أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو دي لا مويرتي















المزيد.....

تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو دي لا مويرتي


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8673 - 2026 / 4 / 10 - 11:47
المحور: الادب والفن
    


تتقاطع روايتا النباتية للكاتبة هان كانغ، وإل كامينو دي لا مويرتي للروائي قويدر ميموني في مستوى عميق يتجاوز اختلاف السياقات الثقافية والمرجعيات الجغرافية، إذ تنتميان معا إلى نمط سردي يشتغل على تفكيك البنية المستقرة للذات الإنسانية ومساءلة يقينها الداخلي، غير أن هذا التفكيك يتخذ مسارات مختلفة؛ إذ يتمحور في الأولى حول الجسد بوصفه مجالا مركزيا للصراع وإعادة التعريف، بينما يتجه في الثانية نحو أفق وجودي أكثر تجريدا، حيث تعاد مساءلة الذات عبر تشظيها الفلسفي وانخراطها في أسئلة المعنى والعدم، دون أن يكون الجسد محورا مباشرا لهذا الاشتغال. وإذا كان هذا التفكك يبدو في ظاهره تجربة فردية تخص شخصيات بعينها، فإنه في مستوى أعمق يحيل إلى أزمة بنيوية تمس مفهوم الذات في الحداثة المتأخرة، حيث لم يعد الكيان الإنساني يُفهم بوصفه وحدة متماسكة، وإنما بوصفه بنية مفتوحة على الانشطار والتعدد. من هذا المنظور، يمكن قراءة التحولين اللذين تقترحهما الروايتان باعتبارهما تعبيرا عن انتقال من تصور جوهري للهوية إلى تصور علائقي وهش، تتحدد فيه الذات عبر ما ينفلت منها بقدر ما يتحدد عبر ما تستبقيه. ومن هذا المنطلق، لا تكتفي الروايتان بسرد حكاية خطية تقليدية، وإنما تنزعان إلى بناء نص مفتوح على التأويل، تتداخل فيه الأبعاد النفسية مع الفلسفية، ويغدو فيه السرد ذاته أداة لاختبار حدود الإدراك الإنساني وهشاشته.

من أبرز أوجه التشابه بين العملين أنهما يعتمدان على تفكيك مركزية الذات بوصفها كائنا متماسكا، إذ تُقدَّم الشخصية في كلتا الروايتين باعتبارها كائنا في حالة انزياح مستمر عن استقرارها المفترض.

في النباتية يتجلى هذا التفكك عبر التحول التدريجي للشخصية الرئيسية إلى حالة تتجاوز المعايير الاجتماعية والجسدية، حيث يصبح الجسد مجالا للصراع بين قوى داخلية وخارجية، بينما في إل كامينو دي لا مويرتي يتخذ التفكك طابعا أكثر تجريدا، يتمثل في تشظي الهوية وتعدد مستويات الوعي، بما يجعل الشخصية غير قابلة للاختزال إلى وحدة نفسية ثابتة، وإنما تتحول إلى فضاء تتقاطع فيه الأصوات والتجارب والتوترات.

كذلك يشترك النصان في توظيف العنف بوصفه عنصرا بنيويا لا عرضيا، حيث لا يُقدَّم العنف كحادثة معزولة، وإنما كقوة كاشفة لبنية أعمق تحكم العلاقات الإنسانية. في النباتية يظهر العنف في صور متعددة: جسدي، نفسي، ورمزي، ويُمارس داخل الأسرة كما في المجتمع، ما يكشف عن شبكة سلطوية معقدة تعيد إنتاج الهيمنة عبر آليات يومية مألوفة. أما في إل كامينو دي لا مويرتي فإن العنف يتخذ بعدا أكثر تأمليا، إذ يتحول إلى علامة على مأزق وجودي شامل، حيث لا يُفهم بوصفه نتيجة لعلاقات اجتماعية فحسب، وإنما بوصفه تعبيرا عن انهيار المعنى نفسه أو تآكله داخل التجربة الإنسانية. ومع ذلك، يمكن التساؤل عما إذا كان هذا الانفتاح التأويلي الذي تقترحه الروايتان يمثل تحريرا حقيقيا للذات، أم أنه يعيد إنتاج شكل آخر من الضياع، حيث تتحول الحرية إلى عبء، ويغدو غياب المعنى نوعا من العنف الرمزي الذي لا يقل وطأة عن أشكال العنف المباشر.

