.

تُرى لحظة ثم تتلاشى في اللحظة ذاتها.

كأن الزمن يرفض منحها شهادة وجود.



اقترب أحدهم من تخوم المعنى بلا رغبة واضحة.

اهتزّ ما لا يُرى فيّ.

تداخل القريب بالبعيد حتى انمحى الفرق بينهما.

وصار التلامس شظية من ارتباكٍ قديم.



تراكمت في داخلي طبقات من أثرٍ لا يشيخ.

كل ما يمرّ لا يغادر.

يتحوّل إلى طبقة إضافية من ثقلٍ شفيف.

لم تعد الذاكرة اسمًا للماضي، بل استمرارًا لما لا ينتهي ولا يُستعاد.



كل محاولة لتتبع جهة

كانت تفتح التباسًا أوسع.

المسار لا يريد أن يُرى طريقًا.

بل احتمالًا يتكاثر كلما اقتربت منه الرؤية.

لا مركز للمعنى، ولا حافة تمنحه يقينًا.



مع تراخي الزمن في قبضته

انكشف الصفاء كفكرة عابرة.

الوضوح ومضة بين اهتزازين.

والإدراك يتدرّب على التراجع دون أن يعلن انسحابه.



حين بلغ التراكم حدّه غير القابل للقياس

انطفأت إمكانية الفصل بين الذاتي والعابر.

كل ما مرّ صار جزءًا من نسيج جديد.

ما كان عابرًا استقرّ، وما كان يمكن استبعاده صار شرطًا في التكوين.



واصلتُ الامتداد كفعلٍ بلا بديل.

كأن التوقف اعترافٌ بأن العبور لم يكن نحو شيء.

بل انكشافٌ تدريجيّ لتحوّل لا يقبل التراجع.

السؤال يتغير شكله في كل لحظة دون أن يفقد حدّته.



وفي أقصى ما يشبه النهاية

تراجعتُ عن يقين التعريف.

لم أعد قادرًا على الإشارة إلى ما أنا عليه.

دون أن ينقسم المعنى في يدي.

صرتُ أبعد عمّا يتشكّل أثناء النظر إليه.

وأقرب إلى ما بدأ قبل أن يُرى.



6



خيط الصمت في العتمة:



ليلٌ يهبط من جدران الهواء كصوتٍ فقد مصدره،

يجرّ أطرافه على الأرض ويختبر هشاشته بصبرٍ طويل،

المساء ينفتح بلا حماية، تتساقط حدوده شيئًا فشيئًا،

ويبقى البرد في صورته الأولى، كثافة بلا تفسير

القاطنون داخل العتمة يتعلمون لغة الرعشة،

أجسادٌ تحفظ البرد بين أسنانها كسرٍّ لا يُقال،

الأصابع تبحث عن أثر دفءٍ في تجاويف الذاكرة،

جمرٌ قديم يُنفخ فيه كي لا ينطفئ المعنى دفعة واحدة



في الداخل لا أحد ينتظر أحدًا

الروح تخترع شريكها من فراغٍ قابل للامتلاء،

وتؤثث وحدتها بما يشبه الفرو حين يفكر في الجلد،

وأشياء عائدة من مناطق بعيدة من الإنسان

تحمل ألوانًا لا تنتمي لوقتٍ واحد، وعطورًا تبدو كأنها نجت من نجاةٍ سابقة



بقايا الطعام تتحول إلى وثيقة حياة

لقمة على حافة الطاولة تحتفظ بكل ما لم يُقل في العشاء،

وموائد الفقراء تكتب تاريخها دون ادعاء

ثم يبدأ المسرح الداخلي عمله بلا إعلان

لا جمهور، لا أسماء، لا ترتيب خارجي

الجسد يجرب شكله الممكن، والخيال يرفع الستار عن غرفة بلا مرآة



خشب خفيف، ضوء متواطئ، زجاجة نبيذ تلمع كفكرة لم تُستخدم بعد

وعطر يفتح فضاءً لا يحتاج إلى مناسبة كي يحدث



المدن تتشقق في الذاكرة

مدينة ترتدي حزنها كمعطفٍ لا يُخلع،

وأخرى تفقد اسمها حين تُستعاد من الداخل

المطر يواصل محو الفروق بين الحكاية وظلّها

الأصوات تتراجع إلى أصلها

والنباح يختبر حراسة ما لا يمكن حراسته



لا ستارة تهبط

تآكلٌ هادئ لكل ما ظنّ أنه مشهد

العالم يصير خيطًا خفيًا

يمسكه صمتٌ يعمل في الظلام

7

طَقْسُ التَّهاوِي:

