أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - كنيسة سانت جيمس.. من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير














المزيد.....

كنيسة سانت جيمس.. من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 14:02
المحور: الادب والفن
    


كنيسة سانت جيمس:

في المساءِ،
تدخلُ لندنُ ضبابَها
كأرملةٍ تعرفُ طريقَ الحداد.

وتبقى سانت جيمس داخلها
كصوتٍ خافتٍ في آخرِ الروح،
كدفءِ يدٍ مجهولةٍ على كتفِ غريب،
كفكرة أخيرة تقاومُ العتمة.

المدينةُ حولها تركضُ بلا قلب:
حافلات،
وجوهٌ لا يرفعُ أحدٌ عينيه نحوها،
وأياد باردة لا تعرف العزاء.
أمّا هي
فتقفُ بهدوءِ من عرفَ البشرَ جيدا
ولم يفقدْ حنانَه.

في خشبِ مقاعدها
دفءُ الأكفِّ التي تشبّثتْ بصلاةٍ أخيرة،
أثرُ أرواحٍ مرّتْ من هنا مثقلةً بالحياة،
وتركتْ وحدتَها معلّقةً في الضوء.

نوافذُها العالية لا تُطلُّ على المدينة،
تُطلُّ على الذين اختفوا داخلَها:
النساء اللواتي ابتلعنَ بكاءهنَّ كي يواصلَ العالمُ سيرَه،
البحّارة الذين عادوا من المرافئ بروائحِ الملحِ والندم،
وعشّاق ساروا بمحاذاةِ التايمز
كي يؤجّلوا لحظةَ الاعترافِ بأنَّ الحبَّ لا ينقذُ أحدًا.

كمْ من غريبٍ وقفَ عندَ بابها
وشعرَ، لثانيةٍ خاطفة،
أنَّ العالمَ يمكنُ احتمالُه.

كمْ من روحٍ متعبة
أسندتْ رأسَها إلى صلاةٍ قصيرة،
ثم خرجتْ إلى لندنَ من جديد:
إلى الباعةِ المتجولين،
إلى الأرصفةِ اللامعةِ بالمطر،
إلى وجوهِ الغرباءِ
التي تحملُ ذلكَ التعبَ النبيل
الذي لا تمنحهُ إلا المدنُ الكبيرة.

التايمزُ هناكَ لا يجري،
يبدو كذاكرةٍ طويلة
تحملُ لندنَ فوقَ ظهرِها كجثمانٍ دافئ.
يحملُ أصواتَ المقاهي القديمة،
السخامَ العالقَ على جدرانِ القرنِ التاسعَ عشر،
ضحكاتِ السكارى،
خُطى المهاجرينَ الذين حملوا أوطانَهم كجرحٍ كبير،
وأحلامًا كبيرة
ذابتْ في الضباب
دونَ أن يلاحظَها أحد.

السماءُ الرماديةُ لا تخلو من الحنان،
والدخانُ المتصاعدُ فوقَ الأسطح يشبهُ أنفاسَ عملاقٍ يسهرُ على الجميع.

وأنا أمشي قربَ التايمز،
أرى لندنَ ككائنٍ هائلٍ يتنفّسُ بصعوبة،
كلّ شارعٍ فيها تجعيدة،
وكلَّ نافذةٍ حارس لم ينم منذُ مئةِ عام.

أما سانت جيمس،
فتظلّ ترنيمةً قديمة في قلب الضباب،
يمرّ بها الضوءُ قليلًا، ثم يختفي،
كأن المدينةَ تتذكّر قلبها للحظة،
ثم تواصلُ النسيان.


لندن، 3 يناير 2024
من ديوان "في الغياب نتذكر شكلنا الأخير".



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تعيدنا رواية أنا أنايس بيرغ إلى فجواتنا المنسية؟
- قصائد من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- حين يلتهم الحديد اللحم البشري في الأيام العظيمة
- عندما تهاجمنا الطفولة المفقودة في اقتلوهم جميعا
- كتابة الذات خارج يقينها
- رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك
- حين ينمو الشكل ويهتز النظام في الحدائق النحتية
- اعترافات إيطالي.. حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ
- حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ في اعترافات إيطالي
- أوروبا الوسطى وصناعة الأرشيف السردي الحي
- التاريخ ذريعة لتشريح الذات الإنسانية في مُؤتَمَن الشاعر
- رواية عمال البحر.. فيكتور هوجو
- رواية آل مايا.. إيسا دي كيروش
- رواية في سنّ العشرين، لوز.. إلسا أوسوريو
- مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر
- رواية الطبيب النفسي.. خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس
- اللوسياد.. لويس دي كامويس
- رواية لا روزا بيرديدا.. كريستوفر لاكييز
- رواية أسابيع الحديقة.. خوان غويتيسولو
- رواية زمن الوحوش المفترسة، وتشريح الذاكرة الإنسانية


المزيد.....




- -الناجون من الظلام-.. شهادة حية من جحيم السجون الإسرائيلية
- ملامح إسلامية في الأدب الروسي.. حضور يمتد من بوشكين إلى الرو ...
- الجمعية العلمية للفنون تناقش السينما باعتبارها قوة ناعمة
- رحيل -سيدة الحمام-.. بريندا فريكر أول أيرلندية فتحت أبواب ال ...
- قائد الثورة: أشكر مراجع التقليد الأجلاء والعلماء والمفكرين و ...
- المغرب: نحو 30 شريطا سينمائيا في السباق ضمن النسخة السابعة م ...
- اصدار مجموعة متاهة الآلات النائمة عن دار العائدون للنشر وال ...
- ملاحقات قضائية تطال فناني الراب في المغرب: -مهدي بلا كويند- ...
- ما الذي يجعل مشهد -حصان طروادة- في فيلم -الأوديسة- مذهلاً لل ...
- -الجريمة 101-.. حين تعود هوليوود إلى أفلام الجريمة الهادئة


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - كنيسة سانت جيمس.. من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير