أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - مسرحية جاء مفتش.. جون بوينتون بريستلي














المزيد.....

مسرحية جاء مفتش.. جون بوينتون بريستلي


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 12:03
المحور: الادب والفن
    


ليست مسرحية "جاء مفتش" An Inspector Calls التي كتبها جون بوينتون بريستلي حكاية عن عام 1912 بقدر ما هي سؤال معلق في الهواء بين زمنين: زمن سابق للحربين العالميتين، وزمن كُتب فيه النص بعدهما. حين قرأتها، شعرت بأنني لا أقرأ نصا مسرحيا فحسب، وإنما أستمع إلى محكمة تُعقد داخل التاريخ نفسه. وقد ازداد هذا الإحساس عمقا لأنني كنت في إنجلترا حين قرأت هذه المسرحية؛ هناك، حيث يتنفس المسرح في الشارع كما في القاعة، ويظل الجمهور جزءا من التجربة لا متفرجا عابرا. هناك فقط أدركت أن النص لا يُكتب ليُقرأ بصمت، وإنما ليُؤدَّى ويُختبر أمام العيون، تماما كما أراد جون بوينتون بريستلي، الذي كان يعرف أن المسرح فعل حي، لا وثيقة جامدة.

لكن ماذا يعني أن نعيد النظر في الماضي من موقع المستقبل؟ أليس الزمن في المسرحية طبقة رمزية أكثر منه تاريخا فعليا؟ إن اختيار عام 1912 -قبل الحرب العالمية الأولى- يذكرنا بأن العالم كان يسير بثقة نحو الكارثة دون أن يشعر. أليس هذا ما تفعله الشخصيات أيضا؟ تعيش في يقينها الطبقي، كما عاش أبطال عالم أدبي آخر في وهم الثروة والخلود في رواية "غاتسبي العظيم"، حيث يبدو المجد الاجتماعي ستارا هشا يخفي خواء داخليا.

حين يفتح المفتش الباب، لا يدخل مجرد محقق، ولكن يدخل سؤال أخلاقي. أهو بشر أم رمز؟ أهو سلطة أم ضمير؟ إنه لا يبحث عن جريمة منفردة، إنما عن شبكة المسؤولية. وكأن المسرحية تقول إن الإنسان ليس جزيرة مستقلة، إنما جزء من كيان مشترك. يذكرنا هذا المعنى أيضا بتوتر الضمير الجمعي في البوتقة، حيث تتحول المحاكمة إلى مرآة للمجتمع كله، لا للفرد وحده.

ليست الغرفة التي تدور فيها الأحداث مجرد مكان، إنما عالم مغلق على ذاته. ليس الأثاث الأنيق علامة رقي بقدر ما هو تمثيل لطمأنينة طبقية متخيلة. لماذا تبدو إيفا سميث -الغائبة عن الخشبة- أكثر حضورا من الجميع؟ كيف يمكن لشخصية لا نراها أن تصبح مركز الضوء؟ أليست هذه التقنية قريبة من حضور الضحية بوصفها قوة درامية في أعمال حديثة مثل "موت بائع متجول" لآرثر ميلر، حيث يصبح الإنسان العادي رمزا لانكسار الحلم؟ إيفا لا تنتقم، لا تفضح، لا ترفع دعوى؛ وكأن بريستلي يريد أن يقول إن قوة الأخلاق لا تكمن في الرد بالمثل، ولكن في رفض الانحدار إلى مستوى الظلم.

أما المفتش، فشخصيته تتجاوز الواقعية المباشرة لتقترب من البعد الرمزي الذي نجده في مسرح ما بعد الحرب، عند كتاب مثل فريدريش دورنمات وماكس فريش. لكنه هنا ليس عبثيا، ولكن أخلاقي بامتياز. إنه لا يسأل: من المذنب؟ وإنما: من المسؤول؟ وهذا التحول من الاتهام إلى الوعي يشبه انتقال المسرح من الفضيحة إلى التأمل. إن حضوره يذكر أيضا بقوة السلطة الغامضة التي تهز القيم الاجتماعية في "عربة اسمها الرغبة" لتينيسي ويليامز، حيث تتكشف هشاشة الإنسان أمام قوى خفية.

