أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية في سنّ العشرين، لوز.. إلسا أوسوريو















المزيد.....

رواية في سنّ العشرين، لوز.. إلسا أوسوريو


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 18:21
المحور: الادب والفن
    


لم أصل إلى هذه الرواية عبر صدفة عابرة، ولكن في سياق اشتغالي على الأنظمة السلطوية في أميركا اللاتينية داخل حقل العلوم السياسية. أثناء تتبعي لنصوص تتناول أثر الديكتاتوريات على الأفراد وإعادة تشكيل الهوية، تكرر اسم إلسا أوسوريو في سياق خاص يتعلق بسرقة الأطفال في الأرجنتين. لاحقا، وأثناء زيارتي لإحدى المكتبات، استوقفتني الرواية ضمن رف مخصص لأدب أميركا اللاتينية، حيث كانت مجاورة لأعمال تعالج الذاكرة والمنفى وإرث العنف السياسي. لم يكن الاختيار لحظة انجذاب عاطفي، وإنما امتدادا طبيعيا لمسار بحثي في العلوم السياسية يتتبع آليات السلطة وآثارها الاجتماعية والإنسانية.

رواية "في سنّ العشرين، لوز" (A veinte años, Luz)، التي قرأتها مترجمة إلى الفرنسية بعنوان "لوز أو الزمن المتوحش" (Luz ou le temps sauvage) للكاتبة الأرجنتينية إلسا أوسوريو، تفتح بابا لا يغلق بسهولة: باب الهوية حين تُنتزع من صاحبها، ثم تعاد إليه بعد سنوات، لا كاستعادة، ولكن كصدمة. منذ البداية، لا تُقدَّم الحكاية كمسار واضح، وإنما كنسيج متشابك، تتداخل فيه الأزمنة كما تتداخل الأصوات، بحيث يصبح القارئ أمام عمل لا يكشف نفسه دفعة واحدة، وإنما يراوغ، يؤجل، ويعيد ترتيب ما ظننته ثابتا. غير أن هذا التماسك الظاهري يخفي خللا مقصودا في البنية: فالرواية لا تريد فقط أن تُروى، وإنما أن تُربك الطريقة التي نفهم بها السرد نفسه، كأنها تقول إن الحكاية التي تُبنى على كذبة لا يمكن أن تُحكى باستقامة.

ليست الثلاثية التي يقوم عليها العمل مجرد تقسيم زمني، إنها طريقة لتفكيك الكذبة عبر الزمن. ليست 1976 فقط تاريخا، ولكن لحظة تأسيس، حيث لا يُقتل الإنسان فحسب، وإنما يعاد تعريفه. ليست 1983 نهاية بقدر ما هي بداية ارتخاء قبضة الحقيقة، حيث تبدأ الشقوق بالظهور داخل البنية التي بدت محكمة. أما التسعينيات، فهي لحظة لا يعود فيها ممكنا تأجيل المواجهة، حيث تتراكم الشكوك إلى حد لا يمكن احتواؤه. لا يبنى هذا التدرج كتصاعد درامي تقليدي، ولكن كضغط بطيء، كأن الحقيقة لا تنفجر، وإنما تتسرب.

ليست لوز بطلة تسعى إلى كشف لغز، وإنما نتيجة لغز سابق. وجودها نفسه مبني على انقطاع: أمّ غائبة، اسم غير أصلي، حياة مكتملة ظاهريا لكنها مشروخة من الداخل. ما يحركها ليس دليلا، ولكن إحساس غير قابل للتحديد، نوع من عدم التطابق بين ما تعيشه وما يُفترض أنها عليه. وهذا ما يجعل الرواية أكثر إزعاجا: لأنها لا تنطلق من يقين، ولكن من شك مبهم، من فراغ صغير يتسع ببطء.

حين تصبح أما، لا يحدث التحول بوصفه لحظة كشف درامية، وإنما كاحتكاك صامت بين تجربتين: ما تعيشه الآن، وما قيل لها عن بدايتها. العلاقة مع طفلها لا تمنحها إجابة، إنها تعمق السؤال: كيف يمكن لشيء بهذه الكثافة أن يُمحى؟ كيف يمكن أن تُقطع هذه الرابطة ويعاد تركيبها في مكان آخر وكأن شيئا لم يكن؟ هنا، لا يعود البحث عن الحقيقة فعل فضول، ولكن ضرورة وجودية، لأن الكذبة لم تعد فكرة، وإنما أصبحت جسدا.

تكشف الرواية آلية سرقة الأطفال في ظل الدكتاتورية الأرجنتينية، لكنها لا تتوقف عند مستوى الفضيحة التاريخية، إنها تذهب إلى ما هو أكثر تعقيدا: إلى الحياة التي بنيت فوق هذه الجريمة. إلى الكيفية التي تتحول بها الأكاذيب، مع الزمن، إلى واقع يومي لا يشكك فيه أحد. الأطفال الذين سُرقوا لم يُخفوا فقط، لقد أُعيدت كتابتهم بالكامل. وهنا تظهر المفارقة القاسية: أن الحقيقة، حين تغيب طويلا، لا تترك فراغا، إنها تُستبدل بشيء آخر يبدو متماسكا.

في هذا السياق، لا يبدو إدواردو شخصية شريرة بقدر ما هو مثال على الانزلاق التدريجي. لم يبدأ بالكذب، بدأ بالخوف، ثم بالصمت، ثم بالحاجة إلى الحفاظ على ما استقر. ومع كل خطوة، تصبح العودة أصعب. الرواية لا تبرره، لكنها ترفض تبسيطه، لأنها تدرك أن المشكلة ليست في الكذبة الأولى، ولكن في قابلية الإنسان للاستمرار داخلها.

النساء في الرواية لا يُقدَّمن كضحايا متشابهات، وإنما كأشكال مختلفة للأمومة داخل نظام واحد. ليليانا تُسلب حياتها وطفلتها. تمنح ماريانا حياة كاملة لطفلة ليست لها. وتمثل أماليا لحظة التواطؤ الواعي أو شبه الواعي مع السلطة. لا يهدف هذا التوزيع إلى خلق توازن، ولكن إلى إظهار أن الأمومة نفسها يمكن أن تعاد صياغتها بالقوة، وأن العلاقة الأكثر بداهة في الحياة يمكن أن تصبح موضع شك.

يوازي أسلوب السرد هذا التفكك: تتداخل الأصوات دون أن تنصهر، تتبدل الضمائر، وتبدو الجمل أحيانا وكأنها تتوقف قبل أن تكتمل. ليس لأن الكاتب يعجز، ولكن لأن الموضوع نفسه لا يحتمل اكتمالا لغويا سلسا. هناك دائما شيء ناقص، شيء لا يقال، وكأن النص يعترف ضمنيا بعجزه عن احتواء ما يرويه.

وهنا تحديدا يبدأ البعد النقدي في التبلور: لا تنتمي هذه الرواية بسهولة إلى تقليد "الواقعية السحرية" الذي طبع كثيرا من أدب أمريكا اللاتينية. عند غابرييل غارسيا ماركيز في مئة عام من العزلة، يعاد تشكيل التاريخ داخل بنية أسطورية، حيث يصبح النسيان جزءا من دورة الوجود، أما هنا فهناك مقاومة صريحة لهذا النسيان. لا أسطرة، لا تعويم للواقع، ولكن إصرار على التسمية، على التحديد، على رد الجريمة إلى فاعلها. وإذا كان روبرتو بولانيو يذهب في روايته 2666 إلى أقصى حد في تفريغ العنف من المعنى حتى يبدو كظاهرة كونية عبثية، فإن أوسوريو تفعل العكس تماما: تعيد المعنى إلى العنف، لا لتبريره، وإنما لتحميله مسؤولية. أما عند إيزابيل الليندي في بيت الأرواح، فالعائلة هي حافظة الذاكرة، بينما هنا العائلة نفسها تصبح أداة لإعادة كتابة الماضي، بل لمحوِه.

