|
|
التاريخ ذريعة لتشريح الذات الإنسانية في مُؤتَمَن الشاعر
وليد الأسطل
الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 15:46
المحور:
الادب والفن
قبل أن أدخل إلى صلب هذا العمل، لا يمكنني أن أفصل قراءتي له عن مساري الشخصي مع الأدب الاسكندنافي، ذلك المسار الذي بدأ، كما يبدأ عند كثيرين، مع هنريك إبسن. لقد كان إعجابي بإبسن مدخلا إلى عالم كامل: عالم تتقاطع فيه الأسئلة الأخلاقية مع هشاشة الإنسان، وتُعرّى فيه الأوهام الاجتماعية تحت ضوء قاس لا يرحم. في أعمال مثل بيت الدمية أو أشباح، بدا لي دائما أن الشخصيات لا تسقط فجأة، وإنما تنزلق تدريجيا داخل منظومة من الأكاذيب التي تصدقها هي قبل غيرها.
وحين زرت أوسلو عام 2005، لم تكن الرحلة مجرد انتقال جغرافي، لقد كانت، بطريقة ما، اقترابا من تلك الأجواء التي قرأتها طويلا. المدينة، بهدوئها البارد، وبذلك الإحساس الخفي بالانضباط الذي يخفي توترات داخلية، بدت وكأنها امتداد طبيعي لعوالم إبسن. هناك، يصبح من السهل أن نتخيل كيف يمكن لفرد أن يضيع بين ما يريده حقا وما يُفترض به أن يكون.
من هذا المنظور تحديدا، تبدو رواية نيلس فريدريك دال امتدادا، أو على الأقل صدى بعيدا، لذلك الإرث الإبسني: شخصيات عالقة داخل أدوار لا تملكها، وأوهام تعاش بجدية مفرطة حتى تنقلب إلى مصير. وهذا ما يجعل القراءة هنا ليست مجرد متابعة لحكاية تاريخية، ولكن نوعا من العودة إلى سؤال قديم: ماذا يحدث حين يؤمن الإنسان بلعبة لم تُخلق له؟
ثمة كتب لا تُقرأ فقط من صفحاتها، وإنما منذ العتبة الأولى التي تقود إليها: العنوان. إنه ليس مجرد تسمية، إنه وعد ضمني، وإشارة خفية تحدد زاوية التلقي قبل أن يبدأ النص فعليا. وفي حالات كثيرة، يكشف اختلاف العناوين بين اللغات عن تحول عميق في طريقة تقديم العمل وفي طبيعته ذاتها.
هذا ما نلمسه بوضوح في رواية نيلس فريدريك دال التي عرفتها في ترجمتها الفرنسية بعنوان "مُؤتَمَن الشاعر" Le Confident du poète، بينما تحمل في أصلها النرويجي اسما مقتضبا ومباشرا: هيرّه (Herre) . هذا التحول من اسم علم إلى عبارة مشحونة دلاليا ليس تفصيلا شكليا، إنه يعكس انتقالا من عالم محلي محدود الإحالات إلى أفق قرائي أوسع، يعاد فيه تشكيل العمل ليتلاءم مع حساسية مختلفة، وربما مع توقعات مغايرة تماما.
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يمكن فصله عن طبيعة الشخصية التي يحمل اسمها العنوان الأصلي. فبرنارد هيرّه، الذي يستند إليه النص، ليس من تلك الشخصيات التي عبرت حدود ثقافتها لتصبح جزءا من الذاكرة الأدبية الأوروبية. إنه ينتمي إلى الهامش أكثر مما ينتمي إلى المركز، إلى منطقة رمادية بين التاريخ والأدب، حيث تختفي الأسماء بسهولة ما لم تتكئ على شهرة استثنائية. وإذا كانت بعض الأسماء المعاصرة له، مثل كاميلا كوليت أو يوهان سباستيان ويلهافن، قد حظيت بقدر محدود من التعريف خارج فضائها الاسكندنافي، فإن حضورها يظل باهتا مقارنة بالجيل اللاحق الذي رسخ صورة الأدب النرويجي في أوروبا.
من هنا، يبدو اختيار العنوان الفرنسي وكأنه ليس مجرد ترجمة، وإنما إعادة توجيه كاملة للكتاب نحو حساسية مختلفة، نحو قارئ يبحث عن الحميمي والوجداني أكثر من اهتمامه بالمرجعيات التاريخية أو الثقافية الدقيقة. ويمكن القول إن هذا الاختيار يكشف، في حد ذاته، عن تصور معين للأدب المعاصر: أدب يُسوّق عبر العاطفة، ويُقدَّم بوصفه تجربة داخلية قبل أن يكون وثيقة زمنية.
ومع أن الرواية تدور، في ظاهرها، داخل أوساط أدبية في كريستيانيا (أوسلو) خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، فإنها لا تنشغل حقا بإعادة بناء تلك المرحلة بكل تعقيداتها. يمكن للقارئ، لو أراد، أن يستحضر السياق التاريخي: انتقال النرويج من التبعية للدنمارك إلى نوع من الاتحاد مع السويد، الصراعات بين التيارات المحافظة والليبرالية، محاولات تأسيس هوية لغوية مستقلة عبر مشروع النينوشك… لكن كل هذه العناصر تبقى في الخلفية، كديكور باهت لا يسعى الكاتب إلى إنعاشه.
والأهم من ذلك هو أن الرواية تتعمد، إلى حد بعيد، تفريغ هذا الإطار التاريخي من ثقله. لم أجد فيها ذلك الجهد المعتاد في الروايات التاريخية لإعادة إنتاج لغة العصر أو ذهنيته أو حساسياته الروحية. تتكلم الشخصيات وتفكر كما لو كانت تنتمي إلى زمننا، لا إلى القرن التاسع عشر. اللغة مباشرة، أحيانا فظة، خالية من الزخارف التي نتوقعها من خطاب رومانسي. حتى الانشغالات الفكرية والدينية التي كانت تميز تلك الحقبة تكاد تكون غائبة. وهنا يبرز سؤال جوهري: هل هذا إهمال أم اختيار واع؟
يمكن النظر إلى الأمر من زاويتين. فمن جهة، قد يبدو ذلك عجزا عن الإمساك بروح الماضي، أو عدم اهتمام حقيقي به. لكن من جهة أخرى، يمكن اعتباره محاولة لتجاوز التاريخ نحو ما هو أعمق: نحو ما يبقى من التجربة الإنسانية حين تُجرّد من سياقها. فالرواية، في جوهرها، لا تريد أن تحكي عن النرويج في القرن التاسع عشر، ولكن عن الحب غير المتحقق، عن الرغبة التي لا تجد منفذا، عن الإنسان حين يُحب من موقع أدنى، عاجزا، مهمشا.
بهذا المعنى، ليس التاريخ سوى ذريعة. القصة الحقيقية هي قصة شعور، لا قصة زمن. يتجلى هذا بوضوح في البنية السردية للعمل، التي تقوم على خطين متوازيين يتداخلان بمهارة. الخط الأول يُروى بلسان برنارد هرّه، ويستعرض العلاقة المعقدة بين كاميلا كوليت ويوهان سباستيان ويلهافن، وهي علاقة مشدودة بين الرغبة والخيبة. أما الخط الثاني، فيُقدَّم بضمير الغائب، ويروي الأيام الأخيرة لهرّه نفسه، بعد سنوات من تلك الأحداث، حين يتحول إلى كائن تائه في الغابات، محطما، منهكا، يسير نحو نهايته.
ليس هذا التوازي مجرد تقنية شكلية، إنه جوهر المعنى. ففي الخط الأول، نرى هرّه من الداخل: عاشقا، وسيطا، أداة في لعبة عاطفية لا يملك فيها شيئا. يحب كاميلا، التي تحب ويلهافن، الذي بدوره يتجه نحو امرأة أخرى. سلسلة من الرغبات غير المتبادلة، تكاد تعيد إنتاج البناء الكلاسيكي لمآسي الحب المستحيل. أما في الخط الثاني، فنراه من الخارج: رجلا سقط من كل الأوهام، لم يعد سوى ظل لما كان عليه، يتخبط في حياة بلا اتجاه.
ليس هيرّه "مُؤْتَمَنًا" بالمعنى النبيل للكلمة؛ هو أقرب إلى وسيط، إلى قناة تمر عبرها مشاعر الآخرين. وجوده ضروري، لكنه غير مرئي، مستَخدَم، لكنه غير معترف به. لا تراه كاميلا شريكا ممكنا، ولا يراه ويلهافن إلا أداة مفيدة. وهو، رغم إدراكه لهذا الوضع، يستمر فيه، مدفوعا بأمل ضئيل لا يموت.
تقدم الرواية، في هذا الجانب، دراسة دقيقة لحالة العشق من طرف واحد، ذلك العشق الذي لا يتغذى إلا على الإشارات الصغيرة: نظرة، لمسة، كلمة عابرة. يتحول كل تفصيل بسيط إلى حدث ضخم في وعي العاشق، يعيد إشعال الرغبة من جديد. وهكذا يدخل هيرّه في حلقة مفرغة، حيث لا يتحقق شيء، ولا ينتهي شيء.
لكن المأساة لا تكمن فقط في هذا الحب المستحيل، ولكن في السياق الذي يحتضنه. فالعالم الأدبي الذي يسعى هرّه إلى الانتماء إليه يظهر، تدريجيا، بوصفه عالما زائفا، قائما على الادعاء أكثر من الصدق.
