أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - كيف تعيدنا رواية أنا أنايس بيرغ إلى فجواتنا المنسية؟















المزيد.....

كيف تعيدنا رواية أنا أنايس بيرغ إلى فجواتنا المنسية؟


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 22:13
المحور: الادب والفن
    


لم أكن أظن أن رواية تبدأ من داخل قبر يمكن أن تترك فيّ هذا القدر من الارتباك. وأنا أقرأ "أنا، أنايس بيرغ" Moi, Anaïs Berg للكاتبة ديان ماك إيفوي، وجدتني مجبرا منذ السطر الأول على مغادرة منطقة الراحة النقدية والدخول في مساحة لا تمنحني ترف التمهيد. يشتغل النص منذ بدايته على توتر سردي يجعل القارئ في حالة انتظار دائم لمعنى يتشكل دون أن يُقدَّم مباشرة، وكأن البناء كله يقوم على تأجيل التفسير لا على كشفه، مع تحويل هذا التأجيل إلى طريقة أساسية في توزيع المعلومات وبناء الإدراك داخل الرواية. ومن هنا بدأت أتعامل مع هذا النص بوصفه أكثر من حكاية تشويق، تجربة تمس فكرة الهوية نفسها وتختبر هشاشتها، وهو ما يتجلى منذ افتتاح الرواية نفسه.

في هذا الافتتاح، لا تُقدَّم البداية بوصفها تمهيدا تدريجيا، تُرمى الشخصية مباشرة في حالة إدراك مشوشة داخل فضاء مغلق تحت الأرض في حديقة منزلها. امرأة في وضع جسدي شديد الانحصار داخل التربة، حيث تختلط الإحساسات الجسدية بالضغط والعتمة والرطوبة دون قدرة على تمييز اتجاه واضح للحركة. تتحرك الشخصية ببطء نحو السطح، ثم تجد نفسها أمام العالم الخارجي في حالة انفصال مؤقت عنه، قبل أن تبحث عن مكان عابر يعيد تنظيم وجودها بشكل مؤقت. ما يثير الانتباه أن هذا الانبعاث لا يتبعه انكشاف أو اعتراف، وإنما قرار واع بإعادة إغلاق القبر نفسه، وكأن الحياة الجديدة لا يمكن أن تُبنى إلا على استمرار إخفاء الأولى. هنا يظهر سؤال يفرض نفسه منذ البداية: ما الذي يعنيه أن ينجو الإنسان من الموت مع الإصرار على عدم الاعتراف بأنه نجا أصلا؟

بعد هذه البداية المربكة ينتقل السرد إلى بناء مزدوج للأصوات، حيث تتقاطع حكايتان تبدوان في الظاهر منفصلتين، غير أن التوتر الخفي بينهما يوحي بأن كل تفصيل صغير يحمل وظيفة أبعد من ظاهره. يتقدم الخطان في مسارين مختلفين، مع إحساس متزايد بأن كل واحد منهما يُكمّل نقص الآخر دون إعلان مباشر عن ذلك.

تظهر أنايس بيرغ هنا بوصفها أستاذة أدب في جامعة ليفربول، شخصية تبدو مكتملة من الخارج: حضور هادئ، كفاءة أكاديمية، علاقة مستقرة مع شريك يبدو مثاليا في تفاصيله اليومية البسيطة. غير أن هذا البناء المتماسك يوحي منذ اللحظة الأولى بأنه قائم على طبقات غير مرئية. تتشكل حياتها داخل نظام يومي دقيق، حيث يبدو كل شيء مضبوطا على نحو يثير سؤالا خفيا حول ما يتم استبعاده حتى يظل هذا التوازن قائما. ما الذي يجعل إنسانا يعيش خمسة عشر عاما من السعادة الظاهرة دون أن يتساءل عن طبيعة هذا الاستقرار؟ هل يمكن للسعادة أن تكون شكلا من أشكال الإقامة داخل وهم متقن الصنع؟ أم أن الاستقرار نفسه يتحول مع الزمن إلى آلية دفاع ضد أي احتمال لا يمكن التحكم به؟

في مقابل هذا الهدوء المشحون يظهر خط سردي آخر يقوده مراهق في الخامسة عشرة من عمره، يكتشف أنه متبنّى وأن بداياته البيولوجية محاطة بالغموض. لا يتحول هذا الاكتشاف إلى مجرد فضول عابر، وإنما إلى حاجة وجودية لفهم أصل غائب يفرض حضوره من خلال الفراغ. لا تبدو رحلة البحث عن الأم البيولوجية مجرد تحقيق في الماضي، وإنما محاولة لإعادة تعريف الذات عبر تتبع أثر مفقود. هنا يتولد سؤال آخر: هل يُبنى الإنسان على ما يعرفه عن نفسه، أم على ما يُحرم من معرفته؟ وهل يصبح الغياب أكثر تأثيرا من الحضور في تشكيل الهوية؟

في خط سردي مواز، يظهر مراهق يواجه اكتشافا يغير فهمه لنشأته، فينطلق في مسار بحثي يحاول من خلاله إعادة بناء صورة مفقودة عن جذوره، مع كل خطوة تقوده إلى أسئلة أعمق حول معنى الانتماء.

لا يقوم التباين بين الشخصيتين على اختلاف العمر أو التجربة فقط، وإنما على اختلاف طريقة مواجهة العالم. يقترب المراهق من الحقيقة بفضول مباشر، يتعامل مع الأسئلة كأنها مفاتيح يجب استخدامها دون تأخير. في المقابل، تتحرك شخصية أنايس داخل مساحة من الحذر المستمر، كأن كل فعل صغير يخضع لرقابة داخلية صارمة. لا يهدف هذا الاختلاف إلى خلق توازن بسيط بين خفة وثقل، ولكن إلى طرح توتر أعمق يتعلق بطريقة إدراك الحقيقة نفسها: هل الحقيقة تُطلب أم تُحتمل؟ وهل الاقتراب منها فعل شجاعة أم تهور؟

مع تقدم السرد تتكاثر الرسائل المجهولة، وتبدأ مسارات التهديد غير المباشر في الظهور، ما يضع الشخصية الأولى في حالة من الترقب المستمر. تبدأ إشارات غير موقعة بالوصول في فترات متباعدة، تحمل طابعا يربك الاستقرار الداخلي للشخصية، وتدفع نحو إعادة النظر في طبقات الماضي التي كان يُعتقد أنها مغلقة. ما الذي يحدث عندما يتحول الماضي إلى قوة نشطة تقتحم الحاضر دون إذن؟ وهل يمكن للإنسان أن يستمر في التحكم في صورته عندما يبدأ الآخرون في إعادة كتابة هذه الصورة من الخارج؟

في موازاة ذلك، يتحرك خط المراهق داخل فضاء بحثي يزداد تعقيدا كلما اقترب من الإجابة. كل معلومة جديدة لا تقوده إلى يقين، ولكن إلى طبقة أعمق من الغموض. يطرح هذا النمط من التقدم تساؤلا حول طبيعة المعرفة نفسها: هل المعرفة تكشف الحقيقة أم أنها تعيد إنتاج الأسئلة بشكل أكثر دقة؟

يقوم العمل على لعبة توازي دقيقة بين هذين المسارين، غير أن هذه اللعبة لا تهدف إلى التشويق وحده، ولكن إلى تفكيك فكرة الهوية باعتبارها بناء ثابتا. كل شخصية هنا تبدو وكأنها تحمل داخلها سؤالا غير مكتمل: من نكون عندما لا تكون قصتنا كاملة؟ وما الذي يبقى من الإنسان عندما يُسحب منه جزء من ذاكرته أو يعاد تشكيلها دون علمه؟

الجامعة، المدينة، العائلة، العلاقات اليومية، كلها تتحول إلى فضاءات قابلة لإعادة القراءة. تتحول مدينة ليفربول إلى فضاء يحمل طبقات ثقافية وتاريخية متداخلة، تتفاعل مع الأحداث وتمنحها خلفية مشحونة بالإيحاءات المرتبطة بالمكان والذاكرة الشعبية. غير أن هذا كله يبقى محكوما بتوتر داخلي لا يهدأ.

لا يقدم النص إجابات جاهزة؛ يترك القارئ أمام سلسلة من الدوائر المفتوحة. ماذا يعني أن تُبنى حياة كاملة على سر غير معلن؟ وهل يمكن لهذا البناء أن يكون أقل صدقا من حياة أخرى قائمة على الشفافية؟ أم أن الصدق نفسه مفهوم يتغير حسب زاوية النظر؟ ومتى يتحول البحث عن الأصل إلى محاولة لإنقاذ الذات، ومتى يصبح تهديدا لها؟

تبدو الرواية في مجملها محاولة للاقتراب من هذه الأسئلة دون ادعاء امتلاك حلول لها. إنها مساحة تتجاور فيها الهشاشة مع الإصرار، ويقف فيها الإنسان أمام مرآة لا تعكس ملامحه فقط، وإنما تعكس أيضا الفجوات التي لم يلتفت إليها من قبل.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصائد من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- حين يلتهم الحديد اللحم البشري في الأيام العظيمة
- عندما تهاجمنا الطفولة المفقودة في اقتلوهم جميعا
- كتابة الذات خارج يقينها
- رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك
- حين ينمو الشكل ويهتز النظام في الحدائق النحتية
- اعترافات إيطالي.. حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ
- حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ في اعترافات إيطالي
- أوروبا الوسطى وصناعة الأرشيف السردي الحي
- التاريخ ذريعة لتشريح الذات الإنسانية في مُؤتَمَن الشاعر
- رواية عمال البحر.. فيكتور هوجو
- رواية آل مايا.. إيسا دي كيروش
- رواية في سنّ العشرين، لوز.. إلسا أوسوريو
- مسرحية فالنشتاين.. فريدريش شيلر
- رواية الطبيب النفسي.. خواكيم ماريا ماشادو دي أسيس
- اللوسياد.. لويس دي كامويس
- رواية لا روزا بيرديدا.. كريستوفر لاكييز
- رواية أسابيع الحديقة.. خوان غويتيسولو
- رواية زمن الوحوش المفترسة، وتشريح الذاكرة الإنسانية
- أن تمشي خلف ظلك: قراءة في رحلة حافلية للطيب طهوري


المزيد.....




- استذكار الشاعر الكبير مظفر النواب في جمعية المهندسين
- ترقب في دمشق لإعلان تشكيلة البرلمان الجديد: حصة رئاسية لتعوي ...
- محمود سعيد.. رائد الحداثة التشكيلية الذي صهر الضوء الأوروبي ...
- -تيلا برازيل-.. منصة مجانية لبث إنتاج السينما والتلفزيون بال ...
- بمعرض وعروض سينمائية ومزاد علني... هوليوود تحتفل بمرور مائة ...
- أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي ...
- إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف ...
- منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب ...
- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - كيف تعيدنا رواية أنا أنايس بيرغ إلى فجواتنا المنسية؟