أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معتصم الصالح - على كفَّة الميزان














المزيد.....

على كفَّة الميزان


معتصم الصالح

الحوار المتمدن-العدد: 8731 - 2026 / 6 / 9 - 01:07
المحور: الادب والفن
    


لم أكن قد استقررتُ على شيء بعد. كنتُ جالسًا خارج الدكّان، شاردًا كمن ضيّع طريقًا يعرفه، ومشدود الانتباه كمن يراقب شيئًا لا يراه أحد. كان داخلي مزاجان متناقضان يشدّانني من طرفين؛ أحدهما يثقلني بالأسئلة، والآخر يدفعني إلى النهوض، لكنهما أبقياني في المنتصف، عاجزًا عن الحركة.

لم يرفعني من ذلك السكون إلا صوت فرات، جاء كعادته مباشرًا، كأنه ينتزع المرء من أفكاره بالقوة:

ـ ألم تنتهِ كل الأشياء التي أجهدنا أنفسنا بالتفكير فيها إلى خيبة؟

رسمتُ ابتسامة صغيرة على وجهي، لا أعرف إن كانت جوابًا أم اعتذارًا عن صمتي. اقترب منّي وقال وهو يسحب الكرسي الفارغ بجانبي:

ـ فكّر أقل… وعِش أكثر.

جلس، ثم أخرج سيجارته وأشعلها بهدوء. كنتُ أعرف أن التفكير يتعب الروح، لكنني لم أكن أظن أن له يدًا في تقصير العمر. وربما، حتى لو عرفت، ما كنتُ لأتوقف عنه. فبعض العقول لا تفكر لأنها تريد، بل لأنها لا تعرف كيف تستريح.

نفث فرات دخان سيجارته وقال:

ـ التوازن جميل. تخيّل الأمر كالأرجوحة؛ كلما أثقلتَ جهةً، طارت الجهة الأخرى من بين يديك.

كان يتحدث عن التوازن، وأنا في تلك اللحظة جالس تمامًا بين كفّتين: قلق لا يريد أن يغادر، ورغبة في الطمأنينة لا تعرف كيف تصل. لكنني لم أشأ أن أفتح بابًا آخر للكلام، فاكتفيتُ بقولي:

ـ كلامك صحيح.

بدت إجابتي القصيرة كأنها أزعجته. كان صمتي يدفعه إلى أن يطيل جمله أكثر، كمن يحاول أن يوقظ جدارًا بالكلام. وبعد حديث طويل، لمحتُ في يده أكياسًا ممتلئة بالألعاب. أشرتُ إليها وقلتُ محاولًا تغيير الموضوع:

ـ هل اليوم عيد ميلاد إيلَم؟ أخبرني حتى أشتري هدية لابنة أخي. فأنت تعرف أن ذوقك جامد، ولا تفهم روح الأطفال.

ابتسم وقال:

ـ لا. هذه من أجل بطاقة الدرجات.

سألته:

ـ وكيف كانت نتائجها؟

قال بهدوء:

ـ لديها ثلاث مواد ضعيفة. هي لا تحب الدراسة كثيرًا.

نظرتُ إلى الأكياس، ثم إليه، وقلتُ بدهشة ممزوجة بالسخرية:

ـ وهل اشتريتَ كل هذه الهدايا احتفالًا بالمواد الضعيفة؟

هزّ رأسه، كأنه كان ينتظر هذا السؤال.

ـ الدرجات أشياء رمزية يا أخي. أنا لم أشترِ الهدايا لأنها نجحت أو أخفقت، بل لأنها وصلت إلى نهاية الطريق. اعتبرها احتفالًا بقطع المسافة، لا مكافأة على النتيجة.

قلتُ:

ـ أليس الطريق أجمل حين ينتهي كما نريد؟ ألن تكونوا جميعًا أسعد لو جاءت النتائج جيدة؟

سكت قليلًا، ثم قال:

ـ لا أظن ذلك دائمًا. قبل أيام نسيت واجبًا مدرسيًا، ولم تتذكره إلا في منتصف الليل. جاءت وأيقظتنا وهي خائفة. في البداية غضبتُ طبعًا؛ من لا يغضب وهو يُسحب من النوم إلى واجب منسي؟ لكنني، بعد قليل، وقفتُ بعيدًا أراقبهم جميعًا يحاولون مساعدتها. كانت أمها تبحث، وهي تكتب، ونحن بين النعاس والقلق نحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفي تلك اللحظة قلتُ في نفسي: الحمد لله أنها نسيت.

نظرتُ إليه متعجبًا، فأكمل:

ـ أحيانًا تجد في الشيء الذي يبدو خسارة شيئًا لا تمنحه لك النجاحات المرتبة. في تلك الليلة رأيتُ ثقتها بنا، ورأيتُ استعدادنا لأن نتخلى عن راحتنا لأجلها. فقل لي: على أي أساس نحكم أن الطريق انتهى بشكل سيئ؟

لم أجب.

تذكّرتُ وجوه والديّ حين كنتُ أعود في طفولتي بدرجات مرتفعة، أو لنقل بعلامات كاملة. لا شكّ أن المديح كان حاضرًا، والهدايا أيضًا. لكن ماذا بعد ذلك؟ ماذا كان يحدث حين أرتكب خطأً ما؟

لا أذكر الكلمات كلّها، لكنني أذكر أثرها. كنتُ أعرف النتيجة قبل أن تبدأ المحاكمة: صمت ثقيل، عتاب طويل، وخيبة أكبر من الخطأ نفسه. كان أبي يقول لي دائمًا: «لا يهمني النجاح بقدر ما أخاف عليك من الفشل. النجاح لا يعني أن تحصل على علامات كاملة فحسب، بل أن تعرف مكانك الصحيح: أين تقف، ومع من تمضي، وكيف تستمر».

