أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك















المزيد.....

رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 22:14
المحور: الادب والفن
    


عند قراءتي رواية "هناك" Là-bas لجوريس كارل هويسمانز شعرت بأن كل تفصيل فيها فتح أمامي سؤالا جديدا. دفعني كل مشهد للتفكير في طبيعة الإنسان في مواجهة التحولات. تحتل هذه الرواية مكانة خاصة في الأدب الأوروبي الحديث، لأنها تمثل لحظة انتقال حاسمة من الأدب الطبيعي إلى الأدب الرمزي والروحي.

تبدو في ظاهرها عملا عن الشيطانية والطقوس السوداء، وتكشف في عمقها عن أزمة الإنسان الحديث حين يفقد يقينه بالعالم ويصبح ممزقا بين العقل والإيمان، بين المادة والروح، بين الرغبة في السقوط والرغبة في الخلاص.

كان هويسمانز في بداياته قريبا من المدرسة الطبيعية التي قادها إيميل زولا، وهي مدرسة أدبية رأت أن الإنسان يمكن تفسيره من خلال البيئة والوراثة والظروف الاجتماعية. اعتمدت الطبيعية على الملاحظة الدقيقة والتوثيق الواقعي، وحاولت أن تجعل الرواية شبيهة بالدراسة العلمية. عاش هويسمانز هذه التجربة الأدبية كاملة، ثم بدأ يشعر بأن الرؤية المادية للحياة عاجزة عن تفسير القلق الداخلي والأسئلة الوجودية التي تسكن الإنسان. ومن هنا جاءت "هناك" بوصفها رواية التمرد على اليقين المادي.

تدور الرواية حول دورتال، وهو كاتب يقرر البحث في سيرة جيل دو ريه، القائد الفرنسي الشهير الذي ارتبط اسمه بجرائم قتل وطقوس شيطانية في القرن الخامس عشر. ينطلق دورتال من فضول تاريخي، ثم يجد نفسه غارقا تدريجيا في عالم السحر والتنجيم والجماعات الباطنية. تتحول رحلته إلى تجربة فكرية وروحية تكشف له هشاشة التصورات العقلانية التي حكمت العصر الحديث.

لا تظهر الشيطانية في الرواية بوصفها موضوعا مرعبا فقط، ولكن بوصفها علامة على فراغ روحي أصاب المجتمع الأوروبي في نهاية القرن التاسع عشر. فالعالم الحديث الذي انتصر فيه العلم والصناعة والتنظيم الاجتماعي بدأ يفقد قدرته على منح الإنسان معنى روحيا عميقا. أصبحت الحياة أكثر عقلانية وتنظيما، وصار الإنسان يشعر في الوقت نفسه ببرودة العالم وخلوه من الأسرار. ولهذا انجذبت بعض الشخصيات نحو التنجيم والسحر والطقوس الغامضة، لأن الإنسان لا يكتفي بالمعرفة العلمية وحدها، وإنما يحتاج أيضا إلى الإيمان والدهشة والشعور بأن الوجود يحتوي على ما يتجاوز الظاهر.

يعتمد هويسمانز على أسلوب يجمع بين الواقعية الدقيقة والرمزية العميقة. فهو يملأ الرواية بالتفاصيل التاريخية والوثائق والمناقشات الفكرية، ويجعل القارئ يشعر بأنه يشارك فعلا في تحقيق طويل حول السحر والشيطانية في فرنسا الحديثة. ويستخدم في الوقت نفسه شبكة واسعة من الرموز والإشارات التي تمنح النص بعدا فلسفيا وروحيا. فالرواية تقوم على تضاد دائم بين الأعلى والأسفل، بين النور والعتمة، بين الكنيسة والطقوس السوداء، بين الرغبة الجسدية والتوق الروحي.

تمثل شخصية دورتال مركز هذا الصراع. فهو لا يبدو مؤمنا كامل الإيمان، ولا ملحدا مطمئنا إلى العقل. يعيش في منطقة قلق دائم، ويتأرجح بين الانجذاب إلى العالم الغامض والرغبة في العثور على يقين ديني يعيد التوازن إلى حياته. لهذا تبدو الرواية أقرب إلى رحلة داخل النفس منها إلى سرد أحداث تقليدي. فالأحداث الخارجية تتحول إلى انعكاس لصراع داخلي يتعلق بمعنى الخير والشر، وبقدرة الإنسان على الوصول إلى حقيقة مستقرة.

وترتبط الرواية أيضا بسيرة هويسمانز الشخصية. فدورتال يمثل صورة واضحة للمؤلف نفسه، والرواية تعكس تحوله التدريجي من الطبيعية إلى الإيمان الكاثوليكي الذي سيظهر بوضوح أكبر في أعماله اللاحقة. ولهذا تبدو "هناك" نصا أدبيا وفكريا في آن واحد، لأنها توثق أزمة روحية عاشها الكاتب، وتحول التجربة الذاتية إلى سؤال إنساني عام.

تكشف الرواية عن حضور قوي لفكرة الازدواجية داخل الإنسان. فجيل دو ريه يظهر في النص كشخصية تجمع بين الرقي والانحطاط، بين الذوق الفني والعنف الوحشي، بين البحث عن الجمال والانغماس في الدم والجريمة. ويرى دورتال في هذه الشخصية صورة مكبرة للتناقضات التي يحملها الإنسان داخله. فالنفس البشرية لا تتحرك في اتجاه واحد، فهي تحتوي دائما على رغبتين متصارعتين: رغبة في الارتقاء، ورغبة في الانحدار.

ويظهر هذا التوتر أيضا في الأمكنة والرموز. فالكنائس والأبراج والأجراس تشير إلى الارتفاع الروحي والتطهر، بينما ترتبط السراديب والغرف المغلقة والطقوس الليلية بعالم السقوط والانغماس في المادة. ويجعل هويسمانز من هذه الثنائية بنية أساسية للرواية كلها، حتى تبدو الشخصيات وكأنها تتحرك باستمرار بين عالمين متقابلين.

ومن أهم عناصر قوة الرواية أنها لا تقدم أجوبة نهائية. فهي لا تحسم حقيقة ما يحدث في الطقوس الشيطانية، ولا تفرض تفسيرا دينيا مباشرا، ولا تقدم تفسيرا علميا كاملا. يبقى الغموض حاضرا طوال النص، ويبقى القارئ معلقا بين احتمالين: احتمال وجود قوى روحية حقيقية، واحتمال أن تكون كل التجارب مجرد انعكاسات نفسية ورغبات مكبوتة وأوهام جماعية.

يمنح هذا الغموض الرواية عمقها الحقيقي، لأن هويسمانز لا يسعى إلى تقديم عقيدة جاهزة، إنه يحاول تصوير إنسان يعيش داخل أزمة يقين. فالعصر الحديث فتح أمام الإنسان أبواب العلم والمعرفة، وتركه في الوقت نفسه أمام أسئلة روحية لم يجد لها جوابا مقنعا. ولهذا تبدو "هناك" رواية عن القلق الحديث بقدر ما هي رواية عن الشيطانية أو الدين.

وتكشف الرواية أيضا عن التحول الكبير الذي شهده الأدب الأوروبي في تلك المرحلة. فالطبيعية كانت تؤمن بأن العالم يمكن تفسيره بالكامل عبر العقل والعلم، بينما جاءت الرمزية لتقول إن الواقع يحتوي على طبقات خفية لا تُفهم بالملاحظة المباشرة وحدها. ويقف هويسمانز في هذه الرواية بين الاتجاهين: يستخدم أدوات الواقعية الطبيعية، ويملأ نصه في الوقت نفسه بالإشارات الغامضة والرموز الدينية والبحث عن المعنى الباطني.

لهذا بقيت "هناك" عملا استثنائيا في تاريخ الأدب الفرنسي، لأنها لا تقدم مجرد حكاية عن الشر، وإنما تطرح سؤالا أوسع يتعلق بطبيعة الإنسان نفسه. هل يستطيع الإنسان أن يعيش داخل عالم مادي خالص؟ هل يكفي العقل وحده لبناء معنى للحياة؟ هل الشر مجرد انحراف نفسي، أم أنه جزء أصيل من التجربة الإنسانية؟ وهل يمكن الوصول إلى الخلاص في عالم فقد يقينه القديم؟

تجعل الرواية هذه الأسئلة مفتوحة باستمرار، وتمنح القارئ شعورا بأن الإنسان يظل كائنا ممزقا بين حاجته إلى النظام وحاجته إلى الغموض، بين الرغبة في الفهم والرغبة في الإيمان. ومن هنا تأتي القيمة الكبرى لهذا العمل، لأنه يكشف أن أعقد معارك الإنسان لا تحدث في العالم الخارجي، ولكن في أعماقه هو.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين ينمو الشكل ويهتز النظام في الحدائق النحتية
- اعترافات إيطالي.. حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ
- حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ في اعترافات إيطالي
- أوروبا الوسطى وصناعة الأرشيف السردي الحي
- التاريخ ذريعة لتشريح الذات الإنسانية في مُؤتَمَن الشاعر
- رواية عمال البحر.. فيكتور هوجو
- رواية آل مايا.. إيسا دي كيروش
- رواية في سنّ العشرين، لوز.. إلسا أوسوريو
- مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر
- رواية الطبيب النفسي.. خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس
- اللوسياد.. لويس دي كامويس
- رواية لا روزا بيرديدا.. كريستوفر لاكييز
- رواية أسابيع الحديقة.. خوان غويتيسولو
- رواية زمن الوحوش المفترسة، وتشريح الذاكرة الإنسانية
- أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري
- حرب بلا نصر حاسم: إيران تصمد وواشنطن تخرج مثقلة بالأسئلة
- تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو د ...
- الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جدي ...
- الأنطولوجيا الحدّية في سرد عبد القادر شرابة: دراسة في تمثلات ...
- متاهة المعنى في رواية متاهة العدم العظيم: كتابة العدم وانفلا ...


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...
- مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا ...
- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-
- ندوة للجزيرة بمعرض الدوحة للكتاب: الذكاء الاصطناعي خطر على ا ...
- -مواطن اقتصادي- مسرحية مغربية تفضح استغلال الناخبين
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص ( قصائد منتهية الصلاحية)الشاعرعصام ه ...
- النكبة: ماذا حدث في 1948؟ ولماذا يحمل الفلسطينيون -مفتاح الع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك