أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية السيدة دالاوي.. فرجينيا وولف














المزيد.....

رواية السيدة دالاوي.. فرجينيا وولف


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8564 - 2025 / 12 / 22 - 13:52
المحور: الادب والفن
    


تبدو "السيدة دالاوي" عملا فريدا في مسار الرواية الحديثة، لا لأنها تبتعد عن البناء التقليدي فحسب، وإنما لأنها تحوّل الرواية إلى جهاز حساس يلتقط ما هو خفي وعابر في النفس البشرية. فهي لا تعوّل على الحكاية أو العقدة أو تسلسل الأحداث، وتمنح الأولوية للوعي حين يتململ ويضيء وينطفئ. ولهذا تبدو لغتها مشغولة بظلال المعاني أكثر من الكلمات نفسها، وتغدو القراءة شبيهة بالإصغاء إلى موسيقى يهمس فيها الاختلاف بين النغمات أكثر مما يظهر.

في مركز هذا العالم تقف شخصية سبتيموس، الذي لا يظهر كعنصر سردي تقليدي، وإنما كصوت داخلي يجسد الجانب المعتم الذي حاولت فرجينيا وولف التعبير عنه من خلال مرضها النفسي. والإشارة العارضة إلى الشاعر كيتس، الذي مات شابا مثقلا بالرهافة والاكتئاب، تكشف هذا الرابط؛ فسبتيموس، مثل كيتس، كائن مفرط الشعور، يرى الجمال والعدم في لحظة واحدة، ويختبر الحياة كحقل من الإنذارات الخفية. وعندما نعلم أن وولف نفسها عانت اضطرابات عقلية وسمعت أصواتا وحاولت الانتحار بالقفز من النافذة، ندرك أن سبتيموس يمثل مرآة داخلية لشروخها.

على الجانب الآخر تبرز كلاريسا، امرأة تعيش في الضوء لا لأنها مطمئنة، وإنما لأنها تقاوم الانهيار. تجمع الزهور لحفلتها بوعيٍ يثقل كاهلها، وتشعر بثقل الزمن وهشاشة اللحظة. وعندما يصلها خبر انتحار سبتيموس، يهتز في داخلها شيء يشبه الاحترام أو الغيرة: فقد أقدم على فعل لم تستطع هي أو غيرها الإقدام عليه، إذ رفض الاستسلام لسطح الحياة اللامع. ويتراجع هذا الشعور سريعا، فكلاريسا، رغم ميلها للتأمل، مخلوق يتشبث بالحياة ويتعلق ببريقها حتى لو كانت تعرف مقدار العتمة التي يخفيها هذا البريق.

يقوم البناء الروائي في "السيدة دالاوي" على يوم واحد، غير أنّ هذا اليوم يتشعّب إلى أزمنة متعددة عبر الذاكرة. لا تعمل دقات "بيغ بان" Big Ben كإشارة عبور من ساعة إلى أخرى فقط، وإنما كإيقاع يفصل تيار الوعي ويفتح الباب لعودة الماضي. فالشخصيات، مهما تحركت في شوارع لندن، تظل متورطة في ذكريات أقدم، وتعود إليها كما يعود المرء إلى بيت يحتفظ بملامحه الأولى. ليست بورتون -المدينة المتخيلة التي تتكرر الإشارة إليها- سوى ظل لحي بلومزبري الذي عاشت فيه وولف وشقيقتها، وتشكّل فيه عالمها الحقيقي عبر نقاشات حرة ومجتمع صغير ضم كتّابا ومفكرين وفنانين وجدوا أنفسهم في مواجهة أعراف مدينة كاملة.

سالي، صديقة الماضي، ليست شخصية ثانوية، وإنما وجه آخر لشخصية وولف. روحها المتمردة، نفورها من القيود، شغفها بالكتب والزهور، وبحثها عن معنى خارج الإملاءات الاجتماعية - جميعها ملامح توزعتها وولف بين كلاريسا وسبتيموس. هكذا يتشكّل عالم الرواية كأنه لوحة متعددة الوجوه، يعكس كل وجه جزءا من ذات واحدة لم تستطع أن تسكن في كيان واحد دون أن يتشقق.

