أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معتصم الصالح - -ليلة الأكياس الذهبية- سيرة سطو صنع الأساطير














المزيد.....

-ليلة الأكياس الذهبية- سيرة سطو صنع الأساطير


معتصم الصالح

الحوار المتمدن-العدد: 8791 - 2026 / 8 / 8 - 16:45
المحور: الادب والفن
    


بذرة الشر في قفص الاتهام
في زنزانة رطبة، تحت وهج مصباح خافت لا يكاد يدفع ظلام السجن عن عظام النزلاء، كان بروس رينولدز تاجر التحف الذي أضاع دروب البراءة في متاهات العصيان يحدق في السقف المتقشر كمن يقرأ مستقبله على شقوق الجبس. إلى جانبه، جثة حية تدعى سجينًا بريديًّا، كان يهمس له بحكايات القطار الليلي، وكأنه يزقزف فوق أغصان الموت:

"مرة كل شهر، يا بروس... عربة إضافية تُربط بذيل القطار كذيل طاووس من حديد. داخلها أكياس من المال البالي، أوراق نقدية من فئة الجنيه إلى الخمسة، خرجت من الدورة كالورود الذابلة، لكنها لم تُسجل بعد... كأنها مهر نسيه العريس في خدر العروس."

فما كان من رينولدز إلا أن أغمض عينيه، ورأى أمامه ليس جدران الزنزانة بل أكياسًا تتهادى كالغمام، تُنادي باسمه بأصوات من ورق.

الولادة الثانية للعصابة
خرج رينولدز من السجن كالذئب الذي تعلم خريطة الغابة عن ظهر قلب. بدأ يُلملم رجاله واحدًا واحدًا، كمن يجمع قطع أحجية من رماد الزمن: خمسة عشر رجلًا، كالقبضة المتشابكة، ما بين سائق ماهر، ومخرب محترف، وجندي سابق يعرف كيف يزحف بين الظلال كالظل نفسه.

وتدربوا في مزرعة مهجورة، على نموذج خشبي للقطار، يقطعون أوتاره الحمراء بأيدٍ ترتعش من الشوق لا الخوف. كانت خطتهم كرائحة البارود قبل الانفجار: كيس قماش يخنق الضوء الأخضر لإشارة المرور، وفانوس أحمر يتألق كعين شيطان في قلب الليل. قطار يُوقف في مهب الريح، وكأن القدر قد وضع إشارة مرورٍ خاصّةً لهم وحدهم.

الدقيقة التي توقفت فيها الساعة
في تلك الليلة الباردة من أغسطس، حيث كان الظلام يلتحف الأرض كوشاح أرملة، صعد الرجال إلى مواقعهم كأشباح يركضون في أحلام اليقظة.

غطى أحدهم إشارة المرور الخضراء بكيس، وكأنه يخنق ضمير العالم. وأشعل الفانوس الأحمر... فتوقفت القاطرة كفرس مذعورة. وانطلق الفريق كالسهام من كثبان العشب، نحو العربة التي تتنفس المال.

أما حراس المال، فقد كانوا غارقين في عزوفهم عن الانتباه، كمن يقرأ كتابًا في مكتبة مشتعلة. لم يغلقوا بابهم بالمزلاج، كأن القدر ترك الباب مواربًا للخطيئة. دخل الرجال بهدوء، وربطوا الحراس كالدمى، ولم يخرج من شفاههم غير همسات الأمر، لا صوتًا ولا رصاصة.

وفي أقل من ربع ساعة، كانت عشرون كيسًا من المال قد ارتمت في أحضان الشاحنة، تاركة وراءها ثمانية أكياس أخرى كرمزٍ من الغطرسة، كقولٍ صامتٍ للعالم: "نحن لا نأخذ كل شيء، فنحن لسنا جياعًا، نحن أساطير."

وقبل أن تدرك الأسلاك النحاسية أنها قطعت، وقبل أن تستفيق هواتف الأرض من غفوها، كانوا قد صاروا غبارًا على طريق لا يعرفه أحد.

لعبة القط والفأر مع التاريخ
عندما أيقظ الصباح رجال الشرطة على وقع فاجعة القرن، كانت البنوك قد أغلقت حساباتها، وصحف لندن قد احمرّت عناوينها كالجروح. أُعلنت مكافأة كالنجم في السماء: عشرة آلاف جنيه لمن يتنفس سرًّا.

لكن أغلب القطيع وُضع في الأسر، كخرفان تُعدّ في القفص. حُكم على بعضهم بثلاثين عامًا، وفرّ آخرون بقوة السلاح، كأن السجن نفسه لم يكن سوى محطة عابرة في رحلة هروبهم الأبدي.