ومن جهة أخرى، يلتقي العملان في اشتغالهما على ثنائية الحياة والموت، ليس بوصفها ثنائية متقابلة فحسب، وإنما باعتبارها مجالاً للتداخل والتداخل المعكوس. فالموت في النباتية لا يظهر كخاتمة نهائية فقط، وإنما كاحتمال للتحول أو الانفصال عن النظام القائم للحياة، بينما في إل كامينو دي لا مويرتي يتحول الموت إلى أفق يرافق الوجود ذاته، ويعاد التفكير فيه بوصفه جزءا من التجربة لا نقيضا لها، بما يعزز الطابع الوجودي للنصين ويجعل من سؤال الفناء سؤالا معرفيا بقدر ما هو مصيري.

كما تتقاطع الروايتان في اعتمادهما بنية رمزية كثيفة تتجاوز المستوى الواقعي للأحداث. فالأفعال والشخصيات لا تُقرأ في حدودها الظاهرة، وإنما بوصفها علامات تحيل إلى منظومات دلالية أوسع، تتعلق بالهوية، والحرية، والاغتراب، والبحث عن المعنى. في كلا العملين، لا تُقدَّم الرموز بوصفها زينة أسلوبية، وإنما باعتبارها مكونا أساسيا في إنتاج الدلالة، حيث يتحول الجسد، والمكان، والفعل، إلى عناصر مشحونة بإيحاءات تتطلب قراءة تأويلية متعددة الطبقات.

ولا يقتصر هذا التفكيك على مستوى الموضوع، وإنما يمتد إلى اللغة ذاتها، حيث يغدو السرد في كلا العملين مجالا لخلخلة العلاقة بين الدال والمدلول. فالتشظي الذي يطال الشخصية ينعكس في بنية الخطاب، سواء عبر التقطيع، أو تعدد وجهات النظر، أو الانزياحات الأسلوبية التي تجعل اللغة غير شفافة، وإنما مقاومة للقبض النهائي على المعنى.

بذلك لا يعود النص وسيطا محايدا، وإنما يتحول إلى فضاء تتجسد فيه الأزمة التي يعبّر عنها.
ويبرز أيضا تشابه مهم على مستوى علاقة النص بالقارئ، إذ لا تنتمي أي من الروايتين إلى خطاب سردي مريح أو مباشر، وإنما تفرض على المتلقي انخراطا معرفيا وجماليا يتجاوز التلقي السلبي إلى المشاركة الفاعلة في بناء المعنى. فكلتاهما تعتمدان على الإرباك المقصود، وعلى ترك مساحات من الغموض والانفتاح، بما يجعل القراءة عملية مستمرة من التأويل وإعادة التأويل، لا الوصول إلى نتيجة نهائية مغلقة.

ومن زاوية أخرى، تكشف الروايتان عن نزعة مشتركة نحو مساءلة القيم السائدة، سواء كانت اجتماعية أو أخلاقية أو جمالية. ففي النباتية يتم تفكيك المنظومة الأبوية والمعايير الاجتماعية التي تضبط سلوك الفرد وتحدد أدواره، بينما في إل كامينو دي لا مويرتي يتم مساءلة مفاهيم الخير والشر، والمعنى والعبث، ضمن أفق فلسفي يجعل من هذه المفاهيم موضوعا للنقد لا مسلمات جاهزة. وفي كلتا الحالتين، لا يكتفي النصان بوصف الواقع، وإنما يعيدان تشكيله عبر منظور نقدي يسعى إلى كشف ما هو مضمر خلفه.

وعلى هذا الأساس، لا تبدو الروايتان مجرد تجربتين سرديتين منفصلتين، وإنما تنخرطان ضمن أفق إنساني أوسع يعكس قلق الإنسان المعاصر إزاء فقدان المعنى وتآكل اليقين. فهما لا تكتبان عن شخصيات بعينها بقدر ما تكتبان عن شرط إنساني يتسم بالهشاشة، حيث يصبح البحث عن الهوية فعلا لا ينتهي، وتغدو الذات مشروعا مفتوحا على احتمالات الانهيار بقدر ما هو مفتوح على إمكانات التحول.

إن هذا التلاقي بين العملين لا يعني التطابق، وإنما يكشف عن انتمائهما إلى حساسية روائية معاصرة ترى في الأدب فضاء للتفكير في الإنسان لا بوصفه كائنا ثابتا، وإنما كيانا في حالة صيرورة دائمة، تتحدد ملامحه من خلال صراعاته الداخلية وعلاقاته المتشابكة مع العالم. ومن ثم فإن أوجه التشابه بين الروايتين تكمن في عمق الرؤية أكثر مما تكمن في الشكل، وفي الطريقة التي يعيدان بها طرح الأسئلة الكبرى حول الوجود، والهوية، والمعنى، دون ادعاء تقديم إجابات نهائية، وإنما عبر فتح المجال أمام القارئ ليشارك في إنتاج هذه الأسئلة وتوسيع أفقها. وفي هذا المعنى، لا تكمن قوة الروايتين في ما تقولانه فحسب، وإنما في ما تتركانه معلقا، في تلك المنطقة الرمادية بين الفهم والالتباس، حيث يُدفع القارئ إلى مواجهة هشاشته الخاصة. فالنص هنا لا يقدّم معرفة جاهزة، وإنما يضعنا أمام تجربة وجودية، يصبح فيها السؤال أكثر أهمية من الإجابة، والقلق أكثر صدقا من اليقين.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جدي ...
- الأنطولوجيا الحدّية في سرد عبد القادر شرابة: دراسة في تمثلات ...
- متاهة المعنى في رواية متاهة العدم العظيم: كتابة العدم وانفلا ...
- رواية أحلام آينشتاين.. آلان لايتمان
- حين تتحول الحرب إلى نبوءة: الدين والسياسة في الخطاب الأميركي ...
- الحياة حيث المقبرة.. بنين آل ماجد
- السرد بوصفه تجربة معرفية في المشروع الروائي لقويدر ميموني
- رواية الجحيم المقدس.. برهان شاوي
- مسرحية جاء مفتش.. جون بوينتون بريستلي
- رواية متاهة الأرواح المنسية.. برهان شاوي
- ملعون أبوكي بلد.. سيد أحمد الحردلو
- رواية متاهة آدم.. برهان شاوي
- عندما تصبح العاطفة عبئا اقتصاديا في رواية أوقات عصيبة
- نساء على الشاطئ.. عبد القادر شرابة
- الظل كوعي مضاد: قراءة في فلسفة الهامش عند الطيب طهوري
- رواية كريستال أفريقيّ.. هيثم حسين
- قلق المعنى في روايات قويدر ميموني: دراسة مقارنة في ضوء الروا ...
- رواية الوعود اليتيمة.. جيل مارشان
- متاهة العميان: قراءة في الظلال والسلطة والوعي
- استكشاف الاستعمار في قصص إفريقية لدوريس ليسينغ


المزيد.....




- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...
- من التسريبات إلى الشاشات.. 5 أفلام تكشف أسرار عالم الاستخبار ...
- بينها فيلم مغربي.. مهرجان كان السينمائي يكشف عن الأعمال التي ...
- السجن 15 عاماً لـ-ملكة الكيتامين- في قضية وفاة الممثل ماثيو ...
- -أغالب مجرى النهر- لسعيد خطيبي تتوج بالجائزة العالمية للرواي ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو دي لا مويرتي