أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - عندما تصبح العاطفة عبئا اقتصاديا في رواية أوقات عصيبة














المزيد.....

عندما تصبح العاطفة عبئا اقتصاديا في رواية أوقات عصيبة


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8623 - 2026 / 2 / 19 - 20:47
المحور: الادب والفن
    


لم يتشكل توجهي نحو "أوقات عصيبة" للأديب الإنكليزي الكبير تشارلز ديكنز، بدافع الانغماس في متعة الحكاية، ولا نتيجة افتتان بمسار درامي مألوف، لقد انبثق من توتر فكري أحاط بالنص منذ لحظة ظهوره. لا يُفهم ذلك التوتر عبر معايير الذائقة الأدبية وحدها، إذ يستدعي رد الرواية إلى شبكة الأفكار والتحولات التي وُلدت في قلبها. نحن أمام عمل لا يراهن على بطل مأساوي، ولا يبني توتره عبر صراع نفسي تقليدي، حيث ينتقل السرد إلى حقل أشد تجريدا، حقل تتواجه فيه تصورات كبرى للإنسان والمجتمع، ويتحول النص إلى مختبر فلسفي يختبر صلاحية منظومات كاملة للفهم والتفسير.

يفسر هذا المنحى حدة التباين في استقبال الرواية. أنصار التحرر الاقتصادي المطلق، الذين نظروا إلى السوق بوصفه آلية مكتفية بذاتها، قرؤوا العمل باعتباره تعثرا فنيا، وذهب بعضهم إلى تصنيفه في أدنى مراتب إنتاج ديكنز. على الضفة الأخرى، وجد دعاة إخضاع الاقتصاد لمساءلة أخلاقية واجتماعية أن النص يمثّل ذروة وعيه النقدي، وأنه الأكثر صراحة في كشف البنية الذهنية لعصره. يكفي استحضار أسماء مثل جون رسكين في القرن التاسع عشر وبرنارد شو في القرن العشرين لفهم عمق هذا الشرخ التأويلي.

قبل الدخول في البنية الفكرية للرواية، تبرز ضرورة تفكيك اعتقاد شائع يرى أن الأفكار هي التي تمهد دوما للتحولات التاريخية الكبرى. ترسم قراءة التاريخ الاجتماعي مسارا مغايرا؛ فالتحولات المادية غالبا ما تسبق التنظير، ثم تأتي الأفكار لاحقا لتمنح ما حدث لغة شرعية ومعنى مبررا. البرجوازية الأوروبية، على سبيل المثال، لم تتكون نتيجة ثورة لاهوتية، وإنما تشكلت بفعل تبدلات اقتصادية عميقة، ثم احتاجت إلى تصور ديني ينسجم مع موقعها الجديد، فبرز الإصلاح الديني استجابة لحاجة اجتماعية واقتصادية قبل أن يكون مشروعا عقديا خالصا.

ضمن هذا الأفق، يمكن قراءة "أوقات عصيبة" بوصفها مواجهة مباشرة بين فلسفتين. الأولى رؤية إنسانية متجذرة في الضمير الجمعي، تشكلت عبر الأديان والتقاليد الأخلاقية، وتنظر إلى الإنسان باعتباره كائنا متعدد الأبعاد، تجمعه المادة والمعنى، وتفترض أن العدالة والتكافل والمحبة شروط وجودية لا تقل أهمية عن العمل والتنظيم والإنتاج.

في المقابل، تبرز فلسفة الرأسمالية الكلاسيكية كما بلورها آدم سميث في عمله الصادر عام 1776 حول طبيعة ثروة الأمم. في هذا التصور، تتراجع المرجعيات الدينية، وتتقدم لغة السوق، ويعاد تعريف الفعل الإنساني انطلاقا من المصلحة الفردية. هذه المصلحة لا تُقدَّم كمحرك اقتصادي فحسب، إذ تُحمَّل وظيفة تأسيس منظومة قيم جديدة، منفصلة عن أي تصور شامل للإنسان بوصفه كائنا أخلاقيا واجتماعيا.

تتعمق القسوة مع توماس مالتوس عام 1798، حين يعاد تفسير بؤس الفقراء بوصفه نتيجة مباشرة لتكاثرهم مقارنة بالموارد. لا تتجه الحلول المطروحة في هذا الإطار نحو إعادة توزيع الثروة أو إصلاح أنماط الإنتاج، إذ تنصرف إلى ضبط النسل وتأجيل الزواج، مع قبول المجاعات والحروب والأوبئة كآليات تصحيح لا مفر منها. يظهر الفقير وفق هذا المنطق، كعبء دخل إلى العالم دون تفويض اجتماعي.

تعاملت الطبقة الحاكمة البريطانية مع هذه الأطروحات بوصفها معطيات علمية، فترجمتها إلى سياسات هدفت إلى كبح الفئات الفقيرة بدل تمكينها. أُلغي قانون الإعانات عام 1834، وترافق ذلك مع إجراءات قسرية مست النواة العائلية ذاتها. في الوقت نفسه، تصاعد ضغط أرباب العمل، فانخفضت الأجور في صناعة الغزل والنسيج عام 1847، وانتهى إضراب برستون الطويل بين 1853 و1854 بانكسار العمال بعد شهور من المقاومة.