امرأةٌ هي انزياحٌ في هيئة الضوء، تفتح الشفق كأنها تفكّ عقدةً قديمة في الزمن، وتعيد عجن النار بين أصابعها حتى تصير طعامًا للّحظة. في فمها يتحوّل الغروب إلى شرابٍ دافئ، شيءٌ يشبه أثر الذكرى حين تتخلى عن حرارتها وتبقى كطعمٍ لا يُفسَّر.

تدخل الليل كأنه كان ينتظرها منذ ما قبل التكوين، وتترك في الهواء اضطرابًا خفيفًا يشبه أثر مرور كائنٍ لا يحتاج أن يُرى كي يغيّر شكل الطمأنينة. وحين تقترب، لا تبقى المسافة كما هي، تتبدّل كأنها فقدت اسمها الأول.

أغرق في ما يشبه الغرفة وقد تخلّت عن جدرانها، طورٌ قابل للذوبان، حيث الجسد لا يعود حدًّا، وإنما احتمالٌ يتراجع كلما اقترب من نفسه. شعرها غابةٌ نسيت الأرض، فاختارت أن تتدلّى كسماءٍ منخفضةٍ تُعاش ولا تُمسك.

أركض داخل الركض نفسه، كأن الاتجاه انمحى، ألاحق كائناتٍ تتقدّم على الحلم قبل أن يُولد، أقرص احتمالاتها كي أوقظ صدى وجودها. الأيائل سرعاتٌ انفلتت من أسمائها، والقمم ارتباكٌ عموديٌّ نسي معنى الأعلى.

تنفتح القفزة: لا أرض تُنتظر، لا نجاة تتأخر. جسدان يسلّمان نفسيهما لطقسٍ أقدم من الخوف، كأن السقوط ليس نهاية الحركة، وإنما صورتها الأولى حين كانت بلا اسم. لا مظلة تُفتح، لأن الفكرة نفسها تبدو تدخّلًا في نقاء الانفلات.

نهوي كأن الجاذبية فقدت يقينها، وكأن الوصول فقدٌ ناعم، وكأن البقاء في التهاوي هو اللغة الوحيدة التي لا تخون ما يحدث.

8

ما يتبقّى حين يذوب الحدّ:

عندَ الحافةِ التي يتداخلُ فيها الماءُ بالضوء،

كان العالمُ يبدو كأنّهُ يخرجُ لتوّهُ من صورته الأولى؛

الأشياءُ رخوة،

والظلالُ لا تعرفُ إن كانتْ تنتمي لأجسادها أم للفراغ.

العينُ تتعلّمُ الشكَّ ببطء،

تراقبُ الألوانَ وهي تنسحبُ من يقينها،

والصمتُ يمتدُّ خفيفًا فوقَ المشهد

كأنّهُ الطبقةُ الأخيرةُ قبلَ اختفاءِ المعنى.

هناك،

كان الطينُ يحتفظُ بحرارةِ اللمس،

تغوصُ فيه الأصابعُ قليلًا

ثمَّ تتركُ أثرَها وتمضي،

كأنَّ التشكّلَ نفسهُ لا يملكُ رغبةَ البقاء.

ومن ذلكَ الأثرِ الهشّ

كانتْ الممرّاتُ الخضراءُ تنفتحُ داخلَ الفراغ، وتتعلّقُ الفوانيسُ بالعتمةِ كأحلامٍ مؤقتة، بينما البحرُ يتّسعُ كلّما اقتربَ منهُ النظر، كفكرةٍ لا تبلغُ شكلَها أبدًا.

