أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - الظل كوعي مضاد: قراءة في فلسفة الهامش عند الطيب طهوري















المزيد.....

الظل كوعي مضاد: قراءة في فلسفة الهامش عند الطيب طهوري


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8603 - 2026 / 1 / 30 - 13:39
المحور: الادب والفن
    


ما يميّز قصص القاص القدير الطيب صالح طهوري، ونصه "هذا ما فعله ظلي وما سيفعله" على وجه الخصوص، هو ذلك التوازن النادر بين العمق والبساطة الظاهرة. فالنص، على كثافته الفكرية وانفتاحه على أسئلة الوجود والسلطة والذاكرة، لا يسقط في فخ الاستعراضية، ولا يتعامل مع المرجعيات بوصفها زينة ثقافية أو علامات تفوّق معرفي. على العكس، تبدو الفكرة فيه سابقة على الإحالة، والتجربة أسبق من التنظير. إنه وعي قاص يكتب لأنه يريد أن يقول شيئا، لا لأنه يريد أن يثبت أنه قرأ كثيرا.

من هذا المنطلق، يمكن قراءة "هذا ما فعله ظلي وما سيفعله" لا كنص يسعى إلى تثبيت موقعه داخل تقليد فلسفي أو نقدي بعينه، إنما بوصفه كتابة تنبع من احتكاك مباشر بالعالم، ومن حساسية عالية تجاه ما يُهمَّش ويُترك في الظل. وهنا، منذ العنوان، لا يبدو النص مجرد حكاية أو تأمل سردي، ولكن يتحول إلى عتبة وجودية كثيفة، تضع القارئ أمام سؤال مراوغ: من نكون حين نخرج من مركز الضوء؟ وما الذي يتبقى منا عندما نغدو أثرا جانبيا، امتدادا صامتا، أو ظلا يترك بصمته على العالم ثم ينسحب؟

لا يُقدَّم الظل في هذا النص بوصفه تابعا بيولوجيا للجسد، ولا كنتيجة محايدة لقوانين الضوء، إنما يظهر ككيان معرفي مستقل، يلتقط فهمه من تفاصيل الحياة اليومية، من الاحتكاك الصامت بالأشياء، من الغبار الذي يتراكم على الأسطح لا من الخطابات الجاهزة. الظل لا يتكلم، لكنه يرى. وهذه الرؤية الصامتة أخطر من أي خطاب، لأنها لا تمر عبر التبرير، بل تترسب ببطء، كذاكرة لا تُكتب لكنها لا تُمحى.

منذ هذا الاستهلال، ينحاز النص إلى فكرة مركزية: لا تقيم الحقيقة في الضوء الساطع، إنما غالبا ما تختبئ في الهامش. ليس فيما يُعلن، ولكن فيما يُترك دون تعليق. لا يُعرف الإنسان من موقعه في الواجهة، إنما من أثره حين يغيب. لكن النص لا يكتفي بهذا الطرح، إذ يعيد ترتيب العلاقة بين الظل والحقيقة؛ فالظل لا يعود خداعا بصريا، ولكن يتحول إلى شكل ممكن من الحقيقة، خاصة في عالم صار الضوء فيه أداة إعماء أكثر منه أداة كشف.

في هذا العالم، تفقد الأشياء وظائفها البسيطة. الجدار، الذي يُفترض أن يمنح الأمان، يتحول إلى قيد دائم، إلى أفق مسدود، إلى مرآة مشروخة تعكس سلطة لا ترى شقوقها. والظل الملتصق به، المحكوم بالسكون، يعرف عن العالم أكثر مما يعرفه أولئك الذين يعبرونه بحرية ظاهرية.

وهنا تتكشّف مفارقة لافتة، إذ يولّد السكون معرفة، بينما تظل الحركة، في كثير من الأحيان، شكلا من أشكال الجهل المؤقت. ما يُمنع من الحركة يراكم الزمن في صمته، كأن التاريخ يُكتب على أجساد الظلال لا على أجساد العابرين.

