أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية الجحيم المقدس.. برهان شاوي















المزيد.....

رواية الجحيم المقدس.. برهان شاوي


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8635 - 2026 / 3 / 3 - 14:01
المحور: الادب والفن
    


حين نقترب من رواية "الجحيم المقدس" للكاتب برهان شاوي، لا بوصفها نصا سرديا فحسب، وإنما بوصفها وثيقة وجودية مكتوبة بمداد المنفى والذاكرة المعذَّبة، فإننا لا نقرأ عملا أدبيا عن مرحلة سياسية فحسب، وإنما نعاين سؤالا كابوسيا عن معنى الوطن حين يتحول إلى جهاز تعذيب، وعن معنى القداسة حين تقترن بالجحيم. كتبها برهان شاوي عام 1986 في منفى ألماني، ولم تر النور إلا بعد سقوط النظام الذي كانت تفضحه، وكأن النص نفسه كان أسيرا في "ثلاجة" التاريخ، ينتظر انكسار السلطة كي يفرج عنه.

تمنح هذه المفارقة الزمنية الرواية بعدا إضافيا: فهي ليست فقط تسجيلا لمرحلة انتقال السلطة بين أحمد حسن البكر وصدام حسين في أواخر السبعينات، وإنما هي أيضا تسجيل لزمن الخوف الذي يجعل الكتابة نفسها فعلا مؤجَّلا، ومغامرة مؤجلة، وحقيقة مؤجلة. وكأننا بإزاء ما يمكن تسميته ب "أدب التبريد القسري"، حيث تُحفظ الشهادة في براد المنفى إلى أن يذوب جليد السلطة.

ومن منظور نظرية "أفق التوقع" عند ياوس، فإن تأجيل النشر لا يضيف بعدا زمنيا فحسب، وإنما يغير شروط التلقي نفسها؛ فالنص يُستقبل في سياق تاريخي مغاير للسياق الذي كُتب فيه، ما يخلق فجوة تأويلية بين لحظة الكتابة ولحظة القراءة، ويحول الرواية إلى نص ذي طبقتين زمنيتين: زمن الشهادة وزمن إعادة القراءة بعد سقوط السلطة.

على أن هذه المفارقة الزمنية تفتح سؤالا أعمق: هل النص الذي يُكتب في المنفى يظل وفيا لحرارة الحدث، أم أن المسافة تخلخل الذاكرة وتعيد تشكيلها؟ أليست الكتابة في المنفى، كما عند إدوارد سعيد، نوعا من الوعي المزدوج الذي يرى الوطن من داخله وخارجه في آن؟ وإذا كان المنفى عند ثيودور أدورنو شرطا لإنتاج معرفة نقدية، فهل يمكن قراءة "الجحيم المقدّس" بوصفها ثمرة هذا الانفصال الضروري عن المركز القامع؟ ويمكن مع ذلك الذهاب أبعد من ذلك، عبر مقاربة المنفى بوصفه موقعا إبستمولوجيا ينتج “معرفة حدّية” (Border Knowledge)، حيث لا يكون الكاتب خارج الحدث كليا ولا مندمجا فيه، وإنما معلقا بين انتماءين، الأمر الذي ينعكس على بنية السرد نفسها في شكل توتر دائم بين الحنين والنقد.

ليست الرواية في جوهرها حكاية عن صراع عسكري في شمال العراق، وإنما عن تفكك المعنى داخل الكائن الإنساني حين يُجبر على أن يكون أداة في آلة القتل. الجندي عبد الله، خريج معهد الفنون الجميلة، ليس بطلا تقليديا، لكنه ذات منقسمة على نفسها: فنان أُلقي به في ثكنة، قارئ أُجبر على حمل بندقية، يساري في فضاء حزبي مغلق. يتجسد في هذه الشخصية سؤال نيقولاي بيرديائيف عن الحرية الداخلية بوصفها مقاومة روحية في وجه الضرورة التاريخية، وسؤال ليو شستوف عن قلق الإنسان حين يُلقى في عالم منزوع اليقين.

