أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر















المزيد.....

مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 16:54
المحور: الادب والفن
    


لم تأت قراءتي لمسرحية "فالنشتاين" Wallenstein نتيجة اهتمام سابق بالمسرح، لقد سبقتها إليه مصادفة ذات طابع شخصي. كانت تلك أول مسرحية أقرأها في حياتي، وقد جاءتني في لندن هدية يوم ميلادي من زوجتي؛ هي نفسها من اختارت النص، بدافع ميلها الواضح إلى هذا الفن، إذ كانت تقرأ المسرحيات وتحرص على مشاهدة عروضها كلما سنحت لها الفرصة. لم أتعامل مع الكتاب آنذاك بوصفه بداية واعية، لكن تلك اللحظة ظلت مرتبطة ببداية علاقتي بهذا النص تحديدا. أذكر أنني عندما بدأت قراءته، شدني منذ الصفحات الأولى ذلك التوتر الغريب الذي يحيط بالشخصية الرئيسية؛ ليس توتر الأحداث بقدر ما هو توتر القرار نفسه. كان واضحا لي أنني أمام بطل لا يتحرك لأنه يريد، ولكن لأنه مضطر لأن يختار، أو لأنه عاجز عن الاختيار في اللحظة المناسبة.

يُعدّ هذا العمل المسرحي الذي ألّفه فريدريش شيلر في أواخر القرن الثامن عشر لحظة حاسمة في تاريخ الأدب الألماني، بل وفي مسار تطور التراجيديا الأوروبية ككل. فعلى الرغم من أن ألمانيا عرفت أشكالا أدبية مهمة منذ العصور الوسطى، فإن الانفجار الحقيقي لعبقريتها لم يتحقق إلا عند تخوم الانتقال من القرن الثامن عشر إلى التاسع عشر، حين ظهر جيل أعاد تعريف وظيفة الأدب ومجاله، من أمثال يوهان فولفغانغ غوته، وهاينريش فون كلايست، ونوفاليس. غير أن شيلر، بخلاف غوته الذي مال إلى العوالم الداخلية والتأملات الوجودية، اختار أن يشتغل على المادة التاريخية الخام، فيحولها شعريا إلى أسئلة تتجاوز حدود زمنها.

ضمن هذا الإطار، لا يمكن قراءة "فالنشتاين" بوصفها مجرد مسرحية تاريخية؛ إنها، في جوهرها، تفكير عميق في معنى السلطة، والخيانة، والقدر، وحدود الإرادة الإنسانية. غير أن فهم هذا العمل يقتضي استحضار الشخصية التاريخية التي استلهمها شيلر: ألبرخت فون فالنشتاين، القائد البوهيمي الذي وُلد في بيئة بروتستانتية أواخر القرن السادس عشر، قبل أن يتحول إلى الكاثوليكية في زمن كانت فيه أوروبا على شفا انفجار ديني وسياسي كبير. وقد تجسد هذا الانفجار في حرب الثلاثين عاما، الحرب التي مزقت وسط القارة وأعادت تشكيل توازناتها.

برز فالنشتاين خلال تلك الحرب بوصفه قائدا عسكريا فذا، إذ استخدم ثروته الخاصة لتجهيز جيش يخدم الإمبراطور، وحقق انتصارات لافتة، خصوصا في مواجهته للقائد السويدي غوستاف أدولف. غير أن هذا الصعود حمل في داخله عناصر توتره وسقوطه؛ فالقوة التي راكمها جعلته مثار شك لدى السلطة الإمبراطورية، كما أن اعتماده على النهب في تمويل جيشه أضعف موقعه بين الحلفاء والخصوم معا.

تفتتح المسرحية عند لحظة تردد حاسمة في حياة هذا القائد. فالنشتاين، كما يقدمه شيلر، ليس بطلا تراجيديا تقليديا تسوقه رغبة عمياء في السلطة، إنه شخصية تعيش صراعا داخليا مركبا: هل يبقى وفيا للإمبراطور؟ أم ينقلب عليه؟ هل يتحالف مع السويديين؟ أم ينسحب من المشهد؟ لا يعكس هذا التردد ضعفا بقدر ما يعكس وعيا بواقع تاريخي معقد، لم تعد فيه القرارات تُتخذ بمعزل عن شبكة كثيفة من الضغوط.

هنا تتجلى إحدى أهم إضافات شيلر: نقل التراجيديا من صراع داخلي محض إلى صراع بين الفرد وقوى التاريخ. فالنشتاين لا يتحرك بدافع شر متأصل، وإنما هو أسير ظروفه. لا ينبع طموحه من طبيعة شيطانية، وإنما من إدراكه لإمكانية تاريخية لم تكتمل؛ إنه يرى فراغا في السلطة، لكنه يعجز عن حسم موقفه تجاهه.

في الجزء الأول من المسرحية، يأخذنا شيلر إلى داخل المعسكر، حيث تتكشف بنية الجيش لا ككتلة صماء، ولكن كجماعة بشرية معقدة. الجنود ليسوا مجرد منفذين للأوامر، إنهم أفراد تتنازعهم ولاءات متعددة: للدين، للإمبراطور، وللقائد الذي منحهم موقعا ومعنى. من هنا، تظهر فكرة أساسية: السلطة لا تمارس فقط عبر الأمر، وإنما عبر الإقناع والتأثير في الرأي.

