أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - بين بحرٍ وزيتون.. من ديوان: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير














المزيد.....

بين بحرٍ وزيتون.. من ديوان: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 21:37
المحور: الادب والفن
    


أبصرتُ النور في وهران،
عندَ الحافةِ التي يتصافحُ فيها الملحُ مع الريح،
في مدينةٍ تُطلُّ على البحرِ كما تُطلُّ أمٌّ على طفلِها النائمِ؛
تُصلحُ لهُ غطاءَهُ من الضوءِ
وتتركُ النافذةَ نصفَ مفتوحةٍ
كي تدخلَ إليهِ زُرقةٌ تكفي لحلمٍ كامل.

أبصرتُ النور في صباحٍ كانت الأمواجُ تُعيدُ ترتيبَ الشاطئِ،
وكانت النوارسُ تكتبُ فوقَ الماءِ رسائلَ لا يقرؤها أحد،
إلا الذينَ جاءوا إلى الدنيا محمّلينَ بأسئلةِ الجهاتِ البعيدة.

لم أكنْ أعرفُ يومئذٍ
أنَّ للروحِ وطناً آخرَ ينامُ في دمي،
وأنَّ المسافةَ بينَ المهدِ والنسبِ
أقصرُ من رفّةِ قلب.

فأنا ابنُ وهران،
لكنَّ جذوري كانتْ تشربُ من أرضٍ أخرى،
أرضٍ إذا ذُكرتْ
ارتفعَ في الكلامِ شيءٌ يشبهُ الأذانَ حينَ يلتقي البكاءَ.

فلسطينُ لم تكنْ بلداً بعيداً في الحكايةِ؛
كانتْ الغصنَ الخفيَّ في شجرةِ العائلة،
وكانتِ الظلَّ الذي يسيرُ إلى جانبِ الأسماءِ،
والملحَ الذي يحفظُ الذاكرةَ من فسادِ النسيان.

كبرتُ بينَ بحرٍ يفتحُ ذراعيهِ للغرباءِ
وحكاياتٍ تعودُ كلَّ مساءٍ من الشرق.
كانَ البحرُ يقولُ لي: امضِ.
وكانَ الدمُ يقولُ لي: عُدْ.
فنشأتُ بينَ دعوتينِ جميلتين،
كأنني سهمٌ من نورٍ
يشدُّهُ قوسان.

وكان كلُّ شيءٍ فيَّ موزّعاً بينهما؛
خطوتي تتبعُ الأفق،
وظلّي يتبعُ الحكاية.

أسمعُ المآذنَ ترتفعُ من بينِ الزيتون،
وأسمعُ الموجَ يتهجّى اسمي على الصخور.
فأدركُ أنني لستُ ابنَ مكانين،
إنما ابنُ شوقين.

كبرتُ أتعلمُ من الموجِ كيفَ يُخفي انكسارَهُ في لمعانِه، ومن الزيتونِ كيفَ يرفعُ ثمارَهُ على أغصانٍ تعرفُ معنى الصبرِ منذُ أوّلِ المطر.
كنتُ إذا ناداني البحرُ سمعتُ في آخرِ النداءِ صوتَ حجرٍ يتدحرجُ في أزقّةِ القدس، وإذا صافحتُ جذعَ زيتونةٍ ارتجفتْ في كفّي رائحةُ المرافئِ التي تركتْ مراسيَها معلّقةً في القلب.
لم يكنِ الإرثُ صندوقاً من صورٍ قديمة، كانَ نافذةً كلّما فتحتُها دخلَ جَدٌّ يحملُ مفتاحاً ويخرجُ طفلٌ يحملُ سماءً.
وحينَ سألتُ اسمي وجدتُهُ يمشي على طريقينِ دونَ أن يتعب: يبلّلُ قدميهِ في المتوسّط، ويغسلُ جبينَهُ بندى التلال.
ما ضعتُ بينَ جهتين، فالنجمُ لا يحتارُ إذا عرفَ أنَّ الليلَ سقفٌ واحد، والقلبُ لا يشيخُ إذا ظلَّ يعرفُ بابَهُ ولو تغيّرتِ البيوت.
كلُّ ما في الأمرِ أنَّ اللهَ وزّعَ ملامحي كما يوزّعُ الفجرُ ضوءَهُ على نافذتينِ متقابلتينِ، فتعلّمتُ أنَّ اليدَ الواحدةَ تستطيعُ أن تُربّتَ على موجةٍ وتغرسَ زيتونةً في اللحظةِ نفسها.
أحملُ وهرانَ كما تَحملُ الصَّدَفَةُ همسَ البحر، وأحملُ فلسطينَ كما تحملُ البذرةُ غابتَها القادمة.
فإذا سألني أحدٌ: من أينَ أنت؟
أشيرُ إلى قلبي.


من ديوان "في الغياب نتعلم شكلنا الأخير"



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تقريظ الروائي الكبير برهان شاوي لروايتي ذاكرة شمبانيا
- حين تتحول الحياة إلى اختبار للمعنى: قراءة في رواية متتالية ح ...
- من ديوان في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- رواية ذاكرة شمبانيا: إشكالية كتابة التاريخ بين السلطة والسرد
- غزّةُ المعنى، وحكايةٌ عن فلسطين.. ديوان: في الغياب نتعلم شكل ...
- الصامتون، تشريح أدبي لعنف الورق وجناية الأحكام المسبقة
- حين يتحوّل الحُبّ إلى فخّ في رواية في الأدغال
- كنيسة سانت جيمس.. من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- كيف تعيدنا رواية أنا أنايس بيرغ إلى فجواتنا المنسية؟
- قصائد من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- حين يلتهم الحديد اللحم البشري في الأيام العظيمة
- عندما تهاجمنا الطفولة المفقودة في اقتلوهم جميعا
- كتابة الذات خارج يقينها
- رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك
- حين ينمو الشكل ويهتز النظام في الحدائق النحتية
- اعترافات إيطالي.. حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ
- حين يتآكل الإنسان داخل التاريخ في اعترافات إيطالي
- أوروبا الوسطى وصناعة الأرشيف السردي الحي
- التاريخ ذريعة لتشريح الذات الإنسانية في مُؤتَمَن الشاعر
- رواية عمال البحر.. فيكتور هوجو


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - بين بحرٍ وزيتون.. من ديوان: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير