أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية مشرحة بغداد.. برهان شاوي















المزيد.....

رواية مشرحة بغداد.. برهان شاوي


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8587 - 2026 / 1 / 14 - 14:03
المحور: الادب والفن
    


إذا كان من المسلّم به نقديا أن الرواية ليست حكاية تُروى، إنما تجربة تُخاض، فإن "مشرحة بغداد" للدكتور برهان شاوي تضع قارئها منذ الجملة الأولى داخل تجربة حدّية، لا تسمح بالقراءة المريحة، ولا بالتلقي البريء. نحن إزاء نص لا يكتفي بتمثيل الواقع، لكنه يعمد إلى تفكيكه وإعادة تركيبه على هيئة كابوس معرفي وأخلاقي، كأن الرواية لا تريد أن تقول ما حدث في العراق فحسب، بل أن تختبر معنى أن يحدث شيء أصلا في مكان استُهلك فيه الحدث حتى فقد دلالته، وصار الموت خبرا يوميا بلا دهشة، ولا خاتمة. هنا يلتقي الأدب مع ما سمّاه بول ريكور "أزمة الحدث"، حين لا يعود الواقع قابلا للسرد، لأنه فاض عن طاقة اللغة، وصار التكرار نفسه شكلا من أشكال العدم.

اللافت أن النص لا ينطلق من الحياة بوصفها معطى بديهيًا، إنما من الجثة بوصفها نقطة البدء في التفكير. اختيار المشرحة فضاء سرديا، ليس نزوعا غرائبيا عابرا، ولا افتتانا بالماورائي، لكنه قرار معرفي واعٍ: فالحقيقة، في منطق الرواية، لا تُستخرج من الأحياء، لأن الأحياء أنفسهم محاصرون بالأقنعة، بالخوف، وباللغة الملوّثة للسياسة والطائفية والأيديولوجيا. وحدها الجثث، وقد انقطعت صلتها بالمصلحة والنجاة، تستطيع أن تتكلم.

بهذا المعنى، تستعيد الرواية تقليدا فلسفيا وأدبيا عميقا، يرى أن المعرفة لا تُنال من قلب الحياة، ولكن من تصدّعها: من يوجين فينك، الذي رأى أن التفكير لا يبدأ إلا حين ينكسر أفق العالم بوصفه مألوفا، ويُختبر الوجود من داخل وعيه الفادح بالفناء، إلى نيكولا غريمالدي، الذي ربط الحقيقة لا بالقوة أو التعالي، إنما بتجربة الاستنزاف الوجودي، حين يكتشف الإنسان أن المعنى لا يظهر إلا في الفراغ الذي تتركه الحياة خلفها، إلى دانتي، الذي لم يعرف العالم إلا بعد عبوره الجحيم، وصولا إلى سيوران، الذي رأى أن الوعي يبلغ أقصاه حين يصبح غير قابل للعزاء.

ليست المشرحة هنا مكانا مغلقا، إنما أفقا تأويليا، مختبرا تُعرّى فيه الحياة حين تُنزَع عنها أقنعتها، وكأن الرواية تستعيد، من حيث لا تُصرّح، مقولة فالتر بنيامين عن أن التاريخ لا يُقرأ من منظور المنتصرين، لكنه من زاوية الجثث المكدّسة في أسفل العاصفة، حيث لا يبقى من "التقدم" سوى ركام يتراكم فوق ركام.

يتحرك النص في مستويين متداخلين، لا يمكن فصلهما: مستوى ميتافيزيقي يسائل حدود الحياة والموت، والبعث والفناء، ومستوى تاريخي-سياسي يرصد تحولات العراق من الدكتاتورية إلى ما بعدها. غير أن الرواية لا تتعامل مع هذين المستويين بوصفهما خطين متوازيين، إنما تدمجهما في بنية واحدة: فالموت ليس حدثا بيولوجيا منفصلا، لكنه شرط وجودي عام، والسياسة ليست إدارة للحياة، إنما إعادة إنتاج منظّمة للموت، على نحو يذكّر بتحليلات ميشيل فوكو حول السلطة الحيوية، حين تنقلب في سياقات الانهيار إلى سلطة موت خالص. لذلك تأتي الاستشهادات الدينية -القرآنية والكتابية- لا بوصفها ملاذا أو تعزية، إنما بوصفها صدى لوعي مأزوم يرى أن الخطابات الكبرى نفسها باتت عاجزة عن ترميم المعنى، وأن صرخة "يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا" لم تعد تعبيرا فرديا، إنما حالا جمعيا، وأن مقولة "الكل باطل وقبض الريح" لم تعد حكمة عتيقة، إنما توصيفا راهنا لزمن فقد ثقته بكل سرديات الخلاص، كما لو أننا إزاء عالم تحقق فيه تشخيص ماكس فيبر ل"نزع السحر"، حتى أقصى حدوده القاتمة.

تقوم شخصية آدم، خفير المشرحة، بدور مركز الرؤية السردية، لكنه لا يُبنى وفق النموذج النفسي التقليدي للشخصية الروائية. لا يمكن قراءة هذا الخيار بوصفه نقصا في التشكيل، إنما بوصفه ضرورة فنية تفرضها طبيعة النص. ليس آدم فردا مكتمل السيرة، إنما حالة، أو وعيا معلّقا بين ضفتين. سؤاله المتكرر: "هل أنا حي أم ميت؟"، ليس سؤالا دراميا ينتظر حلا، إنما سؤال وجودي مفتوح يراد له أن يظل معلقا، لأنه السؤال نفسه الذي يطارد الإنسان العراقي في زمن تداخلت فيه الحياة بالموت إلى حدّ الالتباس. وهو سؤال يعيد إلى الأذهان قلق ميشيل دي مونتيني، حين رأى أن "أعظم مأساة الإنسان ليست أن يموت، بل أن يعيش دون أن يعرف ما يعيشه حقا"، أي أن أخطر أشكال اليأس لا يكمن في الموت، إنما في العيش دون وعي بالحالة الوجودية. هنا تقترب الرواية، من دون تنظير مباشر، من أطروحات إيمانويل ليفيناس المبكرة حول الوعي بالهشاشة والالتباس الوجودي، حيث يشير إلى أن الإنسان "يعيش داخل موت الآخر قبل أن يدرك موت ذاته"، فيصبح الوجود نفسه اختبارا دائما للمعنى الأخلاقي والحدود الإنسانية. ليس الالتباس خللا سرديا، إنما جوهر التجربة، وشكل من أشكال ما سمّاه موريس بلانشو "الموت الذي لا ينتهي".

لا يعمل اعتماد الكاتب على توحيد الأسماء (آدم للذكور، حواء للإناث)، بوصفه رمزا توراتيا مباشرا فحسب، إنما بوصفه استراتيجية اختزالية مقصودة. الاسم هنا يفقد وظيفته التعريفية، ليصبح علامة على التكرار، على ذوبان الفردي في الجمعي. الجميع متورطون في المصير ذاته، وإن اختلفت أدوارهم: القاتل والقتيل، الضحية والجلاد، الأمس واليوم. ليست المسألة إدانة أخلاقية مبسطة، إنما رؤية قاتمة ترى العنف، وقد تحول إلى بنية شاملة، إلى ما يشبه "قدرا تاريخيا"، حيث يفقد الفعل فداحته الأخلاقية، لأنه يتكرر بلا وعي. يقترب هذا التصور مما ذهب إليه الفيلسوف غونتر أندرس، حين رأى أن الإنسان الحديث بات "أصغر أخلاقيا من نتائج أفعاله"، وأن اتساع المسافة بين ما نفعله وما نستطيع تحمّل مسؤوليته شعوريا هو الشرط الذي يسمح بتحول العنف إلى ممارسة عادية، بلا دهشة، ولا مساءلة. في هذا السياق، يبدو تلاشي الفروق الدقيقة بين الشخصيات، تعبيرا عن تآكل الفردانية نفسها في زمن الرعب المعمّم، لا عجزا عن رسمها.

من الناحية الأسلوبية، تميل الرواية بوضوح إلى الحس السينمائي: المشهدية، التقطيع، التركيز البصري، والاقتصاد اللغوي. لا تسعى اللغة إلى الاستعراض البلاغي، إنما تؤدي وظيفة الشهادة. هذا الخيار، الذي قد يبدو للبعض تخليًا عن الشعرية، يمكن فهمه بوصفه موقفا أخلاقيا من اللغة ذاتها: فالإفراط في الجمال قد يتحول، في سياق كهذا، إلى تزيين للعنف، أو ترويض له. لذلك تأتي اللغة جافة أحيانا، مباشرة، كأنها ترفض أن تمنح الرعب أي غلاف جمالي يخفف من وطأته، وتصر على أن تترك القارئ عاريا أمام الوقائع، على نحو يذكّر بموقف أدورنو، حين تساءل عن إمكانية الشعر بعد أوشفيتز، لا بوصفه منعا، بل امتحانا أخلاقيا للغة.

ليس العنف في "مشرحة بغداد" خلفية سردية، إنما مادة النص نفسها. مشاهد الذبح، التفجيرات، الأجساد الممزقة، تُستدعى لا لتصعيد الصدمة فحسب، إنما لتسجيل واقع بلغ من الفظاعة حدًّا جعل الواقع نفسه يتفوق على التخييل. محاولة مضاعفة الرعب سرديا تبدو هنا فعل مقاومة ضد التطبيع مع الكارثة، وضد تحويل المأساة إلى رقم أو خبر عابر. كأن الرواية تقول إن وظيفة الأدب، حين يعجز عن التخفيف من الألم، هي على الأقل أن يرفض نسيانه، وأن يحوّل الصدمة إلى ذاكرة مكتوبة، تماما كما رأى بول تسيلان أن الشهادة، مهما كانت مكسورة، تبقى الشكل الأخير للوفاء للضحايا.

أما السواد الطاغي على أجواء النص، فهو ليس انحيازا أحاديًا للتشاؤم، إنما تعبير أمين عن أفق تاريخي مغلق. غياب لحظات الضوء أو الخلاص، لا يعني إنكار إمكانية القيم الإنسانية، إنما يعكس إدراكا مريرا بأن هذه القيم نفسها باتت محاصَرة، مهدَّدة، أو مؤجَّلة. حتى حين تتحول الشخصيات إلى ما يشبه الأصوات أو الأقنعة، فإن ذلك لا يلغي إنسانيتها، إنما يؤكد حجم المحو الذي تعرضت له، وكأن الرواية تسجل ليس فقط موت الأفراد، إنما تآكل ملامحهم وذاكرتهم، وتحولهم إلى شواهد صامتة على زمن لم يعد يعترف بأبنائه.

النهاية المفتوحة، حيث لا يأتي أحد ليقول الحقيقة، لا تُقرأ بوصفها انسحابا من الإجابة، إنما إصرارا على السؤال. ليس الانتظار هنا انتظارا وجوديا مجردا كما عند بيكيت، إنما انتظار تاريخي مشبع بالخذلان: انتظار العدالة، الاعتراف، المعنى. وحين لا يأتي أحد، يصبح الصمت نفسه رسالة، ويغدو الفراغ خاتمة منطقية لعالم استُنفدت فيه كل الوعود، ولم يبقَ فيه سوى تكرار الألم.

في المحصّلة، "مشرحة بغداد" نص لا يطلب التعاطف بقدر ما يفرض المواجهة. إنه عمل يفكر بالعراق من موقع الموت، لا بوصفه نهاية، إنما بوصفه كاشفا، ويفكر بالإنسان من موقع انكساره، لا بطولته. كل خياراته الجمالية والسردية، بما فيها حدّتها وسوادها، تبدو منسجمة مع رؤيته للعالم، ومبرَّرة داخل منطقها الداخلي. ولعل الرواية، في جوهرها، تنحاز إلى ما قاله دوستويفسكي ذات مرة: إن الجحيم ليس مكانا آخر، إنما حالة يُجبر الإنسان فيها على النظر طويلا إلى نفسه دون أي عزاء. ومن هنا يخرج القارئ مثقلا بالسؤال ذاته الذي يظل معلقا بعد الصفحة الأخيرة: إذا كان الموت قد صار شكلا من أشكال الحياة، فأين يمكن للإنسان أن يقف، كي يرى نفسه بوضوح؟



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية فندق مفيستو.. برهان شاوي
- من كراكاس إلى طهران.. كيف يعيد ترامب تشكيل العالم بمنطق الهي ...
- رواية بلاد مكسورة.. كلير ليزلي هول
- عندما بكت عليّ شجرة البلوط.. الطيب طهوري
- رواية نصف وجهي المحروق.. عبد القادر شرّابة
- كيف حوّل ساركوزي زنزانته إلى ورشة لاستعادة الكرامة؟
- رواية أنت هنا.. ديفيد نيكولز
- رواية الهروب.. أوريلي فالوني
- رواية أولد فورست.. بيير-إيف توزو
- رواية السيدة دالاوي.. فرجينيا وولف
- أوروبا بين وهم الطمأنينة وتحوّلات الصراع العالمي
- رواية العالَم متعَب.. جوزيف إنكاردونا
- رواية ضوء السعادة.. إريك إيمانويل شميت
- رواية الراية الدامية مرفوعة.. بنيامين ديرشتاين
- رواية إل كامينو دي لا مويرتي.. قويدر ميموني
- كيمياء القراءة.. لماذا نعشق نصوصا وننفر من أخرى؟
- الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والحاجة إلى الانتقال من اللاهوت ...
- رواية رسائل إلى تافيت.. قويدر ميموني
- رواية ما لا يخفيه الظلام.. قويدر ميموني
- رواية البيت الفارغ.. لوران موفينييه


المزيد.....




- عن -قصة حقيقية-.. تركي آل الشيخ يكشف المزيد عن فيلم - العيون ...
- فيلم -الخادمة-… كيف تحول الحلم الأميركي إلى مصيدة؟
- رواية -أيتها القُبّرة-.. كيف يواجه المهاجر العربي الشيخوخة و ...
- فيلم -كولونيا-.. بيت مغلق ومواجهة عائلية مفتوحة
- المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
- على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا ...
- الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت ...
- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية مشرحة بغداد.. برهان شاوي