أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - حين تعبر الطفولة حدود اللغة: جليل خزعل وشاكر حسن راضي في مشروع ثقافي يستعيد بغداد إلى العالم















المزيد.....

حين تعبر الطفولة حدود اللغة: جليل خزعل وشاكر حسن راضي في مشروع ثقافي يستعيد بغداد إلى العالم


إسماعيل نوري الربيعي

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 19:16
المحور: الادب والفن
    


ليست ترجمة الأدب فعلاً لغوياً محضاً، ولا هي مجرد نقلٍ للنص من لغة إلى أخرى، وإنما هي، في جوهرها، انتقالٌ للذاكرة، وتوسيعٌ للجغرافيا الثقافية، وإعادةُ تقديم الإنسان في صورته الأكثر نقاءً. وحين يكون النص المترجم شعراً للأطفال، فإن المهمة تزداد تعقيداً، لأن المترجم لا ينقل كلماتٍ فحسب، بل ينقل إيقاع البراءة، وعفوية الدهشة، وموسيقى الطفولة التي يصعب الإمساك بها حتى داخل اللغة الأم. ومن هنا تأتي أهمية صدور ديوان "Baghdad and the Joys of Childhood" للشاعر العراقي الكبير جليل خزعل، مترجماً إلى اللغة الإنكليزية بقلم الكاتب والمترجم الدكتور شاكر حسن راضي، عن دار المأمون للترجمة والنشر؛ فهو حدث ثقافي يتجاوز حدود الإصدار الورقي ليؤسس لحوار جديد بين الثقافة العراقية والعالم. إن هذا المشروع لا يمثل نجاحاً فردياً لشاعر أو مترجم، بل يقدّم نموذجاً لما ينبغي أن تكون عليه المؤسسات الثقافية العراقية حين تجعل من الترجمة مشروعاً وطنياً لحماية الذاكرة، وإيصال صورة العراق الإنسانية إلى القارئ العالمي، بعيداً عن الصور النمطية التي اختزلت هذا البلد، لعقود طويلة، في الحروب والأزمات.
جليل خزعل... شاعر جعل الطفولة وطناً شعرياً
حين يُذكر شعر الأطفال في العراق، يتقدم اسم جليل خزعل بوصفه أحد أكثر الأصوات رسوخاً وتأثيراً. فالرجل لم يكتب للأطفال بوصفهم جمهوراً صغيراً يحتاج إلى التسلية، وإنما تعامل معهم باعتبارهم المستقبل الذي تتشكل فيه القيم واللغة والخيال. ولهذا جاءت قصائده بعيدة عن الوعظ المباشر، وقريبة من عالم الاكتشاف واللعب والأسئلة الأولى. لقد استطاع جليل خزعل، عبر عقود طويلة، أن يؤسس مدرسة خاصة في الكتابة للطفل، تقوم على احترام عقل الطفل، وعدم تبسيط العالم إلى حد الابتذال. فالطفل في قصائده لا يتلقى المعرفة، بل يصنعها، ولا يحفظ الجمال، بل يكتشفه بنفسه. وهذه هي السمة الكبرى لكل أدب أطفال حقيقي؛ إذ يمنح الخيال مساحة أوسع من التعليم، ويجعل اللغة جسراً إلى الحرية لا وسيلة للتلقين. ومن يتأمل تجربته يجد أنها حافظت على توازن نادر بين البعد الجمالي والبعد التربوي. فقصائده ليست دروساً مدرسية مقفاة، كما أنها ليست ألعاباً لغوية فارغة، وإنما هي نصوص تزرع الحس الإنساني، وتعيد الطفل إلى علاقته الأولى بالطبيعة والبيت والمدينة والأسرة والأصدقاء. ولعل بغداد، في هذا الديوان، ليست مجرد مكان، بل هي ذاكرة تتكلم بلسان الأطفال. إنها بغداد التي تسبق الانقسامات السياسية، وتسبق الخرائط، وتبقى مدينةً للأشجار والأزقة والحدائق والألعاب والأمهات. إنها بغداد التي تسكن الوجدان العراقي أكثر مما تسكن الجغرافيا.