يتأكد هذا المسار في الجزء الثاني، حيث تتصاعد الأزمة. يظهر أوتافيو بيكولوميني وابنه ماكس، وتتشابك العلاقات الشخصية مع الحسابات السياسية. أوتافيو، الذي يبدو حليفا، يتبين أنه يعمل لصالح الإمبراطور، ويتحرك بوعي سياسي حاد، في مقابل تردد فالنشتاين. ومن خلال عمله على كسب ولاء الضباط، ينجح في تقويض سلطة قائده من الداخل.

يكشف هذا التباين عن تصورين للسلطة: أحدهما يقوم على الثقة والولاء، والآخر على الحساب والتدبير. والمفارقة أن من يُنظر إليه كخائن محتمل ليس بالضرورة الأكثر خطورة، وإنما قد يكون الخطر فيمن يتحرك بصمت ويحسن توظيف اللحظة.

أما الجزء الثالث، فهو مسار متسارع نحو النهاية. بعد أن يحسم فالنشتاين خياره متأخرا، يجد نفسه معزولا، وقد فقد جزءا كبيرا من قوته. ومع أنه يحاول النجاة، إلا أن الأحداث تتسارع خارج إرادته، لينتهي مقتولا على يد رجال تابعين لوتر بتلر. لا يأتي موته نتيجة خطأ واحد، وإنما نتيجة تراكم من التردد وسوء التقدير.

غير أن المأساة تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فالنصر الذي يحققه أوتافيو يأتي بثمن شخصي قاس: موت ابنه ماكس، الذي يجسد البعد الإنساني في العمل. وهنا تتحول المسرحية إلى تأمل في الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما تتصادم القيم الشخصية مع ضرورات السياسة.

تقدم "فالنشتاين" في عمقها تصورا حديثا للتراجيديا، حيث لم يعد البطل مركز العالم، وإنما عنصرا ضمن شبكة من القوى الأكبر. وستجد هذه الرؤية صداها لاحقا في شخصيات تاريخية مثل نابليون بونابرت، الذي سيبدو وكأنه يحقق ما كان فالنشتاين يتردد فيه: السيطرة على مجرى التاريخ.

غير أن شيلر لا يمنحنا إجابة نهائية. فهو يترك السؤال مفتوحا: إلى أي حد يملك الإنسان زمام مصيره؟ فالنشتاين، وأوتافيو، وماكس، كلهم يتحركون وفق منطقهم الخاص، وكلهم يدفعون الثمن.

وهكذا، لا تنتهي المسرحية بسقوط رجل، ولكن بسقوط فكرة: فكرة البطل المطلق القادر على التحكم في مصيره. في عالم شيلر، يحل الإنسان المحدود محل البطل الأسطوري، إنسان يتأرجح بين إرادته وضغوط عصره، في زمن لم يعد فيه المجد نتيجة قوة فردية خالصة، وإنما ثمرة توازن هش بين الصدفة والتاريخ والقوى الجماعية.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية الطبيب النفسي.. خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس
- اللوسياد.. لويس دي كامويس
- رواية لا روزا بيرديدا.. كريستوفر لاكييز
- رواية أسابيع الحديقة.. خوان غويتيسولو
- رواية زمن الوحوش المفترسة، وتشريح الذاكرة الإنسانية
- أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري
- حرب بلا نصر حاسم: إيران تصمد وواشنطن تخرج مثقلة بالأسئلة
- تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو د ...
- الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جدي ...
- الأنطولوجيا الحدّية في سرد عبد القادر شرابة: دراسة في تمثلات ...
- متاهة المعنى في رواية متاهة العدم العظيم: كتابة العدم وانفلا ...
- رواية أحلام آينشتاين.. آلان لايتمان
- حين تتحول الحرب إلى نبوءة: الدين والسياسة في الخطاب الأميركي ...
- الحياة حيث المقبرة.. بنين آل ماجد
- السرد بوصفه تجربة معرفية في المشروع الروائي لقويدر ميموني
- رواية الجحيم المقدس.. برهان شاوي
- مسرحية جاء مفتش.. جون بوينتون بريستلي
- رواية متاهة الأرواح المنسية.. برهان شاوي
- ملعون أبوكي بلد.. سيد أحمد الحردلو
- رواية متاهة آدم.. برهان شاوي


المزيد.....




- نجاح فيلم مايكل جاكسون يعيد الجدل حول إرثه الفني وينعش الاته ...
- مهرجان فينيسيا السينمائي يختار ماغي جيلينهال لرئاسة لجنة الت ...
- قراءة مبسطة في قصيدة(أحتاج ذاكرة)للشاعر:جمال البولاقى(19 أغس ...
- كلام خفيف في تأبين الشاعر الراحل عبد الرحيم الماجري
- رأي..سامية عايش تكتب لـCNN: النجم الأسطورة الذي كنت أتمنى أن ...
- ادباء ذي قار يحتفون بالتجربة الابداعية للشاعرة راوية الشاعر ...
- مغني الراب -نينيو- وحسن شاكوش في افتتاح مهرجان -موازين- بالم ...
- انطلاق مهرجان اوفير في يونيو
- العين الثالثة
- الاستقصائي الإيطالي بياكيسي: هذه فكرة -صلاة مدنية للمقاومة – ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر