أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - ملامح الصبي الذي لم يتعلّم الوداع














المزيد.....

ملامح الصبي الذي لم يتعلّم الوداع


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 09:03
المحور: الادب والفن
    


هناك صبيٌّ يسكن في الجهة التي لا يصل إليها الزمن. كلما أعدتُ ترتيب أعوامي، خرج من بين الأوراق الترابية، ينفض عن كتفيه غبار الحقول، ويضحك كأن العالم ما زال في يومه الأول.

كان يعرف أسماء الرياح، ويُسلِّم على الأشجار كما يُسلِّم على جيرانه، ويُصغي إلى صمت البيوت المهجورة كأن وراء الجدران قلوبًا نائمة. صنع من الطين بيتًا صغيرًا لحلمٍ صغير، ثم هدمه بيديه، لأنه كان يعرف، دون أن يعرف، أن أجمل الأشياء لا تُبنى كي تبقى.

مرت عليه أصوات كثيرة، أصوات الحب الأول، والخجل الأول، والانكسارات التي جاءت متخفية في هيئة فراشات. كبر صوته، فحسب أن الرجولة وصلت، ولم يدرك أن طفولته كانت تُغلق نافذتها الأخيرة بهدوء.

أين ذهبت تلك الكائنات التي كنتُها؟ أين ذلك الذي كان يركض أسرع من ظله، ويؤمن أن الطريق لا ينتهي ما دام القلب يتسع لخطوة أخرى؟

السنوات لم تكن عاصفة. جاءت كيدٍ حانية تمشط شعري، ثم أخذت شعرةً وراء شعرة، وذكرى وراء ذكرى، حتى تركتني أمام المرآة أبحث عن شخصٍ أعرفه ولا أستطيع استعادته.

يا لهذا العمر؛ يمضي فينا كالماء في جذع شجرة، لا نسمع حركته، ولا نرى رحيله، ثم نكتشف ذات مساء أن أغصانًا كثيرة جفّت داخلنا، وأن حدائق كاملة غادرت دون ضجيج.

أنا لا أحنُّ إلى الأيام الماضية، أحنُّ إلى ذلك الذي كان ينظر إليها بعينين لم تلمسهما الخسارة. أحنُّ إلى دهشته أمام حجرٍ، أمام طائرٍ، وأمام قلبٍ يخفق للمرة الأولى.

كل ما حدث بعد ذلك يشبه روايةً كُتبت أثناء غفوتي. أسماء كثيرة مرّت، ومدن كثيرة عبرت، ووجوه كثيرة تركت ظلالها على باب روحي، غير أن الصبي ظل واقفًا عند أول الطريق، يلوّح لي كلما ابتعدت.

وحين أتعب من حمل هذا العمر، أعرف أن الحب وحده يردُّ إليَّ ملامحي الضائعة. يفتح نافذةً في جدار الوقت، ويضع في ظهري جناحين لا يراهما أحد.

عندها فقط أفهم أنني لم أفقد ذلك الصبي،

كل ما هنالك أنه اختبأ في قلبي، منتظرًا اللحظة التي أكفُّ فيها عن عدِّ خسائري، وأعود لأركض معه مرةً أخرى.


*من ديوان "في الغياب نتعلم شكلنا الأخير"



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- 19 يوليو.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- أرشيف دالكي.. فلان أوبراين
- رواية العروس الصامتة.. بييرجورجيو بوليكسي:
- راشيل، الغيابُ الطويل.. والجدران التي تعرف أكثر (في الغياب ن ...
- سلطان وبغايا.. تفكيك للمدينة ولجهاز إنتاج المعنى
- رواية عهد الماء: عندما يصبح الزمن نهرا من المصائر والذاكرة
- ذاكرة شمبانيا: نص فرنسي المرجع والبناء
- برشلونة الحلم.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- أصوات الموتى وإعادة تشكيل العالم في رواية حبيبتي مريم
- بين بحرٍ وزيتون.. من ديوان: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- تقريظ الروائي الكبير برهان شاوي لروايتي ذاكرة شمبانيا
- حين تتحول الحياة إلى اختبار للمعنى: قراءة في رواية متتالية ح ...
- من ديوان في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- رواية ذاكرة شمبانيا: إشكالية كتابة التاريخ بين السلطة والسرد
- غزّةُ المعنى، وحكايةٌ عن فلسطين.. ديوان: في الغياب نتعلم شكل ...
- الصامتون، تشريح أدبي لعنف الورق وجناية الأحكام المسبقة
- حين يتحوّل الحُبّ إلى فخّ في رواية في الأدغال
- كنيسة سانت جيمس.. من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- كيف تعيدنا رواية أنا أنايس بيرغ إلى فجواتنا المنسية؟
- قصائد من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير


المزيد.....




- جوقة توريتسكي تحيي حفلا في مستشفى بموسكو ضمن مشروع -بيئة الش ...
- اكتشاف بقايا سفينة بومورية من القرن السابع عشر في أرخانغيلسك ...
- إعلان فيلم رعب يثير ذعر المشاهدين.. -نوبات هلع- في السينما ( ...
- مقتل فنانة محبوبة طعنا يهز بلدة أمريكية هادئة على سواحل كالي ...
- بيت المدى يستذكر القاص والمسرحي جليل القيسي
- سعد نعمة يكشف عن مشروع فيلم وثائقي عن مأساة سنجار بكلفة مليو ...
- -الذاكرة-.. مكتبة عائلية تحفظ قرنا من إرث العراقيين الأدبي و ...
- وفاة الفنان محمد الشرشابي أحد أشهر أصوات ديزني العربية
- سينما أوراسية تحتفي بالقيم الإنسانية.. توزيع جوائز -الفراشة ...
- -أنا وياسر عرفات-.. كتاب مصري جديد يكشف ما لا يعرفه كثيرون ع ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - ملامح الصبي الذي لم يتعلّم الوداع