بغداد بوصفها ذاكرة إنسانية
يحمل عنوان الديوان دلالة عميقة؛ فهو لا يقول "طفولة بغداد"، بل يقول "بغداد وأفراح الطفولة"، وكأن المدينة نفسها تشارك الأطفال فرحهم، وتتحول إلى شخصية حية ترافقهم في نموهم. وهذا الاختيار ليس لغوياً فحسب، بل هو رؤية ثقافية؛ لأن المدن العظيمة لا تُعرّف بتاريخها السياسي وحده، وإنما أيضاً بما تمنحه للأطفال من ذاكرة. وكل مدينة تفقد أطفالها تفقد مستقبلها، وكل مدينة تنجح في الاحتفاظ بطفولتها تبقى قادرة على تجديد ذاتها. ولهذا فإن الديوان يقدم للقارئ الأجنبي صورة أخرى للعراق؛ صورة لا تبدأ بالحروب، وإنما تبدأ بالحدائق، ولا تنتهي عند الخراب، وإنما تستعيد قدرة الإنسان العراقي على صناعة الفرح رغم كل شيء. إنها استعادة للبعد الإنساني الذي كثيراً ما غاب عن السرديات العالمية المتعلقة بالعراق.
تكمن خصوصية هذا المشروع أيضاً في شخصية المترجم الدكتور شاكر حسن راضي، الذي ينتمي إلى جيل من المترجمين العراقيين الذين لا يتعاملون مع الترجمة بوصفها مقابلات لغوية، بل بوصفها إعادة كتابة مسؤولة للنص داخل ثقافة جديدة. فالترجمة الأدبية، ولا سيما ترجمة الشعر، ليست نقلاً للحروف، وإنما نقلاً للإيقاع والصورة والانفعال والظلال الثقافية. ولهذا فإن نجاحها يعتمد على امتلاك المترجم حساً أدبياً يوازي معرفته اللغوية. وقد عرف الدكتور شاكر حسن راضي، طوال مسيرته، بدقته العلمية، وذائقته اللغوية الرفيعة، وقدرته على الجمع بين الأمانة للنص الأصلي، والانسيابية التي تجعل النص المترجم يبدو وكأنه كُتب ابتداءً باللغة الجديدة. وهذه القدرة تزداد أهمية في أدب الأطفال، لأن اللغة هنا لا تحتمل التعقيد، ولا تسمح بالترجمة الحرفية، كما أنها تحتاج إلى موسيقى داخلية تجعل الطفل الأجنبي يشعر بالحيوية نفسها التي يشعر بها الطفل العربي. إن المترجم، في مثل هذا العمل، يصبح شريكاً في الإبداع، لا مجرد وسيط بين لغتين.
صداقة تحولت إلى مشروع ثقافي
من أجمل ما يحيط بهذا الإصدار أنه ثمرة علاقة إنسانية وثقافية عميقة بين الشاعر جليل خزعل والدكتور شاكر حسن راضي. فالترجمات الكبرى كثيراً ما تولد من الثقة المتبادلة، لأن المترجم لا يترجم الكلمات وحدها، بل يدخل إلى العالم الداخلي للمؤلف. وحين تقوم الترجمة على معرفة طويلة، وصداقة راسخة، يصبح فهم المقاصد أعمق، وتغدو القدرة على التقاط النبرة الشعرية أكثر دقة. إن الثقافة العراقية عرفت نماذج كثيرة من الصداقات التي تحولت إلى مشاريع معرفية كبرى، وهذه التجربة تواصل ذلك التقليد الجميل الذي يجعل العلاقة الإنسانية مصدراً للإبداع، لا مجرد علاقة شخصية.
يأتي صدور هذا العمل عن دار المأمون للترجمة والنشر ليعيد التذكير بالدور التاريخي الذي اضطلعت به هذه المؤسسة منذ تأسيسها. فقد كانت دار المأمون، عبر عقود، أحد أهم الجسور التي ربطت الثقافة العراقية بالثقافات العالمية، سواء من خلال ترجمة الآداب الأجنبية إلى العربية، أو عبر نقل الإبداع العراقي إلى اللغات الأخرى. وفي زمن تتراجع فيه مشاريع الترجمة المؤسسية في كثير من البلدان العربية، يمثل هذا الإصدار رسالة واضحة بأن المؤسسات الثقافية ما تزال قادرة على إنتاج مشاريع نوعية، إذا ما توافرت لها الرؤية والإرادة. إن ترجمة الأدب العراقي ليست ترفاً ثقافياً، بل هي جزء من الدبلوماسية الثقافية، ومن بناء صورة العراق في العالم، وهي مهمة لا تقل أهمية عن أي مشروع تنموي آخر.
