أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية مُحبَطات.. ماري فاراي














المزيد.....

رواية مُحبَطات.. ماري فاراي


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8532 - 2025 / 11 / 20 - 18:49
المحور: الادب والفن
    


في بوفيل سور مير (فرنسا)، أذهل اختفاء سارة لوروا، البالغة من العمر خمسة عشر عاما، سكان البلدة وفرّق بين مجموعة من الفتيات المراهقات اللواتي أطلقن على أنفسهن اسم "مُحبَطات". بعد عشرين عاما، تعود فاني، إحداهن، إلى المنتجع الساحلي الذي هربت منه سارة. تُوقظ الروائح والمقاهي التي انتشرت فيها الشائعات والأماكن التي عقدت فيها الفتيات عهود المراهقة، ذكرى ظنت فاني أنها مدفونة.

تتنقل رواية "مُحبَطات" Désenchantées بين صيف الاختفاء واليوم الحاضر: نتتبع ولادة صداقات قوية بقدر ما هي غير مستقرة، وقواعدها غير المعلنة، تسلسلاتها الهرمية، وغيرة كل فتاة، ثم كيف حاولت كل فتاة إعادة بناء حياتها بعد المأساة. في بحثها عن حقيقة ما حدث لسارة، تُعيد فاني فتح صندوق الذكريات والحقائق غير المعلنة. تَشغل أكاذيب المراهقة الصغيرة التي أصبحت أسرارا ثقيلة، والمسؤوليات المُخففة، والصمت المُذنب، مساحةً أكبر فأكبر. شيئًا فشيئًا، تسترجع وتتتبع فاني خيط الخطوات التي اتخذت والحماية الصامتة التي جعلت كل شيء معقدا، فتدرك أن قصة سارة هي قصتها أيضًا.

خلف هذا اللغز، تروي رواية "مُحبَطات" في المقام الأول قصة تعلم: كيف نمت البنات اللواتي كن يشكلن جماعة بعدما انهارت أسطورتهن، وكيف يسامحن أنفسهن (أو لا يسامحن)، وما الذي يمكن للصداقة أن تصلحه بعد سنوات، عندما تتوقف الحقيقة عن كونها أسطورة وتصبح حقيقة مرة أخرى. تستكشف رواية "مُحبَطات" الصداقة الأنثوية والأخوة، هذا المشهد العاطفي المعقد المليء بالولاءات والجبن، واللفتات الرقيقة والأنانية اليومية. يتيح اختفاء سارة للمجموعة إعادة بناء نفسها والتذكر... كيف أحبّت هذه المجموعة من الصديقات بعضهن بعضا ودعمن بعضهن بعضا، ولكنهن أسأن معاملة بعضهن بعضا أيضًا؟ ماذا يبقى من هذه الأخوة عندما نزيل "أسطورة" المراهقة؟

تُضفي الكاتبة ماري فاراي عمقا هائلا على عالم الفتيات المراهقات المنعزل. تعيش الفتيات "المُحبطات" من خلال طقوسهن وقسمهن، ومن خلال تسلسلاتهن الهرمية غير المُعلنة أيضا: القائدة، التابعة، المُراقِبة. ينتقل القارئ بمستوى البصر، بين ما يُتَحَمَّل وما تُتعلم ممارسته. محور الرواية هو هذه الصداقة، فهي ملاذٌ ومكانٌ للانكشاف في آنٍ واحد. تختار الكاتبة دلالات دقيقة، مُظهرةً كيف أن القسوة غالبا ما تُخفي المخاوف، وكيف يمكن أن يكون الصمت وسيلة خرقاء لحماية النفس.

وهكذا، يبرز التعاطف، برقة فائقة. تبدو الرواية وكأنها تُنصت لبطلاتها المراهقات بدلا من إصدار الأحكام عليهن، مُصغيةً إلى ما استطعن فهمه وتحمّله في سن الخامسة عشرة. يُعامل الشعور بالذنب بأثر رجعي كفكّ سلسلة، عن طريق تحرير كل حلقة. وهذا المنظور الجديد يُولّد كل الدفء الإنساني الذي ينبع من هذه المجموعة من الفتيات "المُحبطات". عندما يستيقظ جزءٌ من الماضي، تُنير الذاكرة التي تُقاوم وتُطالب بمكانها نسيجَ الأخوة الصادقة. المراهقة هي أيضًا السنّ الذي يتعلّم فيه المرء معنى الضعف...

يتنقل البعد الأخلاقي لرواية "مُحبطات" بين المسؤولية والتسامح. تؤدي الرحلة عبر المسؤوليات والقرارات الصغيرة المتراكمة إلى تغيير السرد. بالعودة إلى بوفيل سور مير، تسعى فاني إلى تقييم أثر الماضي دون إصدار أحكام. ما الذي سُمِحَ له بالبقاء مكتوما؟ تُصبح الصداقة مساحةً يواجه فيها الفرد أسئلة وقضايا مُتعددة، مع محاولته عدم تدمير نفسه. يتدفق النبض الأخوي، يتجلى في الواقع، من خلال الاعتذارات، من خلال كلماتٍ لم تُقل من قبل، من خلال أفعال إصلاحية صغيرة.

هذه الدقة العاطفية، التي تمزج بين التشويق والذاكرة والمنظور، تجعل من "مُحبطات" رواية مرحلة البلوغ، مدفوعةً بإيقاع واكتشاف حقيقيين. يتجلى هنا مصطلح "الأخوية النسائية" بمعناه الكامل.

حُوِّلت هذه الرواية إلى مسلسل تلفزيوني. تحت إخراج ديفيد هوريغ، وبطولة كونستانس لابي وماري دينارنو، نجح هذا المسلسل القصير المكون من أربع حلقات في التقاط جوهر وصدق مشاعر الرواية.

على الرغم من بعض الاختلافات عن الرواية (أحرص دائمًا على النأي بنفسي عن العمل الأصلي لأُقدّر النسخة المُقتبسة تمامًا)، إلا أن مسلسل "محبطات" مؤثر جدا كالرواية. عادت إلي جميع المشاعر التي خبرتها أثناء القراءة وبقوة لا تُصدق. أعجبتني بشكل خاص الطريقة التي منح بها كاتب السيناريو الفتيات الوقت الكافي، مُنصتًا إليهن بصدق. المشاهد دقيقة وتجنّبت الكوميديا؛ واستطاعت الممثلات، في كلٍّ من مشاهد الحاضر والماضي، خلق جوٍّ من التشويق والتعاطف الكامل. صُوِّرت الصداقة النسائية بشكل جميل، بالعدالة والتضامن، دون تمجيد أو عاطفة. بعد عشرين عاما، لا تعود فاني لاستعادة الأحداث، بل لإعادة النظر فيها برمتها.

يحقق المسلسل، كما هو الحال في الرواية، توازنا دقيقا. الصداقة حبل يُرمى لتجنب الغرق، وأحيانا للارتقاء إلى مستوى الأحداث أو المشاعر. بغض النظر عن الصيغة التي وقفت عليها (الرواية أو المسلسل)، فلقد خرجت من "مُحبَطات" بشعور غريب، وكأنني أعرف هؤلاء الفتيات، بل وكأنني صديقهن. وأخيرا، لقد جعلني هذا العمل أعيش مشاعر المراهقة من جديد، مشاعر حقبة كاملة.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية آخر جريمة قتل في نهاية العالم.. ستيوارت تورتون
- رواية شفق الأرملة البيضاء.. سيريل كارير
- رواية الصديق لويس.. سيلفي لو بيهان
- الذكاء الاصطناعي وهلاك الإنسان
- رواية لدغات الصمت.. جوهانا غوستاوسون
- أوروبا والمحور الأيديولوجي دوغين-يارفين
- عن الاستماع إلى الموسيقى وقت الكتابة
- ظِلُّ السنوار.. عمار بلخضرة
- إدانة نيكولا ساركوزي.. سيادة الشعب أم سيادة أوليغارشية أصحاب ...
- رواية أردت أن أعيش.. أديلايد دي كليرمون تونير
- توم.. من مجموعتي القصصية شيء مختلف
- رواية الاصطدام.. بول غاسنييه
- رواية القلب صياد وحيد.. كارسون ماكولرز
- دونالد ترامب.. أميركا أنا، وأنا أميركا
- رواية الساعات الهشة.. فيرجيني غريمالدي
- رواية 34 مترًا مربعًا.. لويز ماي
- ترامب وطموحاته الخيالية
- رواية البرية الجديدة.. ديان كوك
- أساليب الدكتاتوريات المتلاعبة في ممارستها للسلطة
- رواية وكل الحياة أمامنا.. أوليفييه آدم


المزيد.....




- معبد -هابو- بمصر.. تحفة فرعونية تتحدى الزمن
- سيرة حياة نبيّة من القرن الـ18.. أماندا سيفريد في فيلم مليء ...
- أحمد عبد اللطيف: روايتي -أصل الأنواع- تنتمي للكتابات التي يح ...
- -إن غاب القط-.. عندما تقتحم أفلام السرقة شوارع القاهرة
- جائزة الشيخ حمد للترجمة تفتح باب الترشح لدورتها الـ12
- فرنسا: أيقونة السينما الفرنسية بريجيت باردو ستدفن بمقبرة على ...
- الشبكة العربية للإبداع والابتكار توثق عامًا استثنائيًا من ال ...
- شطب أسماء جديدة من قائمة نقابة الفنانين السوريين
- الشهيد نزار بنات: حين يُغتال الصوت ولا تموت الحقيقة
- التجربة القصصية لكامل فرعون في اتحاد الأدباء


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية مُحبَطات.. ماري فاراي