أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - سلطان وبغايا.. تفكيك للمدينة ولجهاز إنتاج المعنى















المزيد.....

سلطان وبغايا.. تفكيك للمدينة ولجهاز إنتاج المعنى


وليد الأسطل

الحوار المتمدن-العدد: 8762 - 2026 / 7 / 10 - 16:50
المحور: الادب والفن
    


منذ الصفحات الأولى من رواية "سلطان وبغايا" للكاتبة هدى عيد حضرت في ذهني رواية "ذاكرة فتاة" Mémoire de fille للكاتبة الفرنسية آني إرنو، العمل الذي قرأته سابقا وظل حاضرا في ذاكرتي بما يكشفه من قدرة الأدب على تحويل التجربة الفردية إلى مرآة للبنى الاجتماعية العميقة. ولعل ما استعاد هذا العمل في ذهني هو ذلك الاهتمام المشترك بموقع الفرد داخل الشروط التي تصوغ حياته. لم يأت هذا التقاطع من تشابه في الحكاية أو المكان، فقد نشأ من انشغال مشترك بالطريقة التي تشكل بها البيئات المحيطة وعي الإنسان، ومن الكيفية التي تتسلل بها السلطة إلى تفاصيل الحياة اليومية حتى تبدو جزءا من الاختيارات والرغبات.

تشتغل رواية "سلطان وبغايا" على تفكيك المدينة بوصفها جهازا لإنتاج الوعي، لا مجرد فضاء للعيش. تغدو المدينة قوة تنظيم خفية تعيد تشكيل الإنسان من طريقة إدراكه للعالم إلى أنماط رغبته وحدود حريته. داخل هذا المنظور تتحول بيروت إلى بنية متحركة تتقاطع فيها السلطة بالاقتصاد بالذاكرة، حتى يفقد الفرد القدرة على التمييز بين ما يعيشه وما يعاد إنتاجه له عبر الإعلام والخطاب اليومي.

حضرت في ذهني أثناء القراءة أسئلة المدينة والسلطة والذاكرة التي رافقتني في قراءاتي لبعض الكتابات الفكرية الفرنسية الحديثة. لم أستدع هذه الأفكار لأضع الرواية داخل إطار نظري جاهز، ولكن لأنها ساعدتني على فهم بعض الحركات الخفية التي يبني بها النص عالمه. استحضرت هنري لوفيفر وأنا أتابع الطريقة التي تترك بها المدينة آثارها في العلاقات بين الشخصيات، كما استحضرت بيير بورديو في اللحظات التي تظهر فيها السلطة عبر ما يبدو مألوفا وعاديا في السلوك واللغة. أما تعدد الشهادات وتشابك الأزمنة فقد قادني إلى أسئلة الذاكرة التي ناقشها بيير نورا، حيث لا يبقى الماضي مجرد وقائع محفوظة، إذ يستحيل مادة يعاد تشكيلها كلما دخلت في شبكة السرد والتأويل.

ولعل ما يمنح هذه الرواية قابليتها للقراءة المتعددة أنها لا تستنفد معناها في حكايتها الظاهرة، فهي تدفع القارئ إلى تأمل الآليات التي تُنتج بها الحكاية نفسها: من يروي؟ ومن يملك حق تثبيت المعنى؟ وكيف تتحول الرواية من نقل الأحداث إلى مساءلة الطرق التي نفهم بها هذه الأحداث؟

يظهر البناء السردي في الرواية امتدادا لهذا التشظي. يعتمد تقنية الشهادات والحوارات المتعددة، فتتجاور حقائق متباينة تتناقض فيما بينها من غير أن تدعي إحداها امتلاك الصورة الكاملة. يجد القارئ نفسه داخل تحقيق مستمر، فيما يرفض النص منح سلطة نهائية لأي رواية واحدة. تكتسب الحكايات قيمتها من موقعها داخل شبكة السرد، ومن زاوية النظر التي تنبثق منها.

يتحول الزمن داخل هذا البناء إلى طبقات متداخلة لا تخضع لترتيب خطي. يعود الماضي عنصرا نشطا يقتحم الحاضر عبر الذاكرة والشهادات، فينشأ إحساس بأن الحدث لا يُفهم لحظة وقوعه، وأن معناه يتشكل باستمرار تبعا لمن يعيد روايته. تبقى الحقيقة في هذا العالم السردي مسارا متحركا يتبدل مع تبدل زاوية النظر.

تكتسب شخصية سلطان بعدها الرمزي من كونها نقطة التقاء بين الرغبة والسلطة والمال. تتجاوز الشخصية حدود الفرد المكتمل السمات لتغدو بنية دلالية تكشف كيف تتغلغل القوة في التفاصيل اليومية حتى تصبح جزءا من السلوك المألوف. ويبلغ هذا التغلغل مداه حين تظهر السلطة أحيانا في صورة إغواء يجعل الخضوع يبدو اختيارا شخصيا.

في المقابل تتشكل الشخصيات النسائية داخل فضاء متعدد الدلالات، ويصعب اختزالها في موقع واحد أو وظيفة ثابتة. يكشف هذا التعدد أن سؤال الحرية يتجاوز كونه سؤالا أخلاقيا مباشرا، ليغدو مسألة بنيوية تتعلق بحدود ما يمكن التفكير فيه أصلا داخل نظام اجتماعي غير متكافئ. وتظل الحرية إمكانا مفتوحا على التعليق والتفاوض، بعيدا عن أي تعريف نهائي.

تشارك المدينة أيضا في تشكيل الذاكرة داخل النص. تتحول الذاكرة إلى جهاز انتقائي يعيد ترتيب الوقائع وفق علاقات القوة والمعرفة. وما يُتذكر لا يرتبط بما حدث فحسب، وإنما بالكيفية التي يُسمح بها لهذا الحدث أن يظهر داخل السرد. لهذا يبدو الماضي قابلا لإعادة التشكل، حتى يغدو استقراره نفسه أثرا تصنعه آليات السرد أكثر مما يصنعه التاريخ.