لا يرى ظل الجدار البحر ولا الحدائق ولا المقاهي، لكنه يعرف ثقل الأحذية، ويميّز بين الخطوة العابرة والخطوة المحسوبة، ويعرف كيف يتحول القمع، حين يتكرر، إلى طقس يومي. إنه ذاكرة جسدية، لا تُختزن في الدماغ، إنما في الامتداد، في الضغط، في الاحتكاك. لا تُفهم المدينة من خرائطها، إنما من الصدى الذي تتركه على الكائنات العالقة في قاعها.

ومن هنا يطفو سؤال أكثر راديكالية: هل الظل جزء من الذات، أم هو الذات في شكلها الأصدق؟ هل الجسد هو الأصل أم مجرد حامل مؤقت؟ بل لعل السؤال الأقسى هو: هل نحن من ننتج ظلالنا، أم أن الظلال هي التي تنتجنا، وتجعلنا مرئيين للحظة، ثم تتركنا نختفي بينما يبقى الأثر؟

في المقابل، يظهر ظل آخر، متحرك، جوّال، يرافق صاحبه بين الأمكنة. ظاهريا، هو أكثر حرية، لكنه لا يبدو أكثر طمأنينة. لا تمنحه الحركة خلاصا، إنها تضعه باستمرار أمام سؤال أخلاقي: ما معنى الحرية داخل فضاء مسيّج؟ وهل التنقل نجاة حقيقية أم مجرد تأجيل للاصطدام؟ هذا الظل لا يحتفل بامتيازه، لأنه يعرف أن غيره محكوم بالبقاء، وأن هذه المعرفة نفسها عبء ثقيل.

من هذا الإدراك يتولد التعاطف، لا بوصفه شفقة، إنما فهما عميقا لوحدة المصير رغم اختلاف الشروط. أخلاق لا تقوم على الوجه ولا على النداء المباشر، إنما على الأثر. على الصمت. على ما يبقى بعد المرور.

وحين ينزلق النص إلى فضاءات اليومي -المقهى، الطريق، البحر- تنكشف السلطة في أكثر أشكالها عبثا. الكرسي الذي يرفض الجلوس ليس نكتة سريالية، إنما مساءلة جذرية لفكرة الاستحقاق نفسها: من الذي قرر من يجلس ومن يُقصى؟ ومن الذي علّم الأشياء الطاعة؟ عندما يهتز الكرسي ويضحك، لا يهرب الناس خوفا من الجن، إنما خوفا من انهيار ما اعتادوا اعتباره ثابتا.

يشبه الكرسي المتمرّد الظل: كلاهما لا يهاجم مباشرة، لكنه يكشف الهشاشة. كلاهما يعمل كغبار خفيّ يعلّق نفسه على أسطح السلطة المصقولة. يتحول اليومي إلى مصدر قلق، لا لأن العالم تغيّر فجأة، ولكن لأن غرابته كانت كامنة منذ البداية.

الطريق، بدوره، يكشف عن عنف السلطة حين تُختزل إلى إجراء. الزي الرسمي، الصفعة، النظرة المتعالية، جميعها تفترض عالما مرئيا، قابلا للتصنيف والضبط. لكن الصفعة التي تأتي من حيث لا يُرى تفضح حدود هذا الافتراض. ما لا يُرى لا يُؤرشف، وما لا يُفهم لا يُحكم بسهولة.

وفي الوقت نفسه، الطريق هو طريق الظلال. كل جسد يسير يخلّف امتدادا صامتا يفضح مساره. كأن المراقبة الحديثة لا تطارد الأجساد فقط، إنما تطارد ظلالها أيضا. وهنا يعود السؤال: هل الظل ما يفلت من الرقابة، أم ما تُنتجه الرقابة نفسها بوصفه فائضا لا يمكن السيطرة عليه؟

أما البحر، رمز الانفتاح القديم، فيُعاد تشكيله هنا بوصفه فضاء مصادَرا. شاطئ ممنوع، وماء لا يسبح فيه إلا من يحمل علامة بعينها. لا تُمارس السيطرة بالأجساد وحدها، إنما بامتداداتها أيضا. والتمرد لا يأتي في شكل مواجهة صاخبة، إنما في فعل كشف. تعرية الخطاب قبل تعرية الجسد. الحقيقة، مثل الظل، لا تزحف إلا حين يُخفَّف الضوء.

