أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية نصف وجهي المحروق.. عبد القادر شرّابة















المزيد.....

رواية نصف وجهي المحروق.. عبد القادر شرّابة


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8577 - 2026 / 1 / 4 - 15:43
المحور: الادب والفن
    


لا تُستقبل رواية "نصف وجهي المحروق" للأستاذ عبد القادر شرّابة بوصفها متناً سردياً يهدف إلى تنظيم الوقائع أو إلى إعادة ترتيب الماضي في شكل حكاية قابلة للاستهلاك القرائي. منذ لحظاته الأولى، يفرض النص نفسه كمساحة إشكالية، حيث تتراجع وظيفة الحكي التقليدي لصالح مساءلة جذرية للعلاقة بين الإنسان وتاريخه، بين الجسد والذاكرة، وبين ما يُروى وما يظل عصياً على القول. ليست القراءة هنا فعلاً استهلاكياً، وإنما تجربة اهتزاز معرفي يجد القارئ نفسه خلالها منخرطاً في اختبار أخلاقي وفلسفي لا يَعِد بالطمأنينة ولا يقترح خلاصاً.

لا تُطرح الحقيقة في هذا العمل باعتبارها معطى جاهزاً يمكن استعادته عبر الاستذكار أو الشهادة. إنها كيان قلق، متشظٍ، يظهر في هيئة آثار أكثر مما يظهر في صورة يقين. ما يتكشف للقارئ ليس تاريخاً مكتوباً بوضوح، وإنما بقايا تاريخ، شظايا معنى، وندوب دلالية ترفض الالتئام. في هذا الأفق، تتقاطع الرواية مع التصورات الفلسفية التي تشكك في مفهوم الحقيقة الواحدة، وتعيد التفكير فيها كعملية دائمة من الانكشاف المشوب بالحجب، كما عند هايدغر، أو كمنتج تأويلي مرتبط بشروط القوة والخطاب، كما لمح نيتشه في كتاباته المتأخرة.

الاحتراق، بوصفه صورة مركزية، لا يشتغل كعنصر سردي معزول، ولا كاستعارة جمالية قابلة للتداول السريع. إنه مبدأ ناظم لرؤية العالم داخل النص. الاحتراق هنا حالة وجودية، تسكن الذاكرة، وتعيد تشكيل العلاقة مع الزمن، وتحوّل الجسد إلى سجل مفتوح للألم. لا يحيل نصف الوجه المحروق إلى نقص فيزيائي، بل يكشف عن تصدع عميق في صورة الذات، تلك الصورة التي سعت السرديات الكبرى إلى تقديمها بوصفها متجانسة وقابلة للاكتمال. يفتح هذا التصدع سؤالاً أخلاقياً حاداً: كيف يمكن للإنسان أن يقيم داخل أثر عنف دائم دون أن يتحول هذا الأثر إلى هوية مغلقة؟

لا تؤدي الذاكرة في هذا العمل وظيفة الأرشفة الهادئة، ولا تعمل كوسيط محايد بين الماضي والحاضر. إنها قوة مضطربة، محمّلة بالذنب والشك والعجز. الذاكرة هنا لا تشرح الماضي بقدر ما تعيد اقتحام الحاضر، وتفرض عليه توتراً دائماً. ينسجم هذا التصور مع ما طرحه بول ريكور حول الذاكرة الجريحة، تلك التي تعجز عن التحول إلى سرد مصالِح، وتظل عالقة بين واجب الشهادة وخطر إعادة إنتاج العنف عبر الحكي. من هنا، يصبح السرد ممارسة أخلاقية محفوفة بالمخاطر، حيث تنطوي كل محاولة للفهم على احتمال التشويه.

يخرج الفضاء المكاني بدوره من حياد الخلفية، ويتحول إلى عنصر فاعل في إنتاج الدلالة. لا تُقدَّم المدينة كديكور سردي، ولا كتمثيل فولكلوري، ولكن ككائن زمني حيّ، يحمل آثار القهر كما يحمل آثار التواطؤ والصمت. تحتفظ الأمكنة بذاكرتها الخاصة، وتراقب الشخصيات بقدر ما تحتضنها. تتحول الأزقة والساحات والمعالم إلى وحدات رمزية مشحونة، تطرح سؤالاً مقلقاً حول قدرة الجمال على التعايش مع العنف دون أن يلغيه. في هذا السياق، يقترب النص من تصور غاستون باشلار للفضاء بوصفه تجربة نفسية، حيث يُفهم المكان من خلال أثره في الوعي لا من خلال حدوده المادية.

لا تُبنى الشخصيات وفق منطق التماسك النفسي أو التطور الخطي. إنها ذوات منقسمة، تعيش التشظي كقدر وجودي مستمر. لا يؤدي الانقسام هنا وظيفة تقنية، وإنما يعكس انكسار الواقع ذاته. تظهر الهوية كحقل صراع بين موروث ثقيل، وواقع قسري، وتطلع أخلاقي يتآكل تحت الضغط. يستدعي هذا الوضع تصور دوستويفسكي عن الإنسان الذي يحمل تناقضه داخله، كما يستدعي تأملات كيركغارد حول القلق بوصفه علامة على وعي الذات بنفسها. ليست الشخصية هنا مركزاً للمعنى، ولكن فضاءً للتوتر الدائم.

