أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - استكشاف الاستعمار في قصص إفريقية لدوريس ليسينغ














المزيد.....

استكشاف الاستعمار في قصص إفريقية لدوريس ليسينغ


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8593 - 2026 / 1 / 20 - 22:48
المحور: الادب والفن
    


لم تكن دوريس ليسينغ كاتبة غامضة لا يعرفها سوى زمرة ضيقة من المريدين، ولم تتقمص هيئة الروائية المتعالية التي تتطلب مفاتيح سرية لفهمها؛ كانت أشبه بقريبة، بصوت مألوف إلى حد الإيهام بأن القارئ قد جالسها يوما، أو شاطرها صمت المطبخ وحديث المساء.

وحين أُعلن فوزها بجائزة نوبل، لم تقفز إلى ذاكرتي أعمالها الأشهر، لا الدفتر الذهبي ولا الطفل الخامس. ما عاد إليّ بقوة هو مؤلَّفها "قصص إفريقية" African Stories ، تلك القصص المنغرسة في طفولة فتاة إنجليزية نشأت في روديسيا، الاسم القديم لزيمبابوي. من خلال نصوصها المستوحاة من طفولتها في روديسيا، أعادت ليسينغ بعث عالم المستوطنين البيض الأثرياء، أصحاب المزارع الواسعة، المحاطين بجيوش من الخدم السود، من ذوي الأجور المهينة والكرامة المسحوقة. أي طفولة تلك التي تتشكل فوق أرض مغتصبة؟ وأي وعي ينمو في ظل امتياز لم يُكتسب، بل وُرث كمرض مزمن؟

نشأت دوريس ليسينغ في مناخ يحتقر السكان الأصليين، وقد سُقيت منذ الصغر إحساسا حادا بالتفوق العرقي، كما لو كان حقيقة طبيعية لا تقبل الجدل. غير أنها، وعلى نحو يثير الدهشة، انقلبت على مهدها الفكري والاجتماعي بصفاء ذهن يقترب من الجرأة الفاضحة. فضحت عالمها الأول، فدُفعت خارج دائرتها الطبقية، كما يحدث غالبا لكل من يجرؤ على تسمية الامتياز باسمه. رحلت شابة إلى إنجلترا. غير أن السؤال يظل معلقا: هل يمكن للمرء أن يغادر روديسيا حقا؟ أم أن المستعمرة تسكن أبناءها حتى وهم في المنافي؟

كما بقيت مارغريت دوراس، طوال حياتها، أسيرة لطفولتها في الهند الصينية الفرنسية، ظلت ليسينغ مشبعة بذلك العالم الروديسي، عالم الامتيازات الهشة، والخوف المزمن من إفريقيا العميقة، والملل الاستعماري الذي يخيم على أراض قاحلة، مكسوة بشجيرات قصيرة تضربها الرياح الرملية، تلك التي تحمل اسم الفيلد. أليست الجغرافيا، في نهاية المطاف، قدرا نفسيا؟ وأليست الطفولة استعمارا أولا للذاكرة؟

في زمننا هذا، زمن الارتباك الحاد حول قضايا الهجرة، حيث ينحرف النقاش حول التعايش والاختلاف إلى انغلاق مرضي ونبذ للآخر، يبدو الرجوع إلى حقائق الاستعمار ضرورة فكرية وأخلاقية. هذه الحقائق لا تفسر كل شيء، غير أنها تذكّرنا بالتربة التي نمت فيها ثروات البعض عبر تجريد آخرين من أرضهم وحياتهم. كما تضيء المسار الذي قاد، بعد تفكيك استعماري عنيف، إلى تدفقات بشرية هائلة من الجنوب نحو الشمال. يمكن للمرء أن يراجع كتب التاريخ طلبا للتذكر، غير أن قراءة قصص دوريس ليسينغ تحقق الغاية ذاتها، مع إضافة جوهرية: القيمة الأدبية بوصفها معرفة حسية، لا مجرد سرد للوقائع.

من بين الأجزاء الثلاثة ل"قصص إفريقية"، يبرز الجزء الأول، تشرق الشمس على الفيلد، بوصفه الأكثر قوة. أرادت ليسينغ أن تفرض نبرة حادة منذ البداية، فوجهت سهامها إلى معسكرها الاجتماعي نفسه، باندفاع يكاد يكون غضبا أخلاقيا. فخيالها السردي يتغذى من ذكريات لم تُخفَ كثيرا، ذكريات تطاردها، ولن تكف على الأرجح عن ملاحقتها، حتى في أكثر لحظات الحياة هشاشة.

تكتب في أحد مقاطعها عن الأطفال البيض الذين كانوا، حين يجتمعون، يجدون متعة في مضايقة أحد السكان الأصليين المارين، يطلقون عليه الكلاب، يراقبونه وهو يهرب، يعذبون طفلا أسود كما لو كان جروا صغيرا. تكمن المفارقة الصادمة في اعترافها بأنهم لم يكونوا ليقذفوا كلبا بالحجارة أو العصي دون أن يشعروا بالخجل. أي ترتيب أخلاقي هذا الذي يجعل الحيوان أسمى من الإنسان؟ وأي نظام قيمي يسمح للبراءة الطفولية أن تتحول إلى مختبر للقسوة؟

هل يمكن اعتبار هذا الاحتقار العرقي صفحة مطوية في ماضٍ بعيد لدوريس ليسينغ؟ من يصدق ذلك؟ يكفي أن يتجول المرء في إفريقيا، في آسيا، في أماكن كثيرة من العالم، ليدرك إلى أي حد لا يزال الاستعمار حيا، متخفيا في خطابات البيض المقيمين هناك، أولئك الذين يطلقون عبارات عنصرية بطمأنينة أصحاب الضمير المستريح. نصغي إليهم ونحن نرتجف، مذهولين من استمرار علاقات الهيمنة، من بقاء السلطة في يد طرف، والخضوع في يد آخر. وفي الخلفية، تتصارع القوى الغربية القديمة على النفوذ الاقتصادي في مستعمراتها السابقة، كما لو أنها لم تغادر المكان قط. تنخر العنصرية والانتهازية الغربيتان تلك المجتمعات كما تنخر الأرضة هياكل البيوت في رطوبة المناطق المدارية.

تزخر "قصص إفريقية" بحكايات خدم سود مهانين، مسلوبي الكرامة، بأطفال من أصول مختلطة ينبذهم آباؤهم البيض، بفتيات إفريقيات يُدفعن إلى حواف البغاء، وبنبرة التعالي التي يتحدث بها ملاك الأراضي إلى خدمهم الراكعين. إنه أدب الشهادة، حيث يتحول السرد إلى مساءلة أخلاقية مستمرة.

تأتي قصة الزعيم العجوز مشلانغا في افتتاح مجموعة "قصص إفريقية" كواحدة من أكثر النصوص إيلاما. عبر صوت طفلة روديسية، تشرع القصة في اكتشاف خجول للظلم العرقي. على أرض المزرعة العائلية، تلتقي الفتاة بالزعيم الشيخ، سيد الأرض القديم، المحاصر بالجوع، المحتفظ بكرامة صامتة. هناك تدرك، ببطء مؤلم، أنه نظير لها في الإنسانية، وأنه شخصية عظيمة ذات ماضٍ مجيد، ماضٍ مسحته الوثائق الرسمية كما يُمسح الغبار عن طاولة.

حين يقول ابن الزعيم: "كل هذه الأرض التي تزعمون أنها لكم، هي أرضنا وأرض شعبنا"، لا يكون الكلام مجرد احتجاج، وإنما إعلان حقيقة تاريخية تهز أسس السرد الاستعماري. أي معنى للأرض حين تُنتزع من ذاكرتها؟ وأي تاريخ ذاك الذي يُكتب عبر الشطب؟

أحيانا، وسط المجتمع الفرنسي المتعدد الثقافات الذي أعيش فيه، أفكر في تاريخ الاستعمار الكامن خلف وجوه الذين أصادفهم في المترو أو في الشارع، بملابسهم المختلفة، بأزيائهم التقليدية. يخطر لي أن وراء كل مظهر قصة اقتلاع، وراء كل لغة أو لهجة رحلة فقدان. أتمنى عندها أن تنهض أصوات أخرى، كصوت دوريس ليسينغ، لتحكي مصائرها، لتحدث شقوقا في جدران العنصرية، تلك العنصرية الذي تتغذى قبل كل شيء على الجهل، أفظع أشكال العمى الإنساني.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية متاهة إبليس.. برهان شاوي
- رواية مشرحة بغداد.. برهان شاوي
- رواية فندق مفيستو.. برهان شاوي
- من كراكاس إلى طهران.. كيف يعيد ترامب تشكيل العالم بمنطق الهي ...
- رواية بلاد مكسورة.. كلير ليزلي هول
- عندما بكت عليّ شجرة البلوط.. الطيب طهوري
- رواية نصف وجهي المحروق.. عبد القادر شرّابة
- كيف حوّل ساركوزي زنزانته إلى ورشة لاستعادة الكرامة؟
- رواية أنت هنا.. ديفيد نيكولز
- رواية الهروب.. أوريلي فالوني
- رواية أولد فورست.. بيير-إيف توزو
- رواية السيدة دالاوي.. فرجينيا وولف
- أوروبا بين وهم الطمأنينة وتحوّلات الصراع العالمي
- رواية العالَم متعَب.. جوزيف إنكاردونا
- رواية ضوء السعادة.. إريك إيمانويل شميت
- رواية الراية الدامية مرفوعة.. بنيامين ديرشتاين
- رواية إل كامينو دي لا مويرتي.. قويدر ميموني
- كيمياء القراءة.. لماذا نعشق نصوصا وننفر من أخرى؟
- الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والحاجة إلى الانتقال من اللاهوت ...
- رواية رسائل إلى تافيت.. قويدر ميموني


المزيد.....




- فيلم -ذيل الكلب-.. الكوميديا التي تحولت إلى سيرك سياسي على ا ...
- 10 أفلام تساعدك على بناء ذائقة سينمائية سليمة
- أثر الذكاء الاصطناعي على الثقافة: هل انتصرت الخوارزميات على ...
- نصّ (سفر الظِّلال: نبوءة الخراب والدَّم)الشاعرمحمد ابوالحسن. ...
- -دخان لجمر قديم-: ديوان جديد للمغربي بن يونس ماجن يوثق صرخة ...
- الفيلم الكوري The Great Flood.. رعب اليوم الأخير لكوكب الأرض ...
- قراءة في كتاب كارل لويث : بين فيبر وماركس
- -سينما قطاع-.. مشروع شبابي في مدينة الصدر
- أنديرا غاندي: من الصعود إلى الاغتيال… أول امرأة قادت أكبر دي ...
- صدور الطبعة الثانية من السردية للكاتب الأردني أشرف الضباعين


المزيد.....

- دراسة تفكيك العوالم الدرامية في ثلاثية نواف يونس / السيد حافظ
- مراجعات (الحياة الساكنة المحتضرة في أعمال لورانس داريل: تساؤ ... / عبدالرؤوف بطيخ
- ليلة الخميس. مسرحية. السيد حافظ / السيد حافظ
- زعموا أن / كمال التاغوتي
- خرائط العراقيين الغريبة / ملهم الملائكة
- مقال (حياة غويا وعصره ) بقلم آلان وودز.مجلةدفاعاعن الماركسية ... / عبدالرؤوف بطيخ
- يوميات رجل لا ينكسر رواية شعرية مكثفة. السيد حافظ- الجزء ال ... / السيد حافظ
- ركن هادئ للبنفسج / د. خالد زغريت
- حــوار السيد حافظ مع الذكاء الاصطناعي. الجزء الثاني / السيد حافظ
- رواية "سفر الأمهات الثلاث" / رانية مرجية


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - استكشاف الاستعمار في قصص إفريقية لدوريس ليسينغ