ثمَّ يبدأُ كلُّ شيءٍ بالتراجع؛

الخيالُ يفقدُ قدرتَهُ على بثِّ الحياة،

والأشياءُ تعودُ إلى مادّتِها الأولى،

خامدةً وثقيلة،

كأنَّ يدًا خفيّةً انسحبتْ من العالم.

حتى الأحلام،

كانتْ تسقطُ من الطرقاتِ دونَ صوت،

والزمنُ يُبطئُ خطاهُ عندَ حافةِ التحوّل،

ملتفتًا إلى وجههِ الذي أخفاهُ طويلًا.

وفي آخرِ المشهد،

يجلسُ رجلٌ أمامَ أيامهِ الفارغة،

يُقلّبُها بيدٍ مرتجفة،

كمن يحاولُ أن يتذكّر

ما الذي أفلتَ منهُ بالضبط

قبلَ أن يصبحَ خفيفًا إلى هذا الحد.

9

مسالك العتمة:

لا تنام الرغبة، حتى حين يثقل الضوء وتشتدّ حراسته. في النهار طعمٌ مُرّ يلتصق بالأشياء، وفي العتمة حلاوةٌ سائبة تنفلت من القيود. هناك، حيث يبهت الضياء، تنفتح مسالك الخيال على اتساعها، وتعلو نداءاتٌ خفيّة، كأن الليل يدرّب الجسد على لغته السرّية، ويعيد ترتيب الفوضى في هيئة لذّة.

يتبادلان أنفاسًا كثيفة، كأنها صاعدة من كأسٍ قديمة، وتتمايل الروح فيهما مثل سنابل تضربها الريح. تنزلق الأيدي إلى ما وراء التردّد، تزيح ما تبقّى من حذر، وتوقظ ما كان كامناً. الشعر يهمس بين الأصابع، والشفاه تتعلّم طعمها ببطء، كفاكهةٍ نضجت على مهل. في هذا القرب، تتسع المسافة حتى تصير براري، وتركض فيها كائنات الرغبة بلا خوف، فيما الزمن يتقلّص، كأنه يُطوى داخل لحظة.

يذوب الحدّ بين الداخل والخارج، فلا يعود الجسدان منفصلين كما كانا. حركةٌ تجرّ أخرى، وصعودٌ يتبعه انكشاف، كأن كلّ واحدٍ منهما يبحث عن نفسه في الآخر، عن دفءٍ كان بعيدًا، وعن قممٍ لم يبلغها وحده.

ومنذ أن تخلّى الكلام عن ثيابه الأولى، وصار أكثر عريًا وصدقًا، لم تعد السقوطات خطايا، بل تحوّلت إلى مواسم، ينبت فيها الإنسان من جديد.

10

انطفاء يتقدم:

أرى الأشياء تتدلّى من حافة لا أعرف اسمها، تلمع لحظة ثم تنكسر في داخلي كأنها تخصّني وحدي.

لا شيء يعتذر حين يختفي، ولا شيء يشرح ظهوره.

أقف داخل هذا التراكم الخفيف من الظلال، كأن العالم يكتب نفسه في جهة لا أستطيع لمسها، ويترك في زواياي أثرًا لا يهدأ.

كل ما يقترب من المعنى يبتعد عني خطوة، وأبقى معلّقا في الفراغ الذي يخلّفه.

اللحظات تمرّ بي كأنها لا تعرف أنها تمرّ،

ولا شيء يثبت في يدي،

حتى الثبات نفسه يبدو كأنه فقد عنوانه.

أرى ما يتفتّح ثمّ ينغلق كأنه يخاف اكتماله.

يسكنني هذا الخوف دون أن أعلنه.

الصمت لا يغيب،

يتكاثف حولي كهواءٍ أثقل مما يحتمل الجسد، كأن ما لم يُقل ما زال يعمل في الداخل.

أخلط بين ما يُفقد وما يُستعاد،

كأنهما يحدثان في اللحظة نفسها ولا يعودان مختلفين.

