أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - العراقيون يرجمون القطار؟ قراءة في سيكولوجيا الظل الجمعي بمنظور كارل غوستاف يونغ















المزيد.....

العراقيون يرجمون القطار؟ قراءة في سيكولوجيا الظل الجمعي بمنظور كارل غوستاف يونغ


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 19:40
المحور: قضايا ثقافية
    


تبدو حادثة رجم القطارات بالحجارة في العراق، التي أشار إليها الأستاذ الدكتور مفيد الزيدي، صغيرة إذا قيست بحجم المشكلات التي يواجهها المجتمع العراقي، لكنها تصبح ذات دلالة مختلفة حين ننظر إليها بوصفها سلوكاً اجتماعياً متكرراً. فالقطار ليس شخصاً دخل في خصومة مع من يرميه، ولا يمثل عدواً مباشراً، ولا توجد منفعة يحصل عليها الفاعل من تحطيم نافذته أو إلحاق الضرر به. هنا يبدأ السؤال النفسي: لماذا يرجم الإنسان شيئاً عاماً يستخدمه هو وأسرته ومجتمعه؟ ولماذا تتحول ممتلكات الدولة، في بعض البيئات، إلى هدف سهل للتخريب؟ يمكن قراءة هذه الظاهرة من خلال علم النفس التحليلي عند كارل غوستاف يونغ، ولا سيما مفاهيم الظل، واللاوعي الجمعي، والإسقاط النفسي، وعلاقة الفرد بالجماعة. ولا يعني ذلك تشخيص الأشخاص الذين يقومون بهذا الفعل من بعيد، بل البحث عن البنية الرمزية والنفسية التي تجعل الاعتداء على الممتلكات العامة قابلاً للتكرار والتقليد.
القطار بوصفه رمزاً للدولة والنظام
يحمل القطار دلالة تتجاوز وظيفته في النقل. إنه يتحرك وفق خط محدد، وموعد محدد، ومحطات معلومة، وقواعد لا يقررها الفرد. ومن هذا المنظور يمثل القطار النظام، والانضباط والاستمرارية والمؤسسة. وحين يتعرض للرجم، تصبح الحادثة قابلة لقراءة رمزية. فالحجر لا يصيب الحديد وحده، بل يصيب، على المستوى الرمزي، صورة المؤسسة العامة. في المجتمع الذي تتعرض فيه الثقة بالدولة للاهتزاز، تتغير علاقة المواطن بالممتلكات العامة. لا يعود القطار في الوعي اليومي "قطارنا"، بل يصبح "قطار الحكومة". ولا تصبح المدرسة "مدرستنا"، بل "مدرسة الدولة". ويتكرر الأمر مع الحدائق، والشوارع والحافلات والأرصفة. هنا يحدث انفصال نفسي بين الفرد والفضاء العام. يحافظ الإنسان على ممتلكاته الخاصة، لكنه لا يشعر بالالتزام نفسه تجاه الملكية العامة. تساعدنا هذه النقطة على تجاوز تفسير الظاهرة بالجهل وحده. فالجهل عامل محتمل، لكنه لا يفسر لماذا يتجه السلوك العدواني نحو هدف بعينه. نحن أمام سؤال يتعلق بالانتماء والمسؤولية والثقة والحدود التي تفصل الخاص عن العام في الوعي الاجتماعي.
الظل اليونغي والحجر الذي نرميه على الآخر
يعد مفهوم "الظل" من أكثر مفاهيم يونغ فائدة في قراءة هذه الظاهرة. يشير الظل، بصورة مبسطة، إلى الجوانب التي يرفض الفرد الاعتراف بها في نفسه أو يحاول إبعادها عن صورته الواعية عن ذاته. وقد تظهر هذه العناصر في صورة إسقاط على الآخرين أو في سلوك يجد داخل الجماعة فرصة للتعبير. إذا نقلنا المفهوم بحذر من الفرد إلى المجال الاجتماعي، يصبح رجم القطار مناسبة لظهور عناصر مكبوتة من الغضب والرفض والرغبة في التحدي. الطفل أو الشاب الذي يقذف حجراً ثم يهرب قد يشعر، للحظات، بأنه امتلك سلطة على شيء أكبر منه. القطار ضخم وسريع ومنظم، أما الفاعل فلا يملك تجاهه سوى حجر صغير. ومع ذلك يستطيع ذلك الحجر أن يحدث صوتاً، أو يكسر زجاجاً، أو يثير الخوف، ثم يمنح صاحبه شعوراً عابراً بالتأثير. هنا تتحول المسألة من عبث إلى علاقة نفسية مختلة بالقوة. حين يعجز الفرد عن الشعور بقيمته من خلال الإنجاز أو المشاركة أو المسؤولية، قد يبحث عن صورة مشوهة من إثبات الذات عبر التخريب. لا يعني هذا أن كل مخرب يعاني البنية النفسية نفسها، لكنه يقدم فرضية تفسيرية لفهم بعض الحالات. ومن منظور يونغي، تكمن المشكلة الأخطر عندما توفر الجماعة غطاء لهذا "الظل". فالطفل الذي يرمي القطار أمام أقرانه قد لا يتصرف بالطريقة نفسها إذا كان منفرداً. ضحكات المجموعة وتشجيعها وصمت الكبار تحول الفعل الفردي إلى طقس صغير لإثبات الجرأة. وعندها يتراجع الضمير الفردي أمام سيكولوجيا الجماعة.
حين يصبح التخريب بطولة صغيرة
ثمة فرق نفسي مهم بين ارتكاب فعل والشعور بالخجل منه، وبين ارتكابه ثم تحويله إلى مصدر للتفاخر. في الحالة الثانية تتغير منظومة القيم داخل المجموعة الصغيرة. يصبح من يجرؤ على الرمي "شجاعاً"، بينما يصبح الممتنع موضع سخرية. وهنا تنقلب المعايير. كان يونغ شديد الاهتمام بما يحدث للفرد حين تبتلعه الجماعة. فالشخص داخل الحشد ليس دائماً الشخص نفسه عندما يكون منفرداً. الجماعة تخفض أحياناً الإحساس بالمسؤولية، لأنها توزع الذنب على الجميع. "كلهم يفعلون ذلك" تصبح آلية نفسية لتخفيف الشعور بالخطأ. ومن هنا نفهم خطورة التسامح مع رجم القطارات. المسألة ليست قيمة نافذة مكسورة، بل قابلية السلوك للتحول إلى عادة اجتماعية. يبدأ الأمر بحجر، ثم يصبح الاعتداء على المال العام أمراً عادياً، ثم تتسع الحدود بين المسموح والمرفوض. عندما لا يواجه الطفل أو الشاب اعتراضاً من الأسرة والمدرسة والمجتمع والقانون، يتعلم درساً غير مكتوب: المجال العام بلا صاحب. وهنا تكتسب عبارة "من أمن العقاب أساء الأدب" بعداً نفسياً واجتماعياً. العقاب القانوني ليس انتقاماً، بل رسم للحدود. الإنسان يتعلم منذ طفولته أن الحرية تعمل داخل حدود تحمي الآخرين. وإذا اختفت الحدود باستمرار، يصبح اختبارها سلوكاً متوقعاً لدى بعض الأفراد.
الدولة والردع واستعادة معنى الملكية العامة
لكن القانون وحده لا يقدم تفسيراً كاملاً ولا علاجاً كاملاً. تستطيع الشرطة أن تمنع شخصاً من رمي حجر، لكنها لا تستطيع وحدها أن تجعل القطار جزءاً من شعوره بالمواطنة. هنا ينبغي الجمع بين الردع والتربية. تحتاج الدولة إلى تطبيق القانون بوضوح على من يعرّض سلامة الركاب والعاملين للخطر أو يتلف الممتلكات العامة، مع مراعاة السن والمسؤولية القانونية. لكن المجتمع يحتاج، في الوقت نفسه، إلى إعادة تعريف الملكية العامة في وعي أفراده. القطار ليس ملكاً لحكومة عابرة. إنه مال عام دفع المجتمع تكلفته، ويستخدمه الناس، ويحتاج إصلاحه إلى أموال كان يمكن أن تذهب إلى خدمة أخرى. ومن منظور يونغ، لا يكفي قمع "الظل". المطلوب التعرف إليه وإدماجه في الشخصية الواعية. وبالمعنى الاجتماعي، لا يكفي أن نقول للشاب: لا ترم القطار. ينبغي أن نسأله أيضاً: لماذا ترى تخريب الممتلكات العامة أمراً لا يمسك شخصياً؟ لماذا لا ترى نفسك مالكاً لحصة رمزية في هذا القطار؟ ولماذا يصبح إحداث الضرر مصدراً للمتعة أو إثبات الذات؟ تبدأ الإجابة من الأسرة، ثم المدرسة، ثم الحي، ثم الإعلام، وتنتهي عند الدولة والقانون. فالمجتمع الذي يريد حماية قطاراته لا يضع شرطياً عند كل متر من السكة، بل ينتج مواطناً يرى الحجر في يده قبل أن يرميه باعتباره اعتداء على حقه وحق الآخرين. إن صورة عراقي يرجم قطاراً عراقياً تستحق التأمل لأنها تكثف أزمة أوسع في العلاقة بين الفرد والمجال العام. الحجر هنا صغير، لكن معناه كبير. إنه يكشف، في بعض الحالات، عن غضب بلا قناة، وعن رغبة في إثبات الذات بلا إنجاز، وعن ضعف الشعور بملكية المجال العام، وعن جماعة تستطيع منح السلوك الخاطئ شرعية مؤقتة، وعن دولة تحتاج إلى استعادة حضور القانون بوصفه قاعدة عامة لا استعراضاً للقوة.
السؤال إذن ليس: لماذا يرجم العراقيون القطار؟ فهذه الصيغة تعمم سلوك فئة محدودة على مجتمع كامل. السؤال الأدق هو: ما الذي يجعل بعض العراقيين يرجمون قطارهم؟ عند هذه النقطة يمنحنا يونغ إجابة تستحق التفكير. المجتمع، مثل الفرد، لا يتعافى بإنكار ظله. يبدأ التصحيح عندما يتعرف إلى ذلك الظل، ويفهم مصادره، ويمنعه من قيادة السلوك. إن الحجر الذي يصيب نافذة القطار لا يكسر الزجاج وحده، بل يكشف شرخاً في معنى المسؤولية العامة. وإصلاح الزجاج مهمة فنية سهلة نسبياً، أما إصلاح ذلك الشرخ فيحتاج إلى أسرة ومدرسة ومجتمع وقانون ودولة تعيد للمواطن معنى أن يقول عن القطار والشارع والحديقة والمدرسة: هذه ممتلكاتنا، ومن يرجمها إنما يرجم جزءاً من حقنا المشترك.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين تعبر الطفولة حدود اللغة: جليل خزعل وشاكر حسن راضي في مشر ...
- بين الشهادة والمعرفة الشعرية، حين يقرأ شاعرٌ شاعراً: علي جعف ...
- مؤيد الونداوي وقراءة الصحافة البريطانية: العراق عشية الاستقل ...
- فالح مهدي وإعادة التفكير في أسطورة الفردوس الأندلسي:
- رواية كريم شعلان -جمرة الله-: سقوط الأيقونات في متاهة البحث ...
- ذياب مهدي آل غلام، أو حين تصبح الذاكرة آخر الأوطان
- جدلية الوثيقة والتفسير في مشروع المؤرخ غسان متعب الهيتي نحو ...
- الرابع عشر من تموز... حين يتحول السؤال الخاطئ إلى معركة لا ت ...
- صادق ياسين الحلو، المؤرخ الذي ربى العقول قبل أن يكتب التاريخ
- برفسور عبد الأمير كاظم زاهد، سيرة عقل يبحث عن المعنى
- دنيا ميخائيل، شاعرة الغياب الذي لم يغادر العراق
- دنفش في طمأنينتها قراءة سيميولوجية في لوحة الفنان التشكيلي م ...
- عبد الأمير المجر، حين يتحول الأدب إلى ذاكرة مجتمع
- الشاعر فرج الحطاب؛ كرامة الهامش
- الجنة بوصفها معرفة: قراءة إبستمولوجية في تشكّل الأمل الديني
- من عزلة الكائن إلى يقين المعنى: قراءة معرفية في قصيدة سلام ا ...
- صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً
- محمد عبد الرضا شياع.. ناقد عبر الجسور الثقافية وباحث في أنسا ...
- كاظم جاسم الطائي.. حين تتحول الصحافة الرياضية إلى سيرة مهنية ...
- اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة


المزيد.....




- إعلام إيراني ينشر تسريبات عن اتفاق تنظيم مرور السفن بمضيق هر ...
- شاهد.. لقطات لتوقيع -اتفاقية مكة للدفاع المشترك- بين باكستان ...
- ما هو سر الاحتفال الذي أداه محمد صلاح أمام جمهور طرابزون سبو ...
- أول وفاة من نوعها.. مهاجر يلقى مصرعه خلال محاولته الوصول إلى ...
- لواء سعودي يملك 32 عامًا من الخبرة.. ماذا نعرف عن قائد التحا ...
- مدريد في ورطة .. أطفال مهاجرون يبيتون في شوارع سبتة
- الجيش الروسي يستهدف في البحر الأسود سفينتين تحملان معدات عسك ...
- اكتشاف نظام مائي متطور بجوار الهرم الأحمر قد يغيّر فهم بناء ...
- الشرطة اليونانية تعتقل عمدة بلدة ساحلية على خلفية حريق غابات ...
- محكمة أمريكية توجه ضربة كبيرة لترامب تستهدف حلمه ببناء قاعة ...


المزيد.....

- حرير فراشة الحكايات / ميرفت الخزاعي
- الحضارة والثقافة العربية: قراءة في القرن الحادي والعشرين / فؤاد عايش
- أخلاق الرسول كما ذكرها القرآن الكريم بالانجليزية / محمود الفرعوني
- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - إسماعيل نوري الربيعي - العراقيون يرجمون القطار؟ قراءة في سيكولوجيا الظل الجمعي بمنظور كارل غوستاف يونغ