أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - حين يلتهم الحديد اللحم البشري في الأيام العظيمة















المزيد.....

حين يلتهم الحديد اللحم البشري في الأيام العظيمة


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8719 - 2026 / 5 / 28 - 16:52
المحور: الادب والفن
    


وقفت على حافة رواية "الأيام العظيمة" Les grands jours لبيير ماري كما يقف المرء على حافة حفرة لم يُختبر عمقها بعد. لم أعرف إن كنت سأدخلها بوصف القارئ أم بوصف الشاهد المتأخر على ما لا يمكن استعادته. كل ما أعرفه أنني، منذ الصفحات الأولى، فقدت القدرة على النظر إلى الحرب كفكرة مجردة، وكأن اللغة نفسها بدأت تتآكل تحت ثقل ما تحمله من صور لا تقبل التخفيف.

لم أكن أقرأ عن معركة، ولا عن تاريخ يُسرد بهدوء المنتصرين أو المنهزمين. ما واجهني هو تجربة تتسرب من حدود الحكاية إلى حدود الجسد، كأنها تريد أن تُجرَّب لا أن تُفهم فقط. وتساءلت: كيف يمكن للكلمات أن تحيط بما يحدث حين يصبح الهواء نفسه شظايا، وحين يتحول الصمت إلى تهديد، وحين يفقد الزمن انتظامه ليصير ارتجاجا متواصلا لا بداية له ولا نهاية؟

شعرت بأنني لا أقف خارج معركة فردان Bataille de Verdun، وإنما أقترب منها كما يقترب ذهن من فكرة مرعبة لم يختبرها بعد. هناك شيء في هذا السرد سحبني إلى الداخل دون إذن، جعلني أتخيل إنسانا محاصرا لا يملك سوى وعيه المرتجف كي يقيس به ما يتساقط حوله من العالم.

وأنا أقرأ، تشكل في داخلي سؤال لا يهدأ: هل يمكن للإنسان أن يبقى إنسانا حين يُجرَّد من كل ما يثبت إنسانيته، حين لا يبقى له سوى الخوف بوصفه رفيقا دائما، والانتظار بوصفه شكلا آخر من الألم؟ وأي معنى للصمود إذا كان الصمود نفسه لا يشبه الانتصار، وإنما يشبه الاستمرار في التنفس داخل بيئة تنكر فكرة التنفس؟

دخلت هذا النص وأنا أحمل وهم القارئ الذي يظن أنه آمن خلف الكلمات، ثم اكتشفت أن النص لا يترك أحدا في الخارج. ألفيته يجرني إلى الخندق، إلى الطين، إلى الصوت الذي لا ينقطع، وإلى تلك اللحظة التي يتعطل فيها الفهم، فلا يبقى إلا الإدراك الخام، العاري، الذي لا يجد تفسيرا لما يراه.

ثمة لحظات في تاريخ الإنسان لا يمكن وصفها باعتبارها أحداثا عسكرية فحسب، لأن اللغة العسكرية نفسها تنهار أمامها، وتتحول الخرائط والخطط والأوامر إلى رماد ذهني لا قيمة له. ما الذي يبقى حين تصير السماء آلة طحن، وحين يفقد التراب صفته القديمة كأرض للحياة، ويتحول إلى فم هائل يبتلع الأجساد والذكريات والأسماء؟

هكذا تبدو الأيام الأولى من معركة فردان في رواية "الأيام العظيمة"، التي ليست رواية عن معركة بالمفهوم المعتاد، ولا عن انتصار أو هزيمة. إنها محاولة للوقوف داخل الجحيم نفسه، داخل تلك الثواني التي يتشقق فيها الإدراك الإنساني، فيكتشف المرء أن الموت ليس دائما لحظة خاطفة، أحيانا يكون مناخا كاملا، إقامة طويلة داخل الرعب.