يلفت النظر كذلك توظيف اللغة بوصفها أداة كشف وأداة إخفاء في الوقت نفسه. تميل اللغة إلى الطابع الشهاداتي والوثائقي، وكأنها تستعير من الإعلام آلياته في نقل الخبر. وسرعان ما يتكشف أن هذا الطابع يخفي توترا بين ما يقال وما يراد تثبيته بوصفه حقيقة. عند هذه النقطة تصبح اللغة جزءا من بنية السلطة، لا مجرد وسيط ينقلها.

هل يمكن أن تكون قوة "سلطان وبغايا" ليست في كشفها للمدينة، ولكن في اللحظة التي تفشل فيها في تحويل المدينة إلى معرفة؛ أي في بقاء شيء من الحياة الاجتماعية عصيا على السرد، كأن بعض التجارب لا تُظلَم لأنها تُخفى، وإنما لأنها حين تُروى تفقد جزءا من حقيقتها؟

ينتج عن هذا البناء كله سؤال مركزي يتعلق بإمكانية الوصول إلى الحقيقة داخل نص يقوم على تفكيك أدوات الوصول إليها. كل محاولة للكشف عن المعنى تولد معنى آخر موازيا، وكل شهادة تفتح فجوة جديدة في الفهم. يجد القارئ نفسه أمام تجربة معرفية غير مستقرة، يغدو فيها تتبع تشكل التفسير أكثر أهمية من البحث عن تفسير نهائي.

تجدر الإشارة إلى أن سؤال الحقيقة، وما يرتبط به من قضايا الذاكرة والسلطة، يجد امتدادا مختلفا في رواية "حبيبتي مريم"، حيث تنتقل مساءلة هذه القضايا من علاقتها ببنية المدينة والمجتمع إلى اختبار الإنسان أمام الفقد والشك وانهيار اليقين. فإذا كانت "سلطان وبغايا" تتابع الكيفية التي يتشكل بها وعي الشخصيات داخل شبكة من العلاقات الاجتماعية والخطابات المتنافسة، فإن "حبيبتي مريم" تضع الإنسان في مواجهة لحظة تتداعى فيها المرجعيات التي كان يستند إليها لفهم العالم، فتغدو الحقيقة نفسها موضوع بحث لا مجرد نتيجة يصل إليها السرد.

لا تقدم "سلطان وبغايا" جوابا مغلقا؛ تترك أثرا مفتوحا لفكرة الحقيقة بوصفها بناء متغيرا لا كيانا ثابتا. وما يبقى بعد القراءة ليس حدثا مكتملا، وإنما سؤال ممتد حول علاقة الإنسان بالمدينة، وبالسلطة، وباللغة التي تحاول تعريفه داخل عالم لا يستقر على شكل واحد.



#وليد_الأسطل (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رواية عهد الماء: عندما يصبح الزمن نهرا من المصائر والذاكرة
- ذاكرة شمبانيا: نص فرنسي المرجع والبناء
- برشلونة الحلم.. في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- أصوات الموتى وإعادة تشكيل العالم في رواية حبيبتي مريم
- بين بحرٍ وزيتون.. من ديوان: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- تقريظ الروائي الكبير برهان شاوي لروايتي ذاكرة شمبانيا
- حين تتحول الحياة إلى اختبار للمعنى: قراءة في رواية متتالية ح ...
- من ديوان في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- رواية ذاكرة شمبانيا: إشكالية كتابة التاريخ بين السلطة والسرد
- غزّةُ المعنى، وحكايةٌ عن فلسطين.. ديوان: في الغياب نتعلم شكل ...
- الصامتون، تشريح أدبي لعنف الورق وجناية الأحكام المسبقة
- حين يتحوّل الحُبّ إلى فخّ في رواية في الأدغال
- كنيسة سانت جيمس.. من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- كيف تعيدنا رواية أنا أنايس بيرغ إلى فجواتنا المنسية؟
- قصائد من ديواني: في الغياب نتعلم شكلنا الأخير
- حين يلتهم الحديد اللحم البشري في الأيام العظيمة
- عندما تهاجمنا الطفولة المفقودة في اقتلوهم جميعا
- كتابة الذات خارج يقينها
- رحلة دورتال بين أنفاق السقوط وتوق الخلاص في هناك
- حين ينمو الشكل ويهتز النظام في الحدائق النحتية


المزيد.....




- موسكو توسّع مهرجان -جادة المسرح- بعروض جديدة ومشاركة دولية
- رسول حمزاتوف... الشاعر الذي حمل داغستان إلى العالم
- غموض يلف حادثة بوشهر: تضارب الروايات يفتح الباب أمام فرضية - ...
- لماذا تُعد رواية -يفغيني أونيغين- لبوشكين -موسوعة الحياة الر ...
- مسؤول أميركي يدعي: ?واشنطن لا ?تزال ملتزمة ?بإيجاد ?حل مع إي ...
- الثقافة السورية تدعو الفنان فضل شاكر لزيارة دمشق تكريما لموا ...
- روسيا وفلسطين توقعان مذكرة لتوثيق ومعالجة التراث الثقافي رقم ...
- روسيا تلتزم بترميم المعالم التاريخية والثقافية المتضررة
- صالون السينما السعودية المستقلة: مبادرة تنطلق من باريس تعكس ...
- نجوم الفن في مصر ينتفضون لدعم حسام حسن بعد -دراما الأرجنتين- ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - وليد الأسطل - سلطان وبغايا.. تفكيك للمدينة ولجهاز إنتاج المعنى