ويلهافن، الشاعر، يتحدث كثيرا عن الفن والحب والفكر، لكنه في العمق شخصية انتهازية، متقلبة، غير صادقة حتى مع نفسها. أما كاميلا، رغم تعاطف القارئ معها أحيانا، فهي بدورها أسيرة حسابات اجتماعية وعاطفية لا تترك مجالا لصدق كامل.
في هذا السياق، يبدو هيرّه وكأنه الوحيد الذي يأخذ هذه القيم على محمل الجد. الوحيد الذي يصدق الخطاب الرومانسي حتى نهايته. وهذه هي مأساته الحقيقية: أنه يؤمن بما لا يؤمن به الآخرون. حين يصل إلى نهايته، في الغابة، لا يكون موته مجرد نتيجة لخيبة عاطفية، وإنما تتويجا لمسار كامل من الانخداع. إنه، بطريقة ما، يحقق المثال الرومانسي الذي لم يكن سوى وهم في نظر الآخرين. يموت كما ينبغي أن يموت "شاعر"، رغم أنه لم يكن كذلك حقا.
وهنا تكمن المفارقة القاسية: لقد عاش في عالم لم يكن له، وحاول أن يصبح جزءا منه، ففشل. لكنه، في لحظة النهاية، يتماهى معه تماما، ليس لأنه نجح في الانتماء إليه، ولكن لأنه استسلم له بالكامل.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة الرواية كنوع من النقد الخفي للرومانسية نفسها، لا بوصفها حركة تاريخية، وإنما كخطاب يخفي خلف جمالياته قدرا كبيرا من الزيف. لا يسعى الكاتب إلى فضح الماضي بقدر ما يسعى إلى كشف هذا التناقض الدائم بين ما يقال وما يعاش.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحا: هل هذا الكشف كاف؟ هل يكفي أن ننزع عن الماضي أوهامه لنفهمه؟ أم أن في هذا التبسيط نوعا من فقدان شيء جوهري، شيء لا يمكن استعادته إذا لم نحاول، ولو جزئيا، أن نراه بعينيه لا بأعيننا؟
ربما تكمن قوة هذا العمل، وضعفه في آن واحد، في هذا الخيار تحديدا: أن يجعل الماضي مرآة للحاضر، بدل أن يجعله عالما مستقلا بذاته. فهو يمنحنا قصة إنسانية قريبة، مؤثرة، قابلة للفهم الفوري، لكنه، في المقابل، يحرمنا من تلك الغرابة الخصبة التي تجعل من الأدب التاريخي رحلة حقيقية إلى زمن آخر.
في النهاية، لا يقدّم دال رواية عن القرن التاسع عشر بقدر ما يقدم تأملا في هشاشة الإنسان حين يضع نفسه في خدمة وهم. وهذا، على الأرجح، ما يجعل عمله حيا، رغم كل ما يمكن أن يؤخذ عليه.
#وليد_الأسطل (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رواية عمال البحر.. فيكتور هوجو
-
رواية آل مايا.. إيسا دي كيروش
-
رواية في سنّ العشرين، لوز.. إلسا أوسوريو
-
مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر
-
رواية الطبيب النفسي.. خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس
-
اللوسياد.. لويس دي كامويس
-
رواية لا روزا بيرديدا.. كريستوفر لاكييز
-
رواية أسابيع الحديقة.. خوان غويتيسولو
-
رواية زمن الوحوش المفترسة، وتشريح الذاكرة الإنسانية
-
أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري
-
حرب بلا نصر حاسم: إيران تصمد وواشنطن تخرج مثقلة بالأسئلة
-
تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو د
...
-
الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جدي
...
-
الأنطولوجيا الحدّية في سرد عبد القادر شرابة: دراسة في تمثلات
...
-
متاهة المعنى في رواية متاهة العدم العظيم: كتابة العدم وانفلا
...
-
رواية أحلام آينشتاين.. آلان لايتمان
-
حين تتحول الحرب إلى نبوءة: الدين والسياسة في الخطاب الأميركي
...
-
الحياة حيث المقبرة.. بنين آل ماجد
-
السرد بوصفه تجربة معرفية في المشروع الروائي لقويدر ميموني
-
رواية الجحيم المقدس.. برهان شاوي
المزيد.....
-
الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك
...
-
انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما
...
-
تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
-
مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس
...
-
فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ
...
-
محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
-
نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس
...
-
يحدث في اتحاد الكتاب العرب
-
توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف
...
-
مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا
...
المزيد.....
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
رواية هروب بين المضيقين
/ أمين أحمد ثابت
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا
...
/ السيد حافظ
-
تمارين أرذل العمر
/ مروة مروان أبو سمعان
-
اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية
/ أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
المزيد.....
|