المَدافع هنا لا تقتل فقط، إنها تعيد تشكيل الزمن. الرجل الذي يقبع في الخندق تحت وابل القذائف لا يعود يشعر بتعاقب الدقائق كما كان يعرفه سابقا. يصير الزمن كتلة خانقة، مادة كثيفة لا تتحرك. يتحول الانتظار إلى عذاب مستقل. انتظار القذيفة التالية، انتظار انهيار السقف الترابي فوق الرأس، انتظار أن يتوقف الضجيج، مع معرفة عميقة أن الصمت قد يكون أكثر فتكا، لأن الصمت يعني اقتراب شيء آخر.

من يستطيع فهم إنسان عاش ساعات طويلة تحت القصف المتواصل؟ أي لغة يمكنها نقل تجربة رجل يسمع الأرض تصرخ حوله؟ عادةً، تمنح الكتبُ الحروبَ شكلا يمكن احتماله: بطولات، أعلام، خطابات، موسيقى وطنية، أسماء جنرالات.

غير أن الحقيقة في فردان كانت أشد قسوة من أي سردية جاهزة. كانت الحقيقة جسدا يرتجف في حفرة موحلة، وعينين متسعتين من فرط الذهول، وروحا تتساءل في صمت: لماذا يحدث كل هذا أصلا؟

المثير في هذا العمل أن العدو لا يظهر كشيطان أسطوري. الجنود الألمان والفرنسيون يبدون كضحايا لقوة أضخم منهم جميعا. لم تعد الحرب الحديثة مواجهة شجاعة بين رجلين يحملان سيفين تحت الشمس.

لقد أصبحت انتصارا للتقنية على الإنسان، انتصار الحديد على اللحم، انتصار الآلة على الأعصاب البشرية. هنا يفقد الفرد معناه التقليدي، ويصير مجرد نقطة صغيرة داخل إعصار من النار والمعادن.

ومع ذلك، وسط هذا الخراب الكامل، يبرز سؤال محير: من أين تأتي قدرة الإنسان على الصمود؟ كيف يستطيع كائن هش، يرتعب من الظلام والوحدة والمرض، أن يبقى يومين كاملين تحت مطر من الفولاذ؟ أي طاقة غامضة تدفعه إلى التمسك بالحياة رغم اقتناعه أن النجاة تكاد تكون مستحيلة؟

ربما تكمن الإجابة في شيء أعمق من الوطنية والشعارات. هناك نواة خفية داخل الإنسان، شيء عنيد يرفض الانطفاء. ليست بطولة استعراضية، وليست رغبة في المجد. إنها مقاومة بدائية، شبه غريزية، كأن الروح البشرية تقول للعالم: "لن أختفي بسهولة".

لهذا تبدو هذه الحكاية تأملا في معنى الكرامة أكثر من كونها سردا عسكريا. لا تظهر الكرامة هنا في الانتصار، وإنما في القدرة على التحمل. في ألا ينهار الإنسان نفسيا رغم كل ما يحيط به. في احتفاظه بجزء صغير من إنسانيته وسط بيئة صُممت كي تسحق الإنسان تماما.

الأشد إيلاما أن الناجين لا يخرجون أحياء حقا. لا تنتهي الحرب عند توقف القصف. إنها تستمر داخل الذاكرة، داخل الأحلام، داخل الارتجافة المفاجئة التي تصيب الجسد عند سماع صوت مرتفع. لم يعد الجندي الذي عاد من فردان الشخص ذاته. ثمة شيء تحطم إلى الأبد. كأن التجربة نزعت الغطاء الرقيق الذي يحمي البشر من رؤية هشاشتهم العارية.

كم يبدو العالم العادي غريبا بعد ذلك. المقاهي، الأحاديث اليومية، ضحكات المارة، دفء البيوت… كيف يمكن لإنسان رأى الأرض تتحول إلى مقبرة مفتوحة أن يعود إلى ممارسة الحياة كما لو أن شيئا لم يقع؟ ربما لهذا يعجز كثير من المحاربين عن العودة الحقيقية. إنهم يحملون معهم زمنا آخر، زمنا معتما لا ينسجم مع إيقاع الحياة المدنية.

