أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - كتابة الذات خارج يقينها















المزيد.....

كتابة الذات خارج يقينها


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8711 - 2026 / 5 / 20 - 00:47
المحور: الادب والفن
    


أجد نفسي كلما اقتربت من فعل الكتابة أعود إلى السؤال نفسه، وكأنه لا يريد أن يتركني وشأني: ماذا أفعل حين أكتب؟ هل أستخرج ما في داخلي كما هو، أم أنني أبدأ، دون أن أشعر، في إعادة تشكيله؟ أشعر أحيانا بأنني لا أكتب العالم، وإنما أجرّه إلى اللغة كي أراه بشكل مختلف، أكثر قابلية للفهم، أو ربما أكثر قابلية للتحمل.

وفي كل مرة أشرع فيها في الكتابة، يراودني الإحساس بأن شيئا ما يتغير في صلابة الواقع نفسه. كأن الأشياء تفقد حدتها، وتبدأ في الانزلاق نحو مساحة رمادية لا تكون فيها الوقائع وقائع خالصة، ولا تكون فيها التخيلات مجرد أوهام. هناك منطقة بين الاثنين، منطقة لا أعرف إن كانت تنتمي إليّ أم للغة، لكنها دائما هي المكان الذي يبدأ منه التفكير الحقيقي.

لست متأكدا إن كنت أكتب لأفهم نفسي، أم لأكتشف أن "نفسي" ليست ذلك الكيان الثابت الذي أظنه. ربما أكتب لأنني لا أستطيع أن أعيش دون أن أحوّل ما أعيشه -في شكله الواسع- إلى شيء يُروى، وكأن الحياة لا تكتمل إلا عندما تمر عبر السرد. لكن هذا المرور لا يبدو بريئا أبدا؛ فهو يغير ما يلمسه، يعيد ترتيبه، ويمنحه معنى لم يكن ظاهرا من قبل.

ومن هنا يبدأ هذا السؤال الذي لا يتوقف عن ملاحقتي: أين أقف أنا داخل هذا كله: هل أنا الكاتب، أم المادة الخام للكتابة، أم النتيجة التي تتشكل بينهما دون أن أملك السيطرة عليها؟

هناك لحظة خفية في كل فعل كتابة، لحظة لا يراها القارئ ولا يعترف بها الكاتب بسهولة: لحظة يتوقف فيها الواقع عن كونه واقعا صلبا، ويبدأ في التسيّل داخل اللغة. في تلك اللحظة تحديدا، لا تعود الكتابة مجرد نقل لما حدث؛ تتحول إلى إعادة خلق لما كان يمكن أن يحدث، أو لما لم يحدث أبدا لكنه يصر على الوجود بطريقة ما داخل الوعي.

يتحول السؤال الذي يبدو بسيطا في ظاهره -هل تكتب الرواية الذات أم تتجاوزها؟- بسرعة إلى متاهة لا مركز لها. لأننا كلما حاولنا الإمساك بالذات، اكتشفنا أنها تتراجع خطوة إلى الخلف، أو تتشظى إلى نسخ متعددة لا يمكن جمعها في تعريف واحد. أي ذات هذه التي يُفترض أن تُكتب؟ أهي الذات التي تعيش، أم التي تتذكر، أم التي تتخيل، أم تلك التي لم تحدث بعد لكنها تلوّح من احتمال بعيد؟

ليست الكتابة في جوهرها توثيقا للحياة، إنها مفاوضة معها. لا يقف الكاتب أمام حياته ليصفها كما يصف شاهد عيان حادثا وقع في الشارع، وإنما يقف أمامها كما يقف إنسان أمام مرآة -لا تعكسه مباشرة- تعكسه بعد أن تعيد ترتيبه، تشويهه، أو حتى تحسينه بشكل خفي. وهنا يظهر سؤال أكثر قسوة: هل نكتب حياتنا أم نعيد تأويلها؟

ربما تكون الكتابة شكلا من أشكال إعادة توزيع المعنى على الفوضى. فالحياة في لحظتها الخام ليست قصة، إنها تدفق غير منظم من الأحداث والانفعالات والتفاصيل الصغيرة التي لا تبدو أنها تقول شيئا. لكن حين تبدأ الكتابة، يبدأ العقل في ممارسة نوع من "العنف الجميل": اختيار، حذف، ترتيب، تأويل. وهكذا تتحول الحياة إلى نص، نص ليس نسخة من الحياة، وإنما بديل عنها، أو ربما نسخة ثانية مشروطة بالوعي.

لكن ما الذي يحدث للذات داخل هذا التحول؟ هل تظل كما هي، أم تعاد صناعتها في كل مرة تُروى فيها؟ أليست الذات نفسها كائنا سرديا، يعيش على إعادة الحكي الداخلي المستمر؟ لسنا أنفسنا فقط، إننا نحكي لأنفسنا باستمرار من نحن، وكأن الهوية ليست شيئا نملكه ولكن قصة نعيد روايتها كي لا نتفكك.

وهنا يظهر التوتر العميق بين الرواية و"السيرة". تفترض السيرة أن هناك خطا مستقيما يمكن تتبعه: بداية، تطور، أحداث، نتائج. وتفترض أيضا أن الحياة مفهومة بما يكفي لكي تُروى كخط واضح. أما الرواية، فهي تشكك في هذا الخط من الأساس. تقول ضمنيا: ماذا لو لم تكن الحياة خطا أصلا؟ ماذا لو كانت مجرد دوائر، انقطاعات، تكرارات، واحتمالات لم تكتمل؟

حين يكتب الكاتب رواية، فهو لا يكشف ذاته بقدر ما يختبرها. يضعها داخل مواقف لم يعشها بالضرورة، لكن كان يمكن أن يعيشها. هنا تتوسع الذات لتصبح مجالا من الإمكانات، لا نقطة ثابتة. يصبح الكاتب مجموعة من "النسخ الممكنة" لنفسه، وكل شخصية روائية ليست سوى نافذة على احتمال مهمل من حياته.

لكن هل يمكن الوثوق بهذا التوسع؟ أليس فيه نوع من الخداع؟ هل يمكن أن تكون الرواية اعترافا مقنّعا، أم أنها دائما اختراع يتخفى في هيئة اعتراف؟ ربما لا يهم الفرق كثيرا، لأن الحقيقة نفسها ليست نقية كما نحب أن نعتقد.

حين تدخل اللغة، تفقد الحقيقة براءتها. تتحول إلى شيء معاد تشكيله، منتقى، ومشحون برؤية من يرويها.

ما يجعل الكتابة أكثر غموضا هو أنها لا تكشف فقط، وإنما تُنتج. لا تقول ما هو موجود فحسب، إنها تضيف إلى الوجود ما لم يكن موجودا من قبل. كل جملة مكتوبة هي احتمال جديد للعالم، وكل سرد هو إعادة توزيع للواقع. وهكذا تصبح الكتابة قوة خلق خفيّة، لا تقل تأثيرا عن الفعل نفسه، وقد تتجاوزه في بعض الأحيان، لأنها تمنح الفعل معنى لم يكن يملكه وهو يحدث.

لكن إذا كانت الكتابة تخلق الذات بقدر ما تعكسها، فأين تكمن "الحقيقة" إذن؟ هل هناك حقيقة خارج النص، أم أن النصوص هي الطريقة الوحيدة التي تتجلى بها الحقيقة؟ وإذا كانت الحقيقة تحتاج إلى سرد كي تُفهم، فهل تبقى حقيقة أم تتحول إلى تفسير؟

ثم هناك سؤال أكثر إزعاجا: لماذا نكتب أصلا؟ هل نكتب لكي نفهم أنفسنا، أم لكي نهرب منها؟ أم أن الكتابة ليست لا هذا ولا ذاك، ولكنها محاولة مستمرة لتأجيل المواجهة النهائية مع سؤال لا جواب له: من أنا خارج اللغة؟

قد يكون الكاتب، في نهاية الأمر، ليس من يكتب عن ذاته، وإنما من يفقد ذاته تدريجيا داخل الكتابة، ثم يعثر عليها بشكل مختلف في كل نص جديد. وكأن كل عمل أدبي هو مرآة لا تعكس صورة ثابتة، وإنما تعكس تحولات مستمرة لكيان لا يهدأ.

في هذا السياق، تصبح الرواية مساحة للارتباك الجميل. ليست مكانا لتأكيد الهوية، ولكن لتفكيكها. ليست بحثا عن جواب، وإنما توسيعا للأسئلة. وكل شخصية روائية هي في النهاية سؤال يأخذ شكل إنسان، أو إنسان يتخفى في شكل سؤال.

ولكن هل يمكن أن نعيش دون هذا السرد الداخلي؟ هل يمكن للإنسان أن يوجد دون أن يحكي نفسه لنفسه؟ ربما لا. ربما نحن لسنا سوى كائنات تحاول أن تمنح فوضى وجودها شكلا يمكن احتماله عبر الحكاية.

ومع ذلك، تبقى المفارقة قائمة: كلما حاولنا تثبيت الذات في قصة، بدأت تتسرب من بين أيدينا. وكأن الهوية لا تقبل أن تُختزل، وإنما تحتاج دائما إلى الانفلات كي تبقى حية.

ربما لهذا السبب تحديدا لا تنتهي الكتابة. لأنها لا تبحث عن نهاية أصلا، ولكن عن شكل جديد للسؤال. وكل نص هو محاولة لإعادة طرح السؤال القديم بطريقة مختلفة: هل أنا من أكتب، أم أن ما يُكتب هو الذي يعيد كتابتي؟

وفي هذا التبادل الغامض بين الكاتب والنص، بين الذات واحتمالاتها، بين الحقيقة وتحولاتها، لا يبقى شيء ثابت سوى الحركة نفسها: حركة المعنى وهو يتشكل ثم يتفكك ثم يعاد تشكيله بلا نهاية.

وهكذا، ربما لا تكون الرواية مرآة للذات، وإنما مختبرا لعدم استقرارها. وربما لا تكون الكتابة وسيلة لفهم الحياة، ولكن طريقة لجعل غموضها أكثر قابلية للعيش.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك
- حين ينمو الشكل ويهتز النظام في الحدائق النحتية
- اعترافات إيطالي.. حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ
- حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ في اعترافات إيطالي
- أوروبا الوسطى وصناعة الأرشيف السردي الحي
- التاريخ ذريعة لتشريح الذات الإنسانية في مُؤتَمَن الشاعر
- رواية عمال البحر.. فيكتور هوجو
- رواية آل مايا.. إيسا دي كيروش
- رواية في سنّ العشرين، لوز.. إلسا أوسوريو
- مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر
- رواية الطبيب النفسي.. خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس
- اللوسياد.. لويس دي كامويس
- رواية لا روزا بيرديدا.. كريستوفر لاكييز
- رواية أسابيع الحديقة.. خوان غويتيسولو
- رواية زمن الوحوش المفترسة، وتشريح الذاكرة الإنسانية
- أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري
- حرب بلا نصر حاسم: إيران تصمد وواشنطن تخرج مثقلة بالأسئلة
- تفكيك الذات بين الجسد والعدم: قراءة في النباتية وإل كامينو د ...
- الديمقراطية في زمن الارتداد: هل يدخل العالم مرحلة سلطوية جدي ...
- الأنطولوجيا الحدّية في سرد عبد القادر شرابة: دراسة في تمثلات ...


المزيد.....




- الفنان فارس الحلو: -عودتي للكوميديا صعبة ودموع أمهات سوريا ل ...
- مهرجان كان السينمائي-بيدرو ألمودوفار يعود إلى الكروازيت مع ف ...
- -الأمل-.. خيال علمي كوري سريالي يُبهر مهرجان كان السينمائي
- مواجهة شرسة بين -كانال بلوس- ومعارضي نفوذ الملياردير بولوريه ...
- في عالم بوليوود الشهير.. السينما تنصف فئات اجتماعية وثقافات ...
- -المحطة- أوّل فيلم يمني يعرض في مهرجان كان السينمائي
- فريق من ذوي الأطراف المبتورة يبحر بقارب من غزة إلى مهرجان كا ...
- رُكام الأسى في قصيدة -الحزن وباء عالمي- لإدريس سالم
- مدير عام الصندوق العربي للمعونة الفنية للدول الإفريقية: حريص ...
- عن الخوف وشرطة الفكر


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - كتابة الذات خارج يقينها