وبقي رينولدز طليقًا مثل الريح، إلى أن قبضت عليه المخدرات في المكسيك، فسُجن عشر سنوات أخرى. وحين خرج، وجد أن زوجته قد ضاعت في متاهات العقل، فجعل بقية عمره عشقًا يمسح جراحًا لا تُرى.

الأموال التي تبخرت في مهب الريح
المدهش حقًا أن الأموال لم تَعُد أبدًا. ذابت كالثلج تحت شمس الصيف. بعضها دُفن في بساتين النسيان، وبعضها تدفق في عروق الكازينوهات والفنادق، وبعضها سافر مع رجل إلى أقاصي الأرض: أستراليا، كوبا، ثم البرازيل.

ذلك الرجل عاش سبعين عامًا تحت أنظار الشرطة التي لم تستطع سوى إرسال بطاقات بريدية كمن يكتب رسائل حب لشبح. أنجب أبناء، وشيخوخة هناك، ومات وهو ينظر إلى البحر كأنه يقول: "يا دنيا، كم أنتِ مليئة بالثقوب."

عودة الشبح الأخير
قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، عاد أحدهم إلى إنجلترا، ليس ليعترف، بل ليحتسي نصف لتر من البيرة المرة في حانة "مارغيت"، كالرجل الإنجليزي الذي لا ينسى طعم الطفولة حتى وإن تلطخت يداه بالذهب المسروق.

لم تطل إقامته في السجن هذه المرة، بل أطلق سراحه الموت البطيء على سرير المستشفى، حيث فارق الحياة في لندن، وترك خلفه سؤالًا واحدًا: كيف يمكن لجريمة أن تكون إرثًا؟

الخاتمة: إرث من دخان وذهب
تحولت السرقة إلى فيلمين سينمائيين، إلى رواية وإلى أسطورة حضرية. صارت جزءًا من الذاكرة البريطانية، كوشمٍ على جسد الثقافة الشعبية.

فعندما يكتب التاريخ، لا يهم إن كان البطل مجرمًا أم أميرًا، المهم أن يكون قصته قد أُخبرت بحرارة، وأن تبقى الأبواب في القطارات والمنازل مغلقة دائمًا، لأن الفرصة قد تأتي مرة واحدة، أما الندم فيأتي كل ليلة.

النهاية



#معتصم_الصالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البجع القبيح
- DNA الامهات
- على كفَّة الميزان
- دهشة خفيفة وديجافو ثقيل
- حين يلتقي الأدب بالعلامات العالمية: من موبي ديك إلى ستاربكس
- اليوان يعبر مضيق هرمز... والدولار يتلقى إشارة إنذار
- الحياة قصيرة… ووطنٌ يستحق أن يُبنى
- «العَتَبَة» — محضر مختصر (قصة قصيرة)
- انتظرني... وسأعود
- كازينو
- خربشات صيف لم ينساب بعيدا
- مزين بغداد
- علاقة غريبة
- متاهة
- فينيرا: الرحيل نحو العالم الحقيقي
- حين يكره العبد حريته
- ترسيم الحدود العراقية-الكويتية: من التخطيط الاستعماري إلى ال ...
- عبث الجهد واليأس من المعنى
- رسالة من المدينة
- عندما أصبح البَسَطَاء هم القادة


المزيد.....




- أزياء الفيلم تُعرض للبيع.. مزاد يحقق حلم جمهورThe Devil Wear ...
- حين يتحوّل اللقاء إلى -زحف بشري-.. دمشق تستقبل -المايسترو-
- فقيه في زمن الجباية.. حين تحدى التاج السبكي سلطة المماليك ود ...
- -الاقتلاع-.. إيال وايزمان يفكك معمار الإبادة الإسرائيلية بفل ...
- مهرجان -أورالتيرا جاز- يجمع موسيقيي الجاز من موسكو ويكاترينب ...
- قطط الإرميتاج تواصل تقليدا عمره ثلاثة قرون في حراسة الفن وال ...
- مهرجان مالمو ينطلق اليوم بموسيقى وفعاليات وأطعمة من مختلف أن ...
- سوريا...عبارة -المعازف حرام- تنشر على جدار معهد موسيقي في دم ...
- وزير التعليم العالي والبحث العلمي والقائم بعمل وزير الثقافة ...
- اللغة التي تسكننا.. حين يكتب اللسان سيرة العقل


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معتصم الصالح - -ليلة الأكياس الذهبية- سيرة سطو صنع الأساطير