وحين يختفي المفتش، لا تنتهي المسرحية؛ وإنما تبدأ داخلنا. هل كان وجوده حقيقيا أم رمزيا؟ هل كان اختبارا أخلاقيا أم تجسيدا للضمير الجمعي؟ لماذا نشعر بأن شيئا قد تغير، حتى لو حاولت الشخصيات إنكار ما حدث؟ ربما لأن هذه المسرحية، مثل مسرحية "أهمية أن تكون جادا"، تستخدم السخرية لكشف تناقض المجتمع، لكنها هنا تتجاوز الهزل إلى مساءلة جذرية للضمير.

وفي إنجلترا، حيث كنت حين قرأت المسرحية، أدركت أن المسرح هناك مرتبط بتقاليد طويلة من مخاطبة الجمهور مباشرة، كما في إرث ويليام شكسبير، حيث تتداخل الخشبة مع الحياة، ويتحول المتفرج إلى شريك في المعنى. هناك فهمت أن المسرحية لا تُختزل في فكرة سياسية، ولكن في تجربة إنسانية كاملة. إنها تطلب من المتلقي أن يعيد النظر في موقعه من العالم: ألسنا جميعا جزءا من مصير مشترك؟ أليست العدالة مسؤولية تتجاوز القانون لتصل إلى الوعي؟

إن أهمية هذا العمل لا تكمن في انحيازه لفكرة معينة، إنما في قدرته على كشف هشاشة الإنسان حين يظن أنه بمنأى عن الآخرين. وهنا يصبح السؤال النهائي أكثر عمقا: إذا طُرق الباب اليوم، فهل نملك الشجاعة لنفتح؟ أم سنكتفي بإعادة ترتيب الأثاث كي يبدو كل شيء كما كان، بينما الضمير ينتظر في الخارج؟



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية متاهة الأرواح المنسية.. برهان شاوي
- ملعون أبوكي بلد.. سيد أحمد الحردلو
- رواية متاهة آدم.. برهان شاوي
- عندما تصبح العاطفة عبئا اقتصاديا في رواية أوقات عصيبة
- نساء على الشاطئ.. عبد القادر شرابة
- الظل كوعي مضاد: قراءة في فلسفة الهامش عند الطيب طهوري
- رواية كريستال أفريقيّ.. هيثم حسين
- قلق المعنى في روايات قويدر ميموني: دراسة مقارنة في ضوء الروا ...
- رواية الوعود اليتيمة.. جيل مارشان
- متاهة العميان: قراءة في الظلال والسلطة والوعي
- استكشاف الاستعمار في قصص إفريقية لدوريس ليسينغ
- رواية متاهة إبليس.. برهان شاوي
- رواية مشرحة بغداد.. برهان شاوي
- رواية فندق مفيستو.. برهان شاوي
- من كراكاس إلى طهران.. كيف يعيد ترامب تشكيل العالم بمنطق الهي ...
- رواية بلاد مكسورة.. كلير ليزلي هول
- عندما بكت عليّ شجرة البلوط.. الطيب طهوري
- رواية نصف وجهي المحروق.. عبد القادر شرّابة
- كيف حوّل ساركوزي زنزانته إلى ورشة لاستعادة الكرامة؟
- رواية أنت هنا.. ديفيد نيكولز


المزيد.....




- حكاية مسجد.. -مقام الأربعين- على جبل قاسيون في دمشق
- 13 رمضان.. من عهدة الفاروق بالقدس إلى دماء -مراد الأول- بالب ...
- صدور كتاب -تأثير الإسلاموفوبيا على السياسة الخارجية الأمريكي ...
- 12 رمضان.. ابن طولون يستقل بمصر وجنازة تاريخية لابن الجوزي ف ...
- الذكــاء الاصطنـــاعي والتفكيـــر الناقــد!
- المدرسة كمجتمع صمود إيجابي: من ثقافة الانتظار إلى ثقافة الفع ...
- ضع في حقيبتك حجراً وقلماً ونكافة .. إلى صديقي الشاعر المتوكل ...
- -محمد بن عيسى.. حديث لن يكتمل- فيلم وثائقي عن مسار رجل متعدد ...
- حكاية مسجد.. -المؤيد شيخ- بالقاهرة من سجن إلى بيت لله
- ثقافة العمل في الخليج.. تحديات هيكلية تعيق طموحات ما بعد الن ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - مسرحية جاء مفتش.. جون بوينتون بريستلي