لماذا يحتاج العالم إلى شعر أطفال عراقي؟ قد يبدو السؤال غريباً لأول وهلة، لكنه في الحقيقة سؤال جوهري. فالعالم لا يحتاج إلى معرفة تاريخ العراق السياسي وحده، بل يحتاج أيضاً إلى التعرف على أحلام أطفاله، وأغانيهم، وألعابهم، وطريقتهم في رؤية العالم. إن الأدب هو أكثر الوسائل قدرة على مقاومة الصور النمطية. وحين يقرأ الطفل في كندا أو بريطانيا أو اليابان قصيدة لطفل من بغداد، فإنه يكتشف أن الأحلام متشابهة، وأن الضحكة واحدة، وأن الإنسانية أوسع من الحدود السياسية. وهكذا تتحول القصيدة إلى جسر ثقافي، وإلى درس غير مباشر في السلام والتفاهم بين الشعوب. يفتح هذا المشروع باباً واسعاً للتفكير في مستقبل الأدب العراقي المترجم. فما تزال المكتبة العالمية تفتقر إلى حضور يليق بغنى التجربة العراقية، ولا سيما في أدب الطفل. إن نجاح مثل هذه المبادرات ينبغي أن يدفع المؤسسات الثقافية والجامعات ودور النشر إلى إطلاق برامج متخصصة لترجمة الأعمال العراقية المتميزة، لأن الترجمة ليست نهاية النص، بل هي بداية حياته الجديدة. وليس من المبالغة القول إن كثيراً من الأمم عُرفت عالمياً عبر أدبها المترجم أكثر مما عُرفت عبر تاريخها السياسي.
مشروع يستحق أن يُحتفى به
لا يمثل هذا الديوان مجرد إضافة إلى المكتبة الإنجليزية، بل يمثل إعلاناً عن قدرة الثقافة العراقية على إنتاج خطاب إنساني يتجاوز اللحظة السياسية، ويصل إلى الإنسان أينما كان. لقد منح جليل خزعل الطفولة العراقية صوتها الشعري، ومنحها شاكر حسن راضي لغة أخرى تستطيع أن تخاطب بها العالم، بينما وفرت دار المأمون الإطار المؤسسي الذي جعل هذا اللقاء ممكناً. وهكذا اكتملت أضلاع مشروع ثقافي نادر: شاعر يمتلك رؤية، ومترجم يمتلك الحس والاقتدار، ومؤسسة تؤمن برسالة الثقافة. إن القيمة الحقيقية لهذا العمل لا تكمن في عدد صفحاته، ولا في لغة صدوره، بل في ما يفتحه من أفق جديد أمام الأدب العراقي. فهو يؤكد أن العراق لا يصدر إلى العالم تاريخه العريق وحضارته القديمة فحسب، بل يصدر أيضاً طفولته، وأحلامه، وأغانيه، وحقوله الخضراء، ودفء أمهاته، وبهجة حدائقه. وهذه هي الصورة التي تبقى أطول في ذاكرة الشعوب. ولعل أجمل ما يمكن أن يقال عن هذا المشروع أنه أعاد بغداد إلى العالم من بوابة الفرح لا من بوابة المأساة، ومن نافذة الطفل الذي يركض في الحديقة لا من نافذة الأخبار العاجلة. وحين تنجح قصيدة في أن تجعل مدينة كاملة تبدو أكثر إنسانية، وتنجح ترجمة في أن تنقل ذلك الإحساس إلى لغة أخرى دون أن تفقد دفئه، فإننا نكون أمام إنجاز ثقافي حقيقي يستحق الاحتفاء، لأنه يبرهن أن الأدب، في النهاية، هو اللغة الوحيدة التي تستطيع أن تجعل الطفولة تتحدث إلى العالم كله.