كان كلامه، في ظاهره، حكمة. لكنه كان يترك في داخلي خوفًا لا يشبه النصيحة. كنتُ أتعلم من النجاح أن أفرح قليلًا، ومن الخطأ أن أخاف كثيرًا. وربما لهذا كنتُ أظن أن الدرجة الضعيفة نهاية طريق، لا جزءًا منه.

كنتُ قادرًا على أن أستنتج من الماضي حكمًا قاسيًا وسريعًا؛ أن الفشل جرح، وأن الخطأ عيب، وأن الإنسان لا يُرى كاملًا إلا إذا جاء كاملًا. لكن فرات كان يملك تلك القدرة النادرة على الوقوف في الجهة الأخرى من الفكرة. كان يردّ على المنطق العادل بمنطق أكثر رحمة؛ لا ينكر الخطأ، لكنه لا يسمح له أن يبتلع الإنسان كله.

قال فرات وهو يطفئ سيجارته:

ـ نحن لا نربي الأطفال لكي لا يخطئوا أبدًا. نربيهم لكي يعرفوا أن الخطأ لا يطردهم من البيت، ولا يسقطهم من القلب. إذا صار الطفل يخاف من الفشل أكثر مما يحب النجاح، فسوف يكبر وهو يركض، لا لأنه يعرف الطريق، بل لأنه يخاف أن يتوقف.

كان كلامه بسيطًا، لكنه وصل إلى مكان قديم في داخلي. مكان لم يكن يحتاج إلى تفسير، بل إلى يد تربّت عليه.

نظرتُ إلى الأكياس مرة أخرى. لم تعد تبدو ألعابًا زائدة، ولا مكافأة في غير محلها. بدت كرسائل صغيرة تقول لطفلة ما:

نحن لا نحبك لأنك نجحتِ، ولا نغضب منكِ لأنكِ تعثرتِ. نحن هنا لأنكِ وصلتِ، ولأن الطريق ما زال أمامكِ.

في تلك اللحظة، فهمتُ أن بعض الآباء لا ينتظرون من أبنائهم أن يعودوا منتصرين دائمًا، بل أن يعودوا إليهم فقط. وأن الطريق، مهما تعثّر، لا يكون سيئًا إذا بقي فيه من يمدّ يده.

لم أقل لفرات شيئًا. اكتفيتُ بأن أبتسم، لكن ابتسامتي هذه المرة لم تكن اعتذارًا عن صمتي. كانت أشبه باعتراف متأخر بأن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى كلمة واحدة، لا لتغيّر حياته كلها، بل لتخفف عنها وزنًا كان يحمله منذ زمن.

وحين نهض فرات حاملًا أكياسه، شعرتُ أن الأرجوحة في داخلي بدأت تهدأ. لم ترتفع كفّة على حساب الأخرى، لكنني، للمرة الأولى منذ الصباح، لم أكن أخاف من بقائي في المنتصف.



#معتصم_الصالح (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دهشة خفيفة وديجافو ثقيل
- حين يلتقي الأدب بالعلامات العالمية: من موبي ديك إلى ستاربكس
- اليوان يعبر مضيق هرمز... والدولار يتلقى إشارة إنذار
- الحياة قصيرة… ووطنٌ يستحق أن يُبنى
- «العَتَبَة» — محضر مختصر (قصة قصيرة)
- انتظرني... وسأعود
- كازينو
- خربشات صيف لم ينساب بعيدا
- مزين بغداد
- علاقة غريبة
- متاهة
- فينيرا: الرحيل نحو العالم الحقيقي
- حين يكره العبد حريته
- ترسيم الحدود العراقية-الكويتية: من التخطيط الاستعماري إلى ال ...
- عبث الجهد واليأس من المعنى
- رسالة من المدينة
- عندما أصبح البَسَطَاء هم القادة
- بين السماء والطين
- الملاك والزعيم
- هَمْسُ العُيُونِ


المزيد.....




- اتحاد أدباء العراق يؤبن الشاعر صادق الصائغ
- ادباء ذي قار وملتقى سومريون ينظمون امسية ثقافيةلاستذكار الكا ...
- الجذور الفكرية للحركة الوطنية في جنوب اليمن: قراءة في مشروع ...
- جينيفر أنيستون وليزا كودرو: نجوم السينما كانوا متوترين خلال ...
- أحمد عثمان: الفنان الذي أنقذ معبد أبو سنبل
- قصف إسرائيلي يُلحق -أكبر أذى- بموقع للتراث العالمي في صور
- كيف تغيرت أفلام الرعب لتصبح قادرة على إثارة اهتمام الجيل -زد ...
- المثقف العربي وصناعة التاريخ: قراءة في أدوار النخبة وسط التح ...
- الإخفاق العربي.. تشريح لمأزق الدولة القُطرية وأوهام الإصلاح ...
- -تسنيم-: لا يمكن للأميركيين التملص من وزر جرائم الكيان الصهي ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - معتصم الصالح - على كفَّة الميزان