أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - اللوسياد.. لويس دي كامويس














المزيد.....

اللوسياد.. لويس دي كامويس


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 18:47
المحور: الادب والفن
    


أعمل منذ شهور على كتابة رواية تدور أحداثها في القرن الثامن عشر، وهي رواية أتناول فيها رحلات عبر البحر واستكشافات بعيدة، وقد أنهيت كتابة مسودتها الأولى قبل أسبوعين. في سياق هذا العمل، كان إلى جانب مكتبي كتابان لا يفارقانني: أحدهما عن ملوك فرنسا، والآخر عن كبار المستكشفين. كنت أعود إليهما مرارا دون ملل، وأعيش من خلال صفحاتهما في عالم واسع يتجاوز حدود الواقع الضيق.

رافقت شخصيات مثل ابن بطوطة وويليام روبروك وجيوفاني دا بيان ديل كاربين، وتتبعت رحلات فاسكو دا غاما وفرناندو ماجلان وهيرنان كورتيس. عرفت تفاصيل رحلات كريستوفر كولومبوس، وتعاملت بحذر مع روايات ماركو بولو، وراقبت بشغف تطور الخرائط التي كانت تجمع بين الدقة والأسطورة في آن واحد. استأت من الجغرافي مارتن فالدسمولر الذي نسب اكتشافات إلى أمريكو فسبوتشي بدل كولومبوس، وحلمت بالإبحار في المحيط الأطلسي، واكتشاف جزر مجهولة وكائنات عجيبة. كنت أتطلع إلى العثور على مملكة الكاهن يوحنا وبلاد "كاثاي" الأسطورية، وأحزن لنهايات المستكشفين المأساوية مثل فرناندو ماجلان وجيمس كوك وجان-فرانسوا دو لا بيروز.

ورغم إدراكي أن هذه المغامرات كانت ولا زالت مرتبطة أيضا بتاريخ استعماري مليء بالجرائم، إلا أنني احتفظت لها داخلي بسحر خاص لا يمكن إنكاره. كنت مفتونا بالخرائط الناقصة والمناطق المجهولة والبعثات التي اختفت، مع علمي في الوقت نفسه أن زمن الاكتشافات الكبرى قد انتهى، وأن العالم صار معروفا ومقسما.

هذا الإعجاب بعصر الاكتشافات، الذي مثّل تحولا كبيرا في تاريخ أوروبا وتجاوزا لإنجازات الحضارات القديمة، عبّر عنه في القرن السادس عشر الشاعر البرتغالي لويس دي كامويس في ملحمته الشهيرة اللوسياد Les Lusiades. من اللافت دائما أن نقرأ عملا مشهورا ونكتشف كيف بُني فعليا، خاصة أن الشعر الملحمي لم يعد يجذب القارئ المعاصر كثيرا. وقد سبق أن قرأت ملحمة القدس المحررة لـتوركواتو تاسو، ولاحظت فيها طابعا خياليا أقرب إلى العصور الوسطى، حيث تختلط الحقيقة بالأسطورة وتغلب الأجواء السحرية على السرد التاريخي.

كنت أتوقع أن أجد عند كامويس الأسلوب نفسه، أي مزجا بين الشخصيات الواقعية والأسطورية والآلهة القديمة. قد تعطي القراءة السطحية هذا الانطباع. فالملحمة تروي رحلة فاسكو دا غاما إلى الهند عام 1497، حيث ينطلق من لشبونة ويصل إلى السواحل الهندية بعد أقل من عام. خلال الرحلة، تحميه الإلهة فينوس بينما يعاديه الإله باخوس، ويواجه هو ورفاقه مؤامرات ومخاطر مختلفة قبل أن يعودوا منتصرين. كمكافأة، يحصلون على راحة في "جزيرة الحب"، حيث تكشف لهم حورية عن مستقبل البرتغال في الشرق.

تنتمي هذه العناصر بوضوح إلى تقاليد الشعر الملحمي: حضور الآلهة، تمجيد البطولة، والاعتماد على الموروث الكلاسيكي. مع ذلك، فإن "اللوسياد" ليست ملحمة تقليدية.

عند التعمق في النص، يتبين أن كامويس لا يركز على الأفعال بقدر ما يركز على الكلام. الأحداث نفسها محدودة نسبيا، بينما تحتل الخطب والسرديات المطولة الجزء الأكبر من العمل. تتحدث الشخصيات أكثر مما تفعل، وتستعرض تاريخ البرتغال ومستقبلها من خلال مونولوجات طويلة.