#إسماعيل_نوري_الربيعي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الشهادة والمعرفة الشعرية، حين يقرأ شاعرٌ شاعراً: علي جعف ...
- مؤيد الونداوي وقراءة الصحافة البريطانية: العراق عشية الاستقل ...
- فالح مهدي وإعادة التفكير في أسطورة الفردوس الأندلسي:
- رواية كريم شعلان -جمرة الله-: سقوط الأيقونات في متاهة البحث ...
- ذياب مهدي آل غلام، أو حين تصبح الذاكرة آخر الأوطان
- جدلية الوثيقة والتفسير في مشروع المؤرخ غسان متعب الهيتي نحو ...
- الرابع عشر من تموز... حين يتحول السؤال الخاطئ إلى معركة لا ت ...
- صادق ياسين الحلو، المؤرخ الذي ربى العقول قبل أن يكتب التاريخ
- برفسور عبد الأمير كاظم زاهد، سيرة عقل يبحث عن المعنى
- دنيا ميخائيل، شاعرة الغياب الذي لم يغادر العراق
- دنفش في طمأنينتها قراءة سيميولوجية في لوحة الفنان التشكيلي م ...
- عبد الأمير المجر، حين يتحول الأدب إلى ذاكرة مجتمع
- الشاعر فرج الحطاب؛ كرامة الهامش
- الجنة بوصفها معرفة: قراءة إبستمولوجية في تشكّل الأمل الديني
- من عزلة الكائن إلى يقين المعنى: قراءة معرفية في قصيدة سلام ا ...
- صالح هويدي؛ الناقد الذي جعل من القراءة فعلاً ثقافياً
- محمد عبد الرضا شياع.. ناقد عبر الجسور الثقافية وباحث في أنسا ...
- كاظم جاسم الطائي.. حين تتحول الصحافة الرياضية إلى سيرة مهنية ...
- اللواگة بوصفها رغبة مؤجلة
- قراءة في كتاب علاء اللامي؛ تموز بين الذاكرة والأيديولوجيا


المزيد.....




- ماتياس يايسله يترك الدوري السعودي ويتولى القيادة الفنية لفري ...
- منزل الفنان الروسي ريبين -بيناتي- يفتح أبوابه للزوار قبل اكت ...
- النائب نهلة الأفندي: -المدى- كرّست الإعلام الحر ورسخت ثقافة ...
- لوحات تروي الحكايات.. معرض يحتفي بإرث الفنان الروسي إيفان بي ...
- تكريم الممثلة الإيطالية إيزابيلا روسيليني في مهرجان لوكارنو ...
- فنانة مصرية توجّه استغاثة عاجلة لوزارة الداخلية
- أصالة تعود إلى دمشق بعد غياب.. رحلة إلى البيوت التي خبأت طفو ...
- الإرميتاج يبحث عن أسرار فينوس تاوريد.. من مصدر الرخام إلى أل ...
- حجر رشيد مفتاح فهم اللغة المصرية القديمة
- القدس... معركة الرواية التي لا يجوز أن نخسرها


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - إسماعيل نوري الربيعي - حين تعبر الطفولة حدود اللغة: جليل خزعل وشاكر حسن راضي في مشروع ثقافي يستعيد بغداد إلى العالم