كما تلتقي هذه الرواية بقوة أكبر مع خط "أدب الشهادة والتحقيق في عنف الدولة" في الأرجنتين، خصوصا مع عمل رودولفو والش في "عملية مذبحة" (Opération Massacre)، حيث يتحول السرد إلى أداة لكشف جريمة سياسية وإعادة بناء الحقيقة من شظاياها، لا بوصفها حدثا من الماضي، ولكن بوصفها نظاما مستمرا لإنتاج الكذب والمحو. وفي السياق نفسه، يمكن ملاحظة تقاطعها مع بعض أعمال خوليو كورتاثار التي تشتبك مع السياسة واللغة بوصفهما فضاءين قابلين لإعادة التشكيل، حيث لا يكون السرد حياديا وإنما جزءا من الصراع على المعنى.

يفتح هذا بابا لأسئلة لا تُطرح صراحة، لكنها تتسلل من بين السطور: هل حين تتأخر الحقيقة تظل قادرة على الإصلاح، أم أنها تتحول إلى قوة هدم؟ هل من حق لوز أن تبحث، إذا كان بحثها سيهدم حياة بُنيت حتى لو كانت مبنية على كذبة؟ وهل يمكن اعتبار ما حدث استثناء تاريخيا، أم أنه يكشف قابلية كامنة في أي نظام قادر على السيطرة على السرد؟

في خلفية هذا كله، يظهر عمل "جدات ساحة مايو" لا كعنصر توثيقي فقط، وإنما كقوة مضادة للنسيان. يربط حضورهن النص بواقع لا يمكن تجاهله، ويذكّر بأن ما يبدو كأدب هو في جوهره استعادة لوقائع حدثت فعلا. لكن حتى هذا الحضور لا يُقدَّم كخلاص، وإنما كاستمرار في البحث، كإصرار على فتح الملفات بدل إغلاقها.

في النهاية، لا تعيد الرواية ترتيب العالم، ولا تمنح يقينا مريحا. ما تفعله هو أكثر إزعاجا: تترك القارئ مع إدراك أن الحقيقة لا تصل دائما في الوقت المناسب، وأن اكتشافها لا يعني استعادة ما فُقد، ولكن أحيانا يعني فهم أن ما عشته لم يكن لك بالكامل.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر
- رواية الطبيب النفسي.. خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس
- اللوسياد.. لويس دي كامويس
- رواية لا روزا بيرديدا.. كريستوفر لاكييز
- رواية أسابيع الحديقة.. خوان غويتيسولو
- رواية زمن الوحوش المفترسة، وتشريح الذاكرة الإنسانية
- أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري
- حرب بلا نصر حاسم: إيران تصمد وواشنطن تخرج مثقلة بالأسئلة
- تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو د ...
- الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جدي ...
- الأنطولوجيا الحدّية في سرد عبد القادر شرابة: دراسة في تمثلات ...
- متاهة المعنى في رواية متاهة العدم العظيم: كتابة العدم وانفلا ...
- رواية أحلام آينشتاين.. آلان لايتمان
- حين تتحول الحرب إلى نبوءة: الدين والسياسة في الخطاب الأميركي ...
- الحياة حيث المقبرة.. بنين آل ماجد
- السرد بوصفه تجربة معرفية في المشروع الروائي لقويدر ميموني
- رواية الجحيم المقدس.. برهان شاوي
- مسرحية جاء مفتش.. جون بوينتون بريستلي
- رواية متاهة الأرواح المنسية.. برهان شاوي
- ملعون أبوكي بلد.. سيد أحمد الحردلو


المزيد.....




- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...
- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...
- محمد رمضان يلتقي الجمهور السعودي في العرض الخاص لفيلم -أسد- ...
- تعيين محمد باقر قاليباف الممثل الخاص لإيران لدى الصين
- هذا الموسيقي السوري الأمريكي يعيد تقديم الموسيقى العربية الك ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رواية في سنّ العشرين، لوز.. إلسا أوسوريو