ولا يمكن تجاهل أثر جويس وبروست على وولف: يذكّر اليوم الواحد ب"يوليسيس"، ويذكّر تيار الوعي بكلاهما. ومع ذلك تخلق وولف أسلوبها الخاص الأكثر هدوءا وموسيقية والأقل صخبا. ليست لحظات التجلي التي تصفها، انقلابات كبرى، وإنما ومضات خاطفة تنكشف فيها طبقة من الحقيقة قبل أن تختفي من جديد. وتبدو هذه الومضات، التي أسمتها "Illumination"، كأنها اللحظات التي يعيش فيها الإنسان ذاته بصفاء لا يطول.

لا تبحث هذه الرواية عن خاتمة، ولا تقدم حلولا. هي رواية عن كيفية ارتطام الحياة بالنفس، وعن الذكريات التي لا تزول، وعن الفناء الذي يتربص بكل شيء. لا تتحرك شخصياتها من أجل حدث، وإنما من أجل أن تنصت إلى فراغها الداخلي. وكلٌّ منها يعود إلى الماضي لأنه المكان الوحيد الذي يشعر فيه بأن حياته كانت تمتلك بداية واضحة، بينما الحاضر مجرد لحظة تتردد فيها دقات الساعة ويمر كل شيء من حوله دون أن يكاد يلمسه.

وبهذا تصبح "السيدة دالاوي" رواية عن الذات حين تتشظى إلى وجوه متعددة: وجه يختار الحياة مهما كلّف الأمر، ووجه ينهار ويمضي نحو الموت، ووجه ثالث يتمرد ويبحث عن حرية بلا شروط. وربما كانت وولف تعرف -في لحظة وعي خاطفة- أن الإنسان لا يستطيع أن يحتفظ بكل هذه الوجوه في داخله دون أن يتفتت، وأن الرواية نفسها محاولة لترتيب هذا التفتت في صورة يمكن النظر إليها دون خوف.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أوروبا بين وهم الطمأنينة وتحوّلات الصراع العالمي
- رواية العالَم متعَب.. جوزيف إنكاردونا
- رواية ضوء السعادة.. إريك إيمانويل شميت
- رواية الراية الدامية مرفوعة.. بنيامين ديرشتاين
- رواية إل كامينو دي لا مويرتي.. قويدر ميموني
- كيمياء القراءة.. لماذا نعشق نصوصا وننفر من أخرى؟
- الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والحاجة إلى الانتقال من اللاهوت ...
- رواية رسائل إلى تافيت.. قويدر ميموني
- رواية ما لا يخفيه الظلام.. قويدر ميموني
- رواية البيت الفارغ.. لوران موفينييه
- مسلسل أحياء
- رواية مُحبَطات.. ماري فاراي
- رواية آخر جريمة قتل في نهاية العالم.. ستيوارت تورتون
- رواية شفق الأرملة البيضاء.. سيريل كارير
- رواية الصديق لويس.. سيلفي لو بيهان
- الذكاء الاصطناعي وهلاك الإنسان
- رواية لدغات الصمت.. جوهانا غوستاوسون
- أوروبا والمحور الأيديولوجي دوغين-يارفين
- عن الاستماع إلى الموسيقى وقت الكتابة
- ظِلُّ السنوار.. عمار بلخضرة


المزيد.....




- أصيلة تنظم الدورة الربيعية لموسمها الثقافي الـ47
- -الليلة الأخيرة في غزة-.. يسري الغول يكتب سيرة النجاة من قلب ...
- حصة الأفلام المصرية من شباك التذاكر السعودي في 2025
- بعد 9 قرون تحت مظلة الأزهر.. قانون جديد ينقل -الكتبخانة- لرئ ...
- حاكم الشارقة يفتتح الدورة الـ 35 من أيام الشارقة المسرحية
- ياسين طه حافظ
- بعد نجاح فيلم -برشامة-.. رسالة من المخرج خالد دياب لهشام ماج ...
- هيئة علماء بيروت تدين بشدة قرار وزير الخارجية بشأن التمثيل ا ...
- رحيل المخرج أحمد عاطف درة.. مسيرة عنيدة توقفت فجأة
- انفجارات وشظايا في جبل لبنان تثير الهلع: تضارب الروايات حول ...


المزيد.....

- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية السيدة دالاوي.. فرجينيا وولف