وفي العمق الذي لا أراه،

أشعر أن الوجود يشتعل بهدوء،

يتعرّف إليّ وهو يفقدني،

ويترك فيّ أثرًا يشبه بداية لا تكتمل إلا وهي تنطفئ.

11

خارج الاسم:

الوجوه تمرّ بي كأنها لا تعترف بي،

تأخذ من اسمي ما يكفي لتتركني أقلّ مما أكون.

أنا منفلتة من اسمي،

كأن الاسم لم يعد يعرف طريقه إليّ،

وكأنني شيء يبتعد عن تعريفه كلما اقترب منه.

بين إدانةٍ لا تكتمل، وقداسةٍ لا تجرؤ على اللمس، أبقى معلّقة في منطقة لا اسم لها.

في داخلي شيء يتبدّل كأنه لا يعترف بذاكرتي، يجرّبني ثم ينسحب،

ويترك فيّ أثرًا لا يثبت على شكل.

الخطيئة تتسع حتى تصير مناخًا،

تتسرّب إلى الرئة كأنها طبيعة ثانية،

ولا نعود نميّز بين التنفس والاختناق.

الحجاب لا يخفي، يغيّر المسافة بين العين وما تظنه حقيقة.

والعري يتأخر عن نفسه، كأنه فقد جهة ظهوره.

الصوت يسقط قبل أن يكتمل،

كأنه يصطدم بما في الداخل ولا يخرج.

والصدى يعود كذكرى لصوت لم يولد.

لا طائر يعبر هذا الامتداد،

السماء تبدو مكتفية بصمتها،

مغلقة احتمالاتها.

بين ما كان وما لن يكون،

يمتد زمن غير مستقيم،

نمرّ فيه كأننا بقايا أنفسنا.

الوطن لا يشار إليه،

والغربة لا تأتي من جهة،

كلاهما يلتفان حول بعضهما حتى يلغيا المسافة بينهما.

الأقدام تتعلم السير كأن الأرض فكرة لم تكتمل، كأن الثبات تجربة لم تنجح بعد.

لا أرض تمسك بنا،

ولا فراغ يعلن حدوده.

إلى الجهات كلها،

ينفتح النظر بلا نهاية،

ويصبح الوجع طريقة دقيقة لرؤية العالم.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يلتهم الحديد اللحم البشري في الأيام العظيمة
- عندما تهاجمنا الطفولة المفقودة في اقتلوهم جميعا
- كتابة الذات خارج يقينها
- رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك
- حين ينمو الشكل ويهتز النظام في الحدائق النحتية
- اعترافات إيطالي.. حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ
- حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ في اعترافات إيطالي
- أوروبا الوسطى وصناعة الأرشيف السردي الحي
- التاريخ ذريعة لتشريح الذات الإنسانية في مُؤتَمَن الشاعر
- رواية عمال البحر.. فيكتور هوجو
- رواية آل مايا.. إيسا دي كيروش
- رواية في سنّ العشرين، لوز.. إلسا أوسوريو
- مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر
- رواية الطبيب النفسي.. خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس
- اللوسياد.. لويس دي كامويس
- رواية لا روزا بيرديدا.. كريستوفر لاكييز
- رواية أسابيع الحديقة.. خوان غويتيسولو
- رواية زمن الوحوش المفترسة، وتشريح الذاكرة الإنسانية
- أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري
- حرب بلا نصر حاسم: إيران تصمد وواشنطن تخرج مثقلة بالأسئلة


المزيد.....




- متحدث الخارجية الإيرانية: لا ينبغي لأي من الأطراف الغربية اس ...
- اللغة والنهضة: لماذا لا يكفي التعريب وحده لبناء الحضارة؟
- حاتم علي.. المخرج الذي انحاز للإنسان خلف الصورة
- لبنان يستنكر هجمات إسرائيلية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية
- السينما بوصفها مساحة لنقل الصورة.. دبلوم لتأهيل صانعات أفلام ...
- يوم أفريقيا 2026.. هل أنجزت القارة تحررها حقا؟
- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - قصائد من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير