أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معتصم الصالح - الحياة قصيرة… ووطنٌ يستحق أن يُبنى














المزيد.....

الحياة قصيرة… ووطنٌ يستحق أن يُبنى


معتصم الصالح

الحوار المتمدن-العدد: 8634 - 2026 / 3 / 2 - 19:25
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الحياة أقصرُ من أن تُؤجَّل، وأغلى من أن تُبدَّد في انتظارِ معجزةٍ لا تأتي. نعيشها مرةً واحدة، ولم نسمع بميتٍ عاد إلينا ليكشف لغز الموت ويُخفّف من رهبتِه. نمضي—في بلدانٍ أنهكها الخوف—بين سجنٍ وقبر، كأنَّ الزمنَ نفسه صار زنزانةً، وكأنَّ الغدَ مؤجَّلٌ إلى إشعارٍ آخر.

وفي العراق، لا يقف الأمر عند موت الجسد؛ بل هناك موتٌ أشدُّ قسوة: اغتيالُ الشخصية، تكسيرُ الإرادة، وإعادةُ تشكيل الإنسان حتى يغدو ظلًّا لما كان. يموت المعنى ساعةً ساعة، ويتآكل الأمل لحظةً لحظة، ويصبح البقاءُ مجرد عادةٍ ثقيلة لا حياةً كاملة.

يحدّثنا بعض “المثقفين” بنبرة الواثق: «العراق في 2025 سيكون قطعةً أمريكية خالصة… وبعدها لن تروا الوجوه التي جلبت الدمار والموت والكراهية». نسمع هذا ونسمع قبله؛ فقبل ترامب كانت وعود بوش وبلير، وقبلهم وبعدهم خططٌ تُقال على الشاشات أكثر مما تُبنى على الأرض: جعجعةٌ بلا طحين، وأحلامٌ تُسوَّق لتخدير الألم لا لمعالجته.

أنا لا أرى العالم تُديره أسماءٌ بعينها—لا بوتين، ولا ترامب، ولا ميركل، ولا غيرهم—بقدر ما تُديره منظومات مصالح ضخمة: مالٌ عابر للحدود، شركاتٌ واحتكارات، شبكات نفوذٍ تُحرّك السياسات حينًا، وتُعيد ضبط الإيقاع حينًا آخر. من ينسجم معها يُترك ليكمل دوره، ومن يعاندها يُدفع إلى الهامش. ليست “حكومةً خفية” بالضرورة كما يقال، لكنها حقيقةُ عصرٍ تُسمّى بأسماءٍ كثيرة: نفوذٌ، سوقٌ، لوبياتٌ، وميزانُ قوةٍ لا يرحم الضعفاء.

ومن أخطر ما يحكم هذه المنظومات منطقٌ باردٌ في النظر إلى البشر والموارد: أعدادٌ تتزايد، وثرواتٌ تُستنزف، وصراعاتٌ تُدار بدل أن تُحل. لذلك لا تُدار الحياة عندهم بوصفها مشروعَ كرامةٍ وإنسان، بل تُدار بوصفها “إدارة صراع”: صراعٌ على النفوذ، على الطاقة، على الممرات، على العقول… صراعٌ يُراد له أن يستمر لأن استمراره يُنتج مكاسبَ لمن يتقن الاستثمار في الفوضى.

وهكذا يصبح الشرق الأوسط—بكل ما فيه من تاريخٍ وثقافةٍ وطاقات—ساحة اختبارٍ لهذا المنطق. تُجزَّأ المجتمعات إلى جزرٍ متقابلة، وتُحقن الذاكرة بالكراهية، ويُعاد تعريف الآخر بوصفه تهديدًا لا شريكًا في وطن. تُستثار الغرائز تحت لافتاتٍ كبيرة: الدين، الثأر، الهوية، “الحق التاريخي”… بينما تُسرق الحياة بصمت: تعليمٌ يتراجع، صحةٌ تتآكل، اقتصادٌ يُدار بالريع والفساد، وأجيالٌ تُربّى على الخوف واللاجدوى.

وفي الداخل، تتكاثر الأقنعة: فئاتٌ تتعالى وتزعم أنها أقرب إلى الله، وأخرى تتغطرس وتدّعي الوصاية على التاريخ، وثالثة تتاجر بالوطن وهي لا ترى فيه إلا غنيمة. والفساد لا يعود حادثةً عابرة، بل يصبح نظامًا: يلتهم الدولة، ويُعيد إنتاج نفسه، ويجعل المواطن غريبًا في أرضه. لا لأن العراقي عاجز، بل لأن العجز يُصنَع له كل يوم: تارةً بتشويه الوعي، وتارةً بتقنين الفشل، وتارةً بتحويل السياسة إلى سوقٍ للولاءات.