لا يظهر العنف في النص كحادث استثنائي أو كفعل فردي يمكن عزله أخلاقياً. إنه منظومة معقدة، تتغلغل في الخطاب والمؤسسات والذاكرة. يتوزع العنف بين السلطة والهامش، بين الفعل والصمت، وبين الجسد واللغة. يفتح هذا التصور النص على حوار ضمني مع تحليلات حنة آرندت حول تطبيع الشر، ومع مقاربات ميشيل فوكو للسلطة بوصفها شبكة علاقات تنتج الطاعة والمعنى في آن واحد. يتحول الجسد داخل هذا الأفق إلى مساحة كتابة قسرية، والندبة إلى وثيقة تاريخية لا يمكن محوها.

حين يحضر الحب، لا يؤدي وظيفة التعويض العاطفي، ولا يمنح الشخصيات استقراراً وجدانياً. إنه اختبار هش لمعنى الانتماء، ومحاولة مؤقتة لبناء وطن داخل العلاقة. لا تظهر الحبيبة كموضوع رغبة رومانسية، وإنما كذاكرة متنقلة، وكاحتمال بديل لمعنى الجذور. تعمّق العلاقة العاطفية الأسئلة أكثر مما تجيب عنها: أين يبدأ الوطن وأين ينتهي؟ هل الهوية خيار واعٍ أم عبء تاريخي؟ تضع هذه الإشكالات النص في تماس مع ما كتبه إدوارد سعيد عن المنفى بوصفه تجربة داخلية، لا مجرد حالة جغرافية.

تتحرك اللغة في هذا العمل داخل منطقة توتر دائم. الجملة لا تستقر، وكأنها تُكتب وهي تشك في مشروعيتها. تتكاثر الأسئلة داخل النسيج السردي، لا بحثاً عن حلول، ولكن تعميقاً للقلق. يقترب هذا الوعي اللغوي من تصور موريس بلانشو للكتابة بوصفها فعلاً يبدأ حين يصبح القول نفسه مشكلة، وحين يغدو الكلام شكلاً من أشكال الألم. اللغة هنا لا تفسر التجربة، وإنما تشارك في حملها.

يمكن القول إن هذا العمل ينخرط في تفكيك السرديات الكبرى المرتبطة بالتاريخ والهوية والذاكرة، دون السقوط في فراغ عدمي. تفرض الكثافة الرمزية وتشابك المستويات الدلالية جهداً تأويلياً كبيراً، وقد يضعان القارئ أمام شعور بالإنهاك. غير أن هذا الخيار الجمالي يعكس موقفاً أخلاقياً واعياً، يرفض اختزال المأساة أو تحويلها إلى مادة سردية مريحة.

لا يمنح النص خاتمة مطمئنة، ولا يقترح معنى نهائياً، ولا يعد بالشفاء. إنه يترك القارئ داخل فضاء الاضطراب، حيث تتقدم الأسئلة على الأجوبة، وحيث يتحقق الوعي عبر القلق. وربما تكمن قيمته الأعمق في هذا الإصرار على إبقاء الجرح مفتوحاً، إيماناً بأن الإغلاق السريع ينتج صمتاً أشد قسوة. في هذا الأفق، يتحول الاحتراق إلى إشكالية فلسفية تتعلق بمعنى العيش داخل ذاكرة مكسورة، ويغدو الأدب مساحة للتفكير في الوجود، لا أداة لتبريره.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف حوّل ساركوزي زنزانته إلى ورشة لاستعادة الكرامة؟
- رواية أنت هنا.. ديفيد نيكولز
- رواية الهروب.. أوريلي فالوني
- رواية أولد فورست.. بيير-إيف توزو
- رواية السيدة دالاوي.. فرجينيا وولف
- أوروبا بين وهم الطمأنينة وتحوّلات الصراع العالمي
- رواية العالَم متعَب.. جوزيف إنكاردونا
- رواية ضوء السعادة.. إريك إيمانويل شميت
- رواية الراية الدامية مرفوعة.. بنيامين ديرشتاين
- رواية إل كامينو دي لا مويرتي.. قويدر ميموني
- كيمياء القراءة.. لماذا نعشق نصوصا وننفر من أخرى؟
- الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والحاجة إلى الانتقال من اللاهوت ...
- رواية رسائل إلى تافيت.. قويدر ميموني
- رواية ما لا يخفيه الظلام.. قويدر ميموني
- رواية البيت الفارغ.. لوران موفينييه
- مسلسل أحياء
- رواية مُحبَطات.. ماري فاراي
- رواية آخر جريمة قتل في نهاية العالم.. ستيوارت تورتون
- رواية شفق الأرملة البيضاء.. سيريل كارير
- رواية الصديق لويس.. سيلفي لو بيهان


المزيد.....




- المجلات الثقافية العراقية في المعهد الثقافي الفرنسي
- على خطى الساموراي.. استكشف بلدات -ناكاسندو- التي لم يغيرها ا ...
- الفنانة السودانية بلقيس عوض.. سيدة المسرح التي رحلت بهدوء وت ...
- المخرجة التونسية وفاء طبوبي: الهاربات ليس عرضا نسويا
- كوميدي أمريكي من أصول إيرانية يشارك نصيحته لصناع المحتوى.. م ...
- تعزيزاً لثقافة المشاركة.. محمد نبيل بنعبد الله يستقبل شباب ن ...
- -خذلنا الشعب وفشلنا-.. الممثلة البريطانية الإيرانية نازانين ...
- 7نصوص هايكو:الشاعر محمد عقدة ,دمنهور.مصر.
- أغاثا كريستي -ملكة الجريمة- الأعلى مبيعاً في التاريخ
- عشرات الفنانين العالميين يطالبون بإنهاء الهجمات الإسرائيلية ...


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية نصف وجهي المحروق.. عبد القادر شرّابة