ليست مدينة كوك تاون -مسرح أحداث الرواية- سوى إعادة تشكيل أدبي لمدينة برستون. زار ديكنز المكان خلال الإضراب، ودوّن ملاحظاته في تقرير مطول، ثم أعاد صياغة التجربة في قالب روائي، حيث تتحول الجغرافيا الواقعية إلى رمز مكثف لعالم صناعي خانق، محكوم بالإيقاع الآلي والصرامة الحسابية.

في هذا السياق، يتبلور مذهب المنفعة الذي يختزل السلوك الإنساني في معادلات الربح والخسارة، ويُقصي الأخلاق والدين من أي دور توجيهي فعلي. ينعكس ذلك على التربية والتعليم، حيث يغدو التعلم تدريبا على الأرقام، ويعامل الأطفال كوحدات حسابية، ويحاصر الخيال والفن والحكاية لصالح عقل أداتي جاف.

هكذا تُفتتح الرواية عبر شخصية جرادجريند، مدير المدرسة وعضو البرلمان، الذي لا يرى في المعرفة سوى حقائق رقمية. لا يستدعى الأطفال بأسمائهم، حيث يحل الرقم محل الاسم، في إشارة دالة على محو الفرد لصالح التجريد.

في مواجهة هذا العالم المتصلب، يستدعي ديكنز شخصية سيسي القادمة من فضاء السيرك. هنا تبنى العلاقات على اعتماد متبادل، وتضامن يومي، وشعور جماعي بالأمان لا يتحقق إلا عبر الآخرين. الفقر مشترك، والمخاطر مشتركة، والبهجة المقدمة للجمهور ثمرة عمل جماعي لا يقبل التفكك.

يجسد جرادجريند وباوندربي عقلا باردا أسير الحساب، فيما تمثل سيسي طاقة روحية حية. ومع تطور السرد، تحافظ سيسي على جوهرها، ومع ذلك تنضج وتكتسب حكمة تتجاوز حكمة السياسي ورجل الصناعة. هنا تتكشف دلالة عنوان الكتاب الأول من الرواية: "الزرع". مصير الإنسان لا تحدده المنظومة المفروضة عليه، ولا الأسلوب التربوي وحده، إذ يتعلق بتلك الإمكانية الأخلاقية الأولى الكامنة فيه؛ إن كانت صالحة قاومت أقسى الشروط، وإن كانت فاسدة عجزت أكثر النظم انضباطا عن إصلاحها.

على هذا الأساس، لا يمكن اختزال "أوقات عصيبة" في خطاب عاطفي يدافع عن الفقراء، ولا في هجاء مباشر للرأسمالية، إذ تقدم تشريحا فلسفيا لعصر قرر فهم الإنسان كرقم، ثم اكتشف متأخرا أن الأرقام، مهما بلغت دقتها، لا تنشئ مجتمعا قابلا للحياة.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نساء على الشاطئ.. عبد القادر شرابة
- الظل كوعي مضاد: قراءة في فلسفة الهامش عند الطيب طهوري
- رواية كريستال أفريقيّ.. هيثم حسين
- قلق المعنى في روايات قويدر ميموني: دراسة مقارنة في ضوء الروا ...
- رواية الوعود اليتيمة.. جيل مارشان
- متاهة العميان: قراءة في الظلال والسلطة والوعي
- استكشاف الاستعمار في قصص إفريقية لدوريس ليسينغ
- رواية متاهة إبليس.. برهان شاوي
- رواية مشرحة بغداد.. برهان شاوي
- رواية فندق مفيستو.. برهان شاوي
- من كراكاس إلى طهران.. كيف يعيد ترامب تشكيل العالم بمنطق الهي ...
- رواية بلاد مكسورة.. كلير ليزلي هول
- عندما بكت عليّ شجرة البلوط.. الطيب طهوري
- رواية نصف وجهي المحروق.. عبد القادر شرّابة
- كيف حوّل ساركوزي زنزانته إلى ورشة لاستعادة الكرامة؟
- رواية أنت هنا.. ديفيد نيكولز
- رواية الهروب.. أوريلي فالوني
- رواية أولد فورست.. بيير-إيف توزو
- رواية السيدة دالاوي.. فرجينيا وولف
- أوروبا بين وهم الطمأنينة وتحوّلات الصراع العالمي


المزيد.....




- وزارة التربية توضح تأخر وصول كتب منهاج اللغة الإنجليزية للسا ...
- غضب جزائري من تصريحات حسين فهمي عن فيلم للأخضر حمينة والنجم ...
- مسلسل -القيصر- يفتح ملف الذاكرة السياسية للفنانين ويثير انتق ...
- هوارد كارتر يروي لبي بي سي في مقطع نادر أسرار اللحظات الأولى ...
- عدسات المبدعين توثق -ابتسامة السماء-.. هلال رمضان يضيء الأفق ...
- رمضان في عيون الغرباء.. كيف وصف رحالة العالم ليالي مصر؟
- فنانة صينية تحوّل الملابس القديمة إلى فن حيّ في قلب لندن
- طه الفشني.. سيد التواشيح بمصر وصوت أيقوني يعانق هلال رمضان
- الثاني من رمضان.. كسر الإعصار المغولي وصمت الآذان بعد -بلاط ...
- فنانون عالميون يهاجمون مهرجان برلين السينمائي: صمتكم تواطؤ ف ...


المزيد.....

- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال
- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - عندما تصبح العاطفة عبئا اقتصاديا في رواية أوقات عصيبة