لهذا، فإن التعويل على “خطة ترامب” أو “خطة غير ترامب” لا يصنع وطنًا. والوهم الأكبر أن ننتظر خلاصًا يأتي من خارج الحدود بينما الداخل مكسور. لن تُعيد الإعمار تصريحاتٌ ولا مؤتمرات، ولن تبني الدولةَ خطبٌ ولا وعود، ما لم تتغير قواعد اللعبة: دولةُ قانون لا دولةُ مزاج، مؤسساتٌ لا أشخاص، مواطنةٌ لا محاصصة، إنتاجٌ لا ريعية، وعدالةٌ لا انتقام.

المطلوب ليس قطيعةً مع البشر بقدر ما هو قطيعةٌ مع الأوهام: وهم المنقذ الخارجي، ووهم الزعيم المخلّص، ووهم أن الوطن يُبنى بالتمنيات. المطلوب عودةٌ إلى الذات بمعناها النبيل: الاعتداد بالكرامة، بناء وعيٍ نقدي، كسر ثقافة القطيع، رفض تزييف الحقائق، وامتلاك شجاعة السؤال: كيف نصنع دولةً تحمي الإنسان قبل أن تحمي السلطة؟

الحياة قصيرة… إن لم تُنجز فيها ما يليق بك وبأهلك وببلدك، ستتركها فارغةً كبيتٍ لم يُسكَن. ابنِ شيئًا للأجيال القادمة؛ فالحياة في جوهرها تعاقب الأجيال—وما نزرعه اليوم يحصده من يأتي بعدنا. نحن لسنا ضيوفًا على هذه الأرض، بل أمناؤها: نحن سادة هذه الأرض حين نكون أهلًا لها—علماً وعملاً وخلقًا ومسؤولية.

وأما أنا، فلا أريد أن أعيش على فتات وعودٍ قادمة من وراء البحار، ولا أبكي على زيارة بلدٍ لا يرانا إلا رقماً في دفتر مصالحه. لتذهب كل خطةٍ تُباع على هيئة “خلاص” إلى الجحيم إن كانت لا ترى الإنسان العراقي إلا تابعًا. وأقول لكل من يتقن التمثيل علينا: لو كنتَ كومبارسًا في كارتون “عائلة سيمبسون” لصدّقناك… ولو ظهرت في “باباي” لاحترمناك… لكن الأوطان لا تُدار بالرسوم المتحركة، ولا تُنقَذ بالاستعراض.

اعتنوا بأنفسكم… واعتنوا بوطنكم.



#معتصم_الصالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- «العَتَبَة» — محضر مختصر (قصة قصيرة)
- انتظرني... وسأعود
- كازينو
- خربشات صيف لم ينساب بعيدا
- مزين بغداد
- علاقة غريبة
- متاهة
- فينيرا: الرحيل نحو العالم الحقيقي
- حين يكره العبد حريته
- ترسيم الحدود العراقية-الكويتية: من التخطيط الاستعماري إلى ال ...
- عبث الجهد واليأس من المعنى
- رسالة من المدينة
- عندما أصبح البَسَطَاء هم القادة
- بين السماء والطين
- الملاك والزعيم
- هَمْسُ العُيُونِ
- فيصلُنا... لا فيصلُهم
- رحلة مع الذات
- كان لي من الوقت ما يكفي لأفهمك
- ظلٌّ لا يريد أن يُمحى


المزيد.....




- مصادر لـCNN: استهداف السفارة الأمريكية في الرياض بـ-طائرتين ...
- أردوغان: الخلاف الأمريكي الإيراني تحول إلى حرب بعد استفزازات ...
- لغز -نطنز-.. لماذا عادت واشنطن لضرب المنشأة التي أعلن ترمب - ...
- عاجل| رويترز عن مصدرين: حريق في السفارة الأمريكية بالرياض بع ...
- حرب إيران: أهداف معلنة ومشروع خفي لشرق أوسط تُمسك بأعنّته إس ...
- -غادروا الآن-.. أمريكا تحض رعاياها على مغادرة أكثر من 12 دول ...
- -رسالة عاجلة- من أمريكا لمواطنيها لحثهم على مغادرة هذه الدول ...
- -الهروب الكبير-.. أذربيجان تفتح حدودها لإجلاء مئات الأجانب م ...
- مباشر: الجيش الأمريكي يقول إنه استهدف أكثر من 1250 هدفا داخل ...
- إمبراطوريات الإعلام الأمريكي في مأزق.. استعادة الثقة أم الرض ...


المزيد.....

- حوار مع الشاعر و المفكر السياسي رياض الشرايطي. حاوره بشير ال ... / بشير الحامدي
- السياسة بعد موت الأقنعة: حين تتحول القوة إلى لغة وحيدة. / رياض الشرايطي
- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - معتصم الصالح - الحياة قصيرة… ووطنٌ يستحق أن يُبنى