تتداخل في النص ثلاثة مستويات: نقاشات الآلهة حول الرحلة، مجريات الرحلة نفسها، والخطب التي ترافقها. يكاد الزمن الحاضر أن يختفي لصالح الماضي والمستقبل، حيث تتحول الملحمة إلى تأمل في تاريخ البرتغال ومصيرها. يتحول هنا فاسكو دا غاما، الذي كان في الواقع رجلا قليل الكلام، إلى راو يسرد تاريخ بلاده في مقاطع طويلة جدا تشكل جزءا كبيرا من العمل. يروي نشأة المملكة البرتغالية، وحروب الاسترداد، وصعود السلالات الحاكمة، وصولا إلى عصر الاكتشافات.

تظهر أهمية الخطاب مرة أخرى عندما يدافع دا غاما عن نفسه ضد اتهامات بالقرصنة، أو عندما يصف شقيقه باولو تاريخ البرتغال من خلال مشاهد مصورة. حتى الحورية التي تظهر في النهاية لا تفعل شيئا بقدر ما تتنبأ بالمستقبل. وهكذا يصبح الكلام الوسيلة الأساسية لبناء المعنى، بينما تتحول الأفعال إلى مجرد إطار.

لا تتدخل الآلهة نفسها إلا من خلال الكلام: باخوس يحرض، فينوس تدافع، وجوبيتر يحكم. ومع ذلك، يعترف الشاعر بأن هذه الآلهة ليست سوى رموز أدبية، وأن وجودها يخدم غرضا فنيا أكثر منه عقائديا. فهي تضيف بعدا أسطوريا للنص دون أن تغير من جوهره الواقعي.

تتجاوز "اللوسياد" كونها مجرد قصة رحلة، لتصبح تأملا في دور الإنسان في العالم. الإنسان، رغم صغره، قادر على تجاوز الحدود المفروضة عليه، واكتشاف عوالم جديدة، وفرض نفسه في التاريخ. تمجد الملحمة هذا الطموح، وتحتفي بروح المغامرة التي دفعت البرتغاليين إلى عبور البحار.

غير أن هذه الرؤية لا تخلو من مفارقة. فالشعر ينتهي بمديح للملك سيباستيان الأول ملك البرتغال، الذي كان يُنظر إليه كأمل لمستقبل عظيم، لكنه قاد بلاده لاحقا إلى كارثة عسكرية في المغرب أدت إلى فقدان استقلالها فترة. وهكذا يتحول الحلم بالمجد إلى ذكرى مؤلمة، وتصبح الملحمة نفسها شاهدا على طموح لم يكتمل.

في النهاية، يمكن القول إن كامويس لم يكتب فقط عن الاكتشافات، وإنما عن الحلم الإنساني بتجاوز الحدود، وعن العلاقة بين الواقع والخيال، بين التاريخ والأسطورة. ليست "اللوسياد" مجرد ملحمة وطنية، إنها نص يعكس لحظة تاريخية كان فيها الإنسان يكتشف العالم ويعيد اكتشاف نفسه في الوقت ذاته.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية لا روزا بيرديدا.. كريستوفر لاكييز
- رواية أسابيع الحديقة.. خوان غويتيسولو
- رواية زمن الوحوش المفترسة، وتشريح الذاكرة الإنسانية
- أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري
- حرب بلا نصر حاسم: إيران تصمد وواشنطن تخرج مثقلة بالأسئلة
- تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو د ...
- الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جدي ...
- الأنطولوجيا الحدّية في سرد عبد القادر شرابة: دراسة في تمثلات ...
- متاهة المعنى في رواية متاهة العدم العظيم: كتابة العدم وانفلا ...
- رواية أحلام آينشتاين.. آلان لايتمان
- حين تتحول الحرب إلى نبوءة: الدين والسياسة في الخطاب الأميركي ...
- الحياة حيث المقبرة.. بنين آل ماجد
- السرد بوصفه تجربة معرفية في المشروع الروائي لقويدر ميموني
- رواية الجحيم المقدس.. برهان شاوي
- مسرحية جاء مفتش.. جون بوينتون بريستلي
- رواية متاهة الأرواح المنسية.. برهان شاوي
- ملعون أبوكي بلد.. سيد أحمد الحردلو
- رواية متاهة آدم.. برهان شاوي
- عندما تصبح العاطفة عبئا اقتصاديا في رواية أوقات عصيبة
- نساء على الشاطئ.. عبد القادر شرابة


المزيد.....




- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...
- مقابلة خاصة - الشاعرة التونسية -ريم الوريمي- ترسم بقصيدتها ل ...
- عراقجي: إرتقاء الدكتور -لاريجاني- شكّل غيابا لاحد الركائز ال ...
- وداعا عادل العتيبي.. رحيل مفاجئ لنجم -طاش ما طاش- يصدم الوسط ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - اللوسياد.. لويس دي كامويس