حتى ظلال المتسلطين لا تبدو محايدة. إنها تضحك، تتآمر، وتشكو من أدوارها. كأن القمع لا ينهك ضحاياه وحدهم، بل ينهك أدواته أيضا. الظل هنا شاهد متعب، يبحث عن خيانة صغيرة، عن لحظة يستعيد فيها شيئا من إنسانيته المسلوبة. وحين يعلن الظل أنه لا ينام، وأن شخيره ليس سوى علامة تفكير وتخطيط، يبلغ النص ذروته الوجودية. لا تهديد مباشر، ولا وعد بزمن محدد، إنما يقين بسيط ومقلق: الوعي، حين يبدأ، لا يعود إلى سباته الأول. ليس الصمت فراغا، وليس الانتظار حيادا، بل شكل من أشكال التراكم البطيء، تراكم الأثر، والغبار، والبصمة، والصدى.

لا تقدّم قصة "هذا ما فعله ظلي وما سيفعله" إجابات جاهزة، ولا تقترح خلاصا سهلا. يترك القارئ داخل دائرة من الأسئلة الثقيلة:

ماذا لو كانت الحقيقة تعيش في الظلال أكثر مما تعيش في الضوء؟

ماذا لو كان التاريخ يُكتب بالأقدام التي داسَت لا بالأيدي التي صفّقت؟

وماذا لو قررت الظلال أن تعي نفسها لا باعتبارها انعكاسا، بل قوة كامنة؟

عند هذه النقطة، يتوقف النص عن كونه حكاية، ويبدأ بوصفه مرايا متعددة، مرايا مشروخة لا تعكس الوجوه كما نحب أن نراها، ولكن كما هي فعلا: متشققة، مترددة، ومطبوعة بآثار ضوء لم يكن بريئا يوما، وظلال لا تزال تتراكم، بهدوء، على سطح العالم.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية كريستال أفريقيّ.. هيثم حسين
- قلق المعنى في روايات قويدر ميموني: دراسة مقارنة في ضوء الروا ...
- رواية الوعود اليتيمة.. جيل مارشان
- متاهة العميان: قراءة في الظلال والسلطة والوعي
- استكشاف الاستعمار في قصص إفريقية لدوريس ليسينغ
- رواية متاهة إبليس.. برهان شاوي
- رواية مشرحة بغداد.. برهان شاوي
- رواية فندق مفيستو.. برهان شاوي
- من كراكاس إلى طهران.. كيف يعيد ترامب تشكيل العالم بمنطق الهي ...
- رواية بلاد مكسورة.. كلير ليزلي هول
- عندما بكت عليّ شجرة البلوط.. الطيب طهوري
- رواية نصف وجهي المحروق.. عبد القادر شرّابة
- كيف حوّل ساركوزي زنزانته إلى ورشة لاستعادة الكرامة؟
- رواية أنت هنا.. ديفيد نيكولز
- رواية الهروب.. أوريلي فالوني
- رواية أولد فورست.. بيير-إيف توزو
- رواية السيدة دالاوي.. فرجينيا وولف
- أوروبا بين وهم الطمأنينة وتحوّلات الصراع العالمي
- رواية العالَم متعَب.. جوزيف إنكاردونا
- رواية ضوء السعادة.. إريك إيمانويل شميت


المزيد.....




- حين تتحوّل الكتابة إلى موقفٍ أخلاقيّ : قراءة موسّعة في مشرو ...
- الملتقى الثقافي المصري - المغربي يناقش دور الثقافة في بناء ا ...
- ماتت ملك
- بن يونس ماجن: الأخطبوط البرتقالي
- داية الدراما السورية.. مقتل الفنانة هدى شعراوي بدمشق
- وفاة الشاعرة الفرنسية اللبنانية فينوس خوري غاتا عن عمر يناهز ...
- بطلة -باب الحارة-.. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي في -ظروف ...
- بطلة -باب الحارة-.. مقتل الفنانة السورية هدى شعراوي داخل منز ...
- أول تعليق من الداخلية السورية على مقتل الفنانة هدى شعراوي
- إبداع ضد الخلود: لماذا يصنع الفنانون أعمالا ترفض البقاء؟


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - الظل كوعي مضاد: قراءة في فلسفة الهامش عند الطيب طهوري