واللافت أيضا أن الرواية لا تسقط في خطاب وعظي مباشر. لا أحد يرفع إصبعه ليعطي درسا أخلاقيا. يترك النص الرعب يتحدث وحده. يترك القارئ أمام السؤال القديم المتجدد: ماذا يحدث للإنسان حين يصل العنف إلى حد يفوق قدرة العقل على الاستيعاب؟

ربما كانت الحروب القديمة تمنح البشر وهم البطولة النقية، أما الحرب العالمية الأولى فقد مزقت هذا الوهم بعنف هائل. لقد كشفت أن الحضارة الأوروبية، بكل فلسفاتها وفنونها وأناقتها، كانت قادرة في لحظة واحدة على إنتاج مذابح صناعية لم يعرفها التاريخ من قبل.

لهذا تبدو معركة فردان جرحا فلسفيا أكثر من كونها واقعة عسكرية. إنها اللحظة التي أدرك فيها الإنسان الحديث أن التقدم العلمي لا يقود بالضرورة إلى الرحمة، وأن العقل القادر على كتابة الشعر واكتشاف القوانين الفيزيائية يستطيع أيضا ابتكار وسائل إبادة مذهلة.

ومع ذلك، وسط الركام والدخان وصراخ المصابين، يبقى شيء صغير يقاوم الفناء: إنسان يحاول حماية رفيقه، جندي يواصل الوقوف رغم الرعب، عينان ما تزالان تبحثان عن معنى داخل العبث. وربما كان هذا وحده ما يستحق التأمل فعلا.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- عندما تهاجمنا الطفولة المفقودة في اقتلوهم جميعا
- كتابة الذات خارج يقينها
- رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك
- حين ينمو الشكل ويهتز النظام في الحدائق النحتية
- اعترافات إيطالي.. حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ
- حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ في اعترافات إيطالي
- أوروبا الوسطى وصناعة الأرشيف السردي الحي
- التاريخ ذريعة لتشريح الذات الإنسانية في مُؤتَمَن الشاعر
- رواية عمال البحر.. فيكتور هوجو
- رواية آل مايا.. إيسا دي كيروش
- رواية في سنّ العشرين، لوز.. إلسا أوسوريو
- مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر
- رواية الطبيب النفسي.. خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس
- اللوسياد.. لويس دي كامويس
- رواية لا روزا بيرديدا.. كريستوفر لاكييز
- رواية أسابيع الحديقة.. خوان غويتيسولو
- رواية زمن الوحوش المفترسة، وتشريح الذاكرة الإنسانية
- أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري
- حرب بلا نصر حاسم: إيران تصمد وواشنطن تخرج مثقلة بالأسئلة
- تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو د ...


المزيد.....




- السيد مجتبى الخامنئي: على نواب الأمة التعاون مع الحكومة من أ ...
- ليلى سليماني: الأدب سلاحنا الأخير لمواجهة الاستقطاب والتعصب ...
- 7نصوص هايكو(حنين) مترجمة للفرنسية :الشاعرالسيريالى محمدعقدة. ...
- السجن لمساعد الممثل ماثيو بيري بعد حقنه بجرعة كيتامين قاتلة ...
-  فيلم وثائقي: حين يصبح حياد سويسرا مادة للكوميديا الساخرة
- المشتقات النفطية العراقية: محطات الوقود تعمل بشكل طبيعي في ب ...
- إسرائيل بين أسطورة -شعب الله المختار- وانهيار الرواية الصهيو ...
- ربطة عنق تستحضر ذكرى جون كينيدي في حفل توزيع جوائز الموسيقى ...
- مهدي المشاط: علينا تعزيز سلاح المقاطعة الاقتصادية والثقافية ...
- المعرفة والذاكرة والمقاومة.. قراءة تحليلية في كتاب -دروس الق ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - حين يلتهم الحديد اللحم البشري في الأيام العظيمة