ليس عبثا أن يلجأ عبد الله إلى رواية الأحمر والأسود لستندال، وأن يتماهى مع جوليان سوريل؛ فالتناص هنا ليس ترفا ثقافيا، وإنما ملاذا نفسيا. إلا أن انقسام الشخصية يمكن قراءته أيضا عبر مفهوم "الذات المتشظية" في التحليل النفسي ما بعد الفرويدي، حيث لا يعيش البطل صراعا أخلاقيا فحسب، وإنما يعاني تفككا هوياتيا ناتجا عن التناقض بين جهاز الدولة وأفقه الجمالي؛ وهو ما يجعل الرواية أقرب إلى سردية انهيار ذاتي بقدر ما هي سردية انهيار سياسي.

لكن التناص يتجاوز ستندال. إنّ قراءة عبد الله في قلب الثكنة تذكرنا بـالبحث عن الزمن المفقود لمارسيل بروست، حيث تصبح الذاكرة مقاومة ضد الفناء، كما تستحضر سؤال أدورنو الشهير عن إمكان الشعر بعد أوشفيتز. وإذا كان جورج أورويل قد شيد عالما شموليا يراقب الفرد ويعيد تشكيل وعيه في 1984، فإن "الجحيم المقدس" تقدم واقعا لا تقل فيه المراقبة قسوة ولا السلطة تغلغلا في تفاصيل الجسد واللغة والذاكرة.

وإذا كان استدعاء أورويل يضع "الجحيم المقدس" ضمن تقليد الرواية الشمولية الكبرى، فإن توسيع المقارنة نحو أعمال أقل تداولا يضيء أبعادا إضافية. يمكن هنا استحضار رواية "نحن" للكاتب الروسي يفغيني زامياتين، التي سبقت أورويل في تشريح الدولة التي تُخضع الفرد لمنطق رياضي صارم. غير أن الفرق الجوهري يكمن في أن زامياتين يشيّد مدينة زجاجية شفافة تُمحى فيها الخصوصية، في حين أن "الجحيم المقدس" تكشف دولة معتمة، لا تُراقِب من خلال الشفافية، وإنما من خلال الخوف والاشتباه الدائم. هنا لا يتحول الإنسان إلى رقم فحسب، وإنما إلى ملف أمني قابل للإتلاف. بذلك تنقل رواية شاوي سؤال الشمولية من المختبر الطوباوي البارد إلى أرض واقعية مشبعة بالدم واللغة واللهجة والتاريخ المحلي.

وهنا يمكن توظيف مفهوم "الرقابة الداخلية" (Internalized Surveillance)، حيث لا تعود السلطة خارجية فقط، وإنما تستبطنها الذات، فتراقب نفسها بنفسها؛ وهو ما يمنح الرواية بعدا فوكويّاً يتجاوز التمثيل السياسي المباشر إلى تحليل آليات تشكل الوعي تحت الضغط. إن الأدب داخل الأدب في الرواية لا يعمل كحيلة جمالية، وإنما كجدار أخير يحتمي به الوعي من التلاشي. هنا يمكن استدعاء مفهوم "الكتابة بوصفها نجاة" عند بول ريكور، حيث يعاد سرد الذات كي لا تنكسر.

ومع ذلك يبقى السؤال: هل تكفي القراءة لإنقاذ الروح؟ أم أن الأدب يتحول بدوره إلى عزاء جمالي يلطف فظاعة الواقع دون أن يغيره؟ أليس في هذا خطر تحويل الألم إلى مادة رمزية قابلة للاستهلاك الثقافي؟ يضع هذا السؤال الرواية في مواجهة إشكالية "جمالية الألم" (Aesthetics of Suffering): هل يُنتج النص وعيا نقديا، أم يوفر للقارئ خبرة تطهيرية قد تنتهي عند حدود التعاطف دون مساءلة البنية التي تولّد العنف؟ إن هذه المعضلة تمنح النص توترا أخلاقيا داخليا لا يمكن تجاهله.

البنية السردية ذات طابع سينمائي واضح، وهو أمر يمكن رده إلى تكوين الكاتب البصري، غير أن السينمائية هنا ليست تقنية شكلية، وإنما رؤية للعالم بوصفه مشاهد متقطعة، لقطات سريعة، انتقالات مفاجئة بين القرية الكردية وبغداد، بين النبع والمعتقل، بين المقبرة ومقر الفيلق. هذا التقطيع يخلق إحساسا بانعدام الاستقرار الزمني، وكأن الزمن نفسه مفكك، غير خطي، يوازي حالة الانفصام التي يعيشها المجتمع.

نحن أمام مونتاج سردي يذكر بتقنيات سيرغي آيزنشتاين، حيث تولد الصدمة البصرية وعيا جديدا. ويمكن تحليل هذا التفكك عبر مفاهيم السرديات الحديثة، ولا سيما "الزمن المكسور" و"التبئير المتحرك"، حيث لا يخضع السرد لتسلسل كرونولوجي صارم، وإنما يعيد ترتيب الحدث وفق منطق الذاكرة والصدمة، ما يجعل البنية الشكلية انعكاسا عضويا لمحتوى الانهيار.

غير أن آيزنشتاين يوظف المونتاج لبناء أيديولوجيا ثورية، في حين أن شاوي يوظفه لتفكيك أيديولوجيا قائمة. فالمونتاج هنا ليس احتفالا بالحركة، وإنما تفكيكا للتماسك الوهمي للدولة. كأن السرد ذاته يرفض أن يكون خطيا، لأن السلطة التي ينتقدها تفرض خطا واحدا للتاريخ، وسردية واحدة للوطن. بهذا المعنى، يغدو الشكل السردي نفسه ممارسة مقاومة؛ فرفض الخطية ليس خيارا جماليا فحسب، وإنما موقفا معرفيا ضد "احتكار المعنى" الذي تمارسه السلطة.

في هذا السياق، تتخذ اللغة العامية العراقية وظيفة مزدوجة: فهي من جهة تمنح النص صدقية وحرارة واقعية، ومن جهة أخرى تفضح انقسام المجال اللغوي داخل الدولة. ليست اللغة هنا أداة تواصل فقط، وإنما علامة سلطة، وفق تصور ميشيل فوكو عن الخطاب بوصفه ممارسة قوة. حين يُسأل الجندي: "بأي لغة تحجي؟" يصبح السؤال لغويا وسياسيا في آن. العربية لغة الدولة والجيش، والكردية لغة الأرض والقرية. يكشف الصراع اللغوي أن الدولة الحديثة، التي تأسست عام 1921، لم تنجح في إنتاج سردية جامعة، وإنما أعادت إنتاج الهامش مركزا للقمع.

غير أن القراءة النقدية الدقيقة تقتضي مساءلة احتمال انزلاق الرواية إلى ثنائية صلبة بين "لغة قمع" و "لغة براءة"، إذ إن نظريات الهجنة الثقافية عند هومي بهابها تؤكد أن الهوية اللغوية فضاء تداخل لا تقابل، وأن التوتر بين اللغتين قد يكون مجالا لإنتاج معنى ثالث لا يُختزل في مركز/هامش. ومع ذلك يمكن أن نذهب أبعد: هل تقع الرواية أحيانا في ثنائية مبسطة بين "مركز قمعي" و "هامش بريء"؟ أليست كل هوية، كما يقول هومي بهابها، بنية هجينة ومعقدة؟ وهل تتيح الرواية مساحات كافية لتعدد الأصوات، أم أن صوت الإدانة يهيمن على البوليفونية الممكنة للنص؟

إن استدعاء مفهوم "البوليفونية" عند باختين يسمح بطرح سؤال حاسم: هل تتجاور الأصوات في الرواية على قدم المساواة، أم أن السرد يوجهها نحو نتيجة أخلاقية محددة سلفا؟ فكلما اقترب النص من خطاب أحادي، خسر شيئا من ثرائه الحواري، حتى وإن بقيت قيمته التوثيقية عالية.

غير أن ذروة الرواية الأخلاقية لا تكمن في وصف المجازر بقدر ما تكمن في كشف انخراط الجميع في "دوامة الدم". الحوار بين عبد الله والجندي النحيل حول عدالة العالم، وصِغَر الأرض، وتوزع البشر إلى دول تتقاتل على ذرة رمل في كون شاسع، يفتح أفقا كونيا يتجاوز السياق العراقي. هنا تتحول الرواية من شهادة سياسية إلى تأمل ميتافيزيقي في الشر، أقرب إلى أسئلة حنة أرندت عن "تفاهة الشر".

هل الشر بنية نظام أم خاصية إنسانية كامنة؟ هل الجندي ضحية أم جلاد؟ ويكمن العمق الفلسفي هنا في أن النص لا يقدم جوابا حاسما، وإنما يبقي السؤال مفتوحا، ما يضع القارئ في موقع الشريك في إنتاج المعنى، لا المتلقي لحكم جاهز.

حين ينتحر الجندي النحيل بعد موت المرأة الحامل التي اغتُصبت حتى النزيف، لا يبدو فعله خلاصا، وإنما إدانة أخيرة لعالم فقد بوصلته الأخلاقية. ليس الانتحار هنا هروبا، وإنما احتجاج صامت ضد نظام حوّل الإنسان إلى وسيط بين ضحية وأخرى.

غير أن هذا الفعل يطرح سؤالا قاسيا: هل يظل الانتحار فعلا أخلاقيا أم يتحول إلى انسحاب من ساحة المقاومة؟ أليس في هذا إعادة إنتاج لفردانية مأزومة تعجز عن تحويل الألم إلى فعل جمعي؟ وهنا يمكن قراءة المشهد في ضوء فلسفة الفعل عند حنة أرندت، حيث يكون الفعل السياسي الحقيقي هو ما يُنجز في الفضاء العمومي، لا ما ينتهي في عزلة الذات؛ ما يفتح بابا لقراءة الانتحار بوصفه مفارقة أخلاقية لا حلا خلاصيا.

أما شيرين، فهي ليست شخصية فحسب، وإنما استعارة مكثفة لجسد كردستان المغتصَب. ليس اغتصابها المتكرر في مراكز التحقيق مشهدا صادما فحسب، وإنما بنية رمزية لاغتصاب الأرض والهوية. الجسد الأنثوي في الرواية ساحة حرب، والسلطة تمارس عليه طقسها الدموي بوصفه تأكيدا لسيادتها.

غير أن شاوي لا يسقط في ميلودراما عاطفية، وإنما يكتب المشهد ببرودة توثيقية تكاد تكون قاسية، وكأن الجريمة بلغت حدا يجعل اللغة نفسها عاجزة عن الانفعال. هنا نستحضر فوكو وتحليله لعلاقة الجسد بالسلطة: الجسد يُعذَّب ليُنتج خطاب الطاعة.

ومع ذلك يدفع النقد النسوي إلى مساءلة تمثيل الجسد الأنثوي: هل يمتلك النص وعيا كافيا بخطر تحويل المرأة إلى مجاز قومي؟ أم أن شيرين، رغم مركزيتها الرمزية، تظل محكومة بإطار دلالي يختزل فرديتها في وظيفة تمثيلية؟

تتجلى المفارقة الكبرى في مشهد الختام، حين يختار عبد الله الانضمام إلى البيشمركة، فيُقتل وهو يضغط يد شيرين على البندقية. تنقل هذه الحركة الرمزية السلاح من يد الجندي الرسمي إلى يد الضحية، من أداة قمع إلى أداة مقاومة. ليس الموت هنا نهاية، وإنما إعادة توزيع للمعنى. وكأن الرواية تقول إن العدالة قد تتأخر، غير أنها تظل كامنة في فعل الرفض.

غير أن هذا الأمل يبقى هشا؛ فالرواية لا تقدم خلاصا نهائيا، وإنما تتركنا أمام سؤال مفتوح: هل يكفي أن نبدل مواقع الضحايا والجلادين كي يتغير العالم؟ أم أن منطق العنف يظل كامنا في البنية ذاتها، ينتظر فقط تبديلا في الأدوار؟ هل الجحيم حدث عابر، أم بنية كامنة في كل سلطة لا تُساءَل؟ هل الجحيم انحراف تاريخي طارئ، أم نتيجة منطقية لكل سلطة لا تخضع للمساءلة الأخلاقية والسياسية؟

إن "الجحيم المقدس" بهذا المعنى ليست رواية عن حقبة منتهية، وإنما عن بنية عنف قابلة للتكرار. إنها تذكّر، في سوداويتها الوجودية، بأعمال يوجين يونسكو حيث العبث بوصفه انكشافا لفراغ المعنى، وبـدوستويفسكي حيث تتصارع النفس بين الخطيئة والاعتراف. يبدو الزمن فيها ماضيا، غير أنه يتسرب إلى الحاضر، كأن التاريخ العراقي يعيد إنتاج مأساته بأقنعة مختلفة.

