أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حين انحنت العصا














المزيد.....

قصة قصيرة: حين انحنت العصا


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8790 - 2026 / 8 / 7 - 08:11
المحور: الادب والفن
    


ثمة مواقف لا يطويها الزمن، بل يخبئها في ذاكرته حتى تأتي اللحظة المناسبة ليعيدها إلى أصحابها، لا انتقاماً، وإنما درساً جديداً في معنى التربية، ومعنى الوقوف أمام الذات.
كان يشرح درساً في مادة الطبيعيات لطلبة إحدى الإعداديات العامة. كان الصف هادئاً، إلا من طالب لم يكف عن إثارة الضجيج، يلتفت تارة إلى زملائه، ويقاطع الشرح تارة أخرى. نبهه مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، لكن الطالب ظل يبتسم وكأن الأمر لا يعنيه.
قال في نفسه:
- إن تركت الأمر، ضاع حق بقية الطلبة في التعلم... والانضباط ليس عقوبة، بل احترام للجميع.
رفع رأسه وقال بهدوء حازم:
- اخرج من الصف... ولن تعود حتى تدرك أن للدرس حرمته.
خرج الطالب وهو يتمتم بكلمات لم تتضح، ثم عاد الهدوء إلى القاعة، وأكمل المعلم شرحه كأن شيئاً لم يكن.
بعد أكثر من ساعة، وبينما كان ينتقل إلى الحصة التالية، دوّى صخب غير مألوف في ساحة المدرسة. تجمع الطلبة عند الممرات والنوافذ، وأخذت الرؤوس تمتد لمعرفة ما يحدث.
التفت نحو الساحة، فرأى شيخاً متقدماً في العمر، يتوكأ على عصا غليظة، يلف رأسه بشماغ أسود، وقد علا صوته وهو يصيح:
- أين هو؟... أين هو الذي طرد ابني؟
تسمرت قدماه. كلما اقترب الشيخ، بدأت ملامحه تتضح، حتى باغتته الذاكرة قبل أن تنطق الشفاه.
- أيعقل...؟ أهو معلمي في المرحلة الابتدائية؟
وفي لحظة واحدة، تداخلت الأزمنة؛ لم يعد يرى ساحة المدرسة، بل رأى غرفة صف قديمة، ومقاعد خشبية، وعصاً طويلة كانت تستقر في يد ذلك الرجل. تذكر الوجوه المرتبكة، والأيدي الصغيرة الممتدة خوفاً من العقاب، والصمت الذي كان يسبق وقع العصا.
وقف الشيخ أمامه وقال بنبرة يغلب عليها الغضب:
- أنت الذي طردت ابني من الحصة الدراسية؟
نظر إليه باحترام لم يمحه الزمن، ثم أجاب بهدوء:
- نعم... طردته بعد أن كررت تنبيهه أكثر من مرة.
ساد صمت ثقيل.
وفي داخله دار حديث لم يسمعه أحد:
- ما أقسى أن أقف اليوم أمام معلمي... لكن الأشد قسوة أن أخون قناعتي في التربية.
رفع بصره إلى الشيخ وقال بصوت خفيض، لكنه واضح:
- يا أستاذ... عندما كنا تلاميذك، لم يكن أحد يجرؤ على أن يهمس بكلمة وأنت تعاقبنا بالعصا. أما أنا، فلم أضرب ابنك، ولم أهِنه، وإنما أخرجته من الحصة حفاظاً على حق زملائه في التعلم.
بقي الشيخ ينظر إليه طويلاً. كأن الكلمات نزعت من يده عصا لم تكن من خشب، بل من زمن كامل.
أطرق برأسه، ثم قال بصوت خافت:
- صدقت...
ولأول مرة، بدت العصا التي يتكئ عليها أخف من سنوات عمره.
استدار الشيخ وغادر الساحة ببطء، بينما ظل الطلبة يراقبونه في صمت، وقد خمد الضجيج الذي جاء به.
أما المدرس، فعاد إلى صفه، لكنه شعر أن درس الطبيعيات انتهى منذ زمن، وأن الدرس الحقيقي قد ألقاه الزمن نفسه في ساحة المدرسة.
وفي ذلك اليوم، أدرك أن التربية لا تنتصر حين ترفع العصا، بل حين تنحني لها الحقيقة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: جيوبُ التفكير
- قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر


المزيد.....




- رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: من المقرر الانتهاء من ...
- اكتشافات أثرية جديدة في ألتاي تكشف أسرار حضارتي بازيريك وأفا ...
- لم يرغب أحد في نيله خلال عهد بطرس الأكبر.. ما قصة -وسام السك ...
- حسن بايكر: المؤثر الذي نقل الرواية الفلسطينية إلى -جيل زد- و ...
- -لا حاجة للاستيراد هذا الموسم-.. سوريا تحقّق الاكتفاء الذاتي ...
- قاليباف: لسنا بحاجة إلى مزيد من الدبلوماسية المسرحية
- السينما كسلاح أيديولوجي.. كيف يؤطر فيلم -المواطن المنتقم- ال ...
- وزير التربية والتعليم ورئيس مؤسسة اليابان يوقعان اتفاقية تعا ...
- الطاغوت
- ماتياس يايسله يترك الدوري السعودي ويتولى القيادة الفنية لفري ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حين انحنت العصا