كما يمكن مقارنتها برواية حفلة التيس لماريو بارغاس يوسا، التي تتناول دكتاتورية تروخيو في جمهورية الدومينيكان. غير أن يوسا ينشغل بتفكيك نفسية الطاغية وبنية السلطة من أعلى، في حين أن "الجحيم المقدس" تتجه إلى الأسفل، إلى الجندي الصغير، إلى الحلقة التي تُنفّذ ولا تُقرر. السلطة في نص شاوي لا تُرى من الشرفة الرئاسية، وإنما من فوهة البندقية. وهذا التحويل في زاوية الرؤية يمنح الرواية طابعا أكثر التصاقا بمأساة الفرد العادي الذي يجد نفسه وسيطا بين أمر فوقي ودم سفلي.

وإذا ابتعدنا قليلا عن المركز الأدبي الغربي، أمكن استحضار أعمال عربية قاربت تفكك الذات داخل منظومات قمعية بيروقراطية، مثل رواية "اللجنة" لصنع الله إبراهيم، حيث يتحول الفرد إلى موضوع فحص دائم داخل جهاز غامض يبتلع اللغة والمعنى معا. في مثل هذه النصوص لا يكون العنف حدثا استثنائيا، ولكن بنية يومية تتسرب إلى تفاصيل الحياة، فتعيد تشكيل الوعي والإحساس بالزمن واللغة. غير أن "الجحيم المقدس" تختلف في أنها لا تكتفي بتشريح القمع بوصفه جهازا إداريا مجردا، وإنما تكشف تداخله مع المسألة القومية، حيث يتقاطع العنف السياسي مع الانقسام الهوياتي الكردي، فيتحول الشرخ من انقسام فردي إلى تصدع مركّب يمس الجسد واللغة والانتماء معا.

ومن زاوية أدب المنفى، يمكن مقاربة النص مع رواية موسم الهجرة إلى الشمال للكاتب السوداني الطيب صالح، لا من حيث الموضوع السياسي المباشر، وإنما من حيث انقسام الهوية بين مركز وهامش، بين لغة رسمية وأخرى حميمة. غير أن "الجحيم المقدس" لا تعالج انقساما استعماريا، وإنما انقساما داخليا داخل الدولة الوطنية ذاتها؛ فالمركز هنا ليس أوروبيا، وإنما عسكري أيديولوجي ينتج هوامشه من داخله.

ويمكن كذلك مقارنتها برواية العار للكاتب الجنوب أفريقي ج. م. كوتزي، حيث لا يظهر العنف بوصفه صخبا سياسيا مباشرا، وإنما كتوتر أخلاقي يتسرب إلى العلاقات اليومية. غير أن الفرق الحاسم أن "الجحيم المقدس" لا تكتفي بتشريح العار الفردي، وإنما تكشف آلية تحويل العار إلى سياسة رسمية.

من هنا تأتي راهنية النص: إنه لا يكتفي بإدانة حزب أو نظام، وإنما يعري منطق السلطة حين تتحول إلى عقيدة مغلقة، ويكشف هشاشة الإنسان حين يُجبر على الاختيار بين الطاعة والكرامة. وبذلك يغدو النص نموذجا لما يمكن تسميته "الرواية التحذيرية"، لا لأنها تتنبأ بالمستقبل، وإنما لأنها تكشف البنية العميقة التي تجعل تكرار العنف احتمالا دائما متى غابت المساءلة والمؤسسات الضامنة للكرامة الإنسانية.

قد يقال إن الرواية تظل أسيرة حدث واحد، وإن شخصياتها تتحرك ضمن أفق ضيق مرسوم سلفا، وإن خطابها الإدانوي يطغى أحيانا على التعقيد الجمالي، غير أن هذا "الضيق" هو بالذات ما يمنحها كثافتها التراجيدية. إنها أقرب إلى مأساة إغريقية حديثة، حيث القدر ليس إرادة الآلهة، وإنما جهاز الدولة. وإذا كانت التراجيديا الكلاسيكية تنتهي بتطهير عاطفي، فإن "الجحيم المقدّس" تتركنا بلا تطهير، بلا كاثارسيس، وإنما بوعي حاد بأن الجحيم ليس مكانا تحت الأرض، وإنما نظاما سياسيا يمكن أن يتقدس باسم الوطن.

وهنا تكمن قوة الرواية وحدودها معا: فهي تنجح في إنتاج وعي نقدي حاد، غير أنها تضع القارئ أمام مأزق أخلاقي مفتوح، بلا عزاء جمالي كامل ولا حل سردي مريح، وهو ما يمنحها قيمتها ضمن أدب ما بعد الصدمة.

في النهاية، تقف الرواية كمرآة سوداء لتاريخ قريب، وكسؤال أخلاقي مفتوح: ماذا يبقى من الإنسان حين يُختزل إلى رقم في تقرير أمني؟ ماذا يبقى من الوطن حين يُختزل إلى ثكنة؟ وهل يمكن للذاكرة أن تكون بديلا عن العدالة، أم أنها مجرد أرشيف للألم؟ لعل الجواب المرير الذي تقترحه الرواية هو أن القداسة الحقيقية لا تكمن في الشعارات، وإنما في مقاومة الجحيم، حتى لو كانت المقاومة مجرد دمعتين تنحدران من عينين ميتتين في ثلاجة مظلمة، أو جملة مكتوبة في منفى بعيد تنتظر، بصبر تراجيدي، لحظة انكسار الصنم.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرحية جاء مفتش.. جون بوينتون بريستلي
- رواية متاهة الأرواح المنسية.. برهان شاوي
- ملعون أبوكي بلد.. سيد أحمد الحردلو
- رواية متاهة آدم.. برهان شاوي
- عندما تصبح العاطفة عبئا اقتصاديا في رواية أوقات عصيبة
- نساء على الشاطئ.. عبد القادر شرابة
- الظل كوعي مضاد: قراءة في فلسفة الهامش عند الطيب طهوري
- رواية كريستال أفريقيّ.. هيثم حسين
- قلق المعنى في روايات قويدر ميموني: دراسة مقارنة في ضوء الروا ...
- رواية الوعود اليتيمة.. جيل مارشان
- متاهة العميان: قراءة في الظلال والسلطة والوعي
- استكشاف الاستعمار في قصص إفريقية لدوريس ليسينغ
- رواية متاهة إبليس.. برهان شاوي
- رواية مشرحة بغداد.. برهان شاوي
- رواية فندق مفيستو.. برهان شاوي
- من كراكاس إلى طهران.. كيف يعيد ترامب تشكيل العالم بمنطق الهي ...
- رواية بلاد مكسورة.. كلير ليزلي هول
- عندما بكت عليّ شجرة البلوط.. الطيب طهوري
- رواية نصف وجهي المحروق.. عبد القادر شرّابة
- كيف حوّل ساركوزي زنزانته إلى ورشة لاستعادة الكرامة؟


المزيد.....




- رمضان في البحرين.. -النقصة- و-المجالس- جسور تصل الماضي بالحا ...
- محمد سعيد الحسيني.. حين توشحت ليالي رمضان في البحرين بصوت من ...
- مـِداد: أنثى الرواية التي خلعت الحجاب
- أقمار صناعية تكشف دماراً في منشأة نطنز النووية وتناقض في الر ...
- مديرة مهرجان برلين السينمائي تسعى للاستمرار في منصبها رغم ال ...
- عودة القصيدة العمودية بالجزائر.. نكوص شعري أم تصحيح وضع؟
- إطلالات جريئة للنجمات في حفل جوائز الممثلين 2026
- من بينهم الراحلة كاثرين أوهارا.. أبرز الفائزين بجوائز الممثل ...
- 14 رمضان.. من الرايات السود في دمشق إلى خيول نابليون في الأز ...
- حكاية مسجد.. قصة الأمر النبوي في -جامع صنعاء الكبير- باليمن ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية الجحيم المقدس.. برهان شاوي