يوسف يوسف
الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 23:58
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
أستهلال :
عقلية الفرد تختلف في نظرتها للحقائق والوقائع والأحداث ، بل تكون متباينة في كل حدودها وأفقها العقلاني ، وهذا يرجع إلى التكوين الفكري والثقافي والأسري للفرد ، إضافة إلى درجة وعي الفرد المجتمعي ، كما تتأثر عقلية الفرد بالعوامل الخارجية المحيطة به - كالأوضاع السياسية والاجتماعية والمؤسساتية . وتنعكس عقلية الفرد بذات الوقت على هذه الأوضاع . أي أن عقلية الفرد تؤثر وتتأثر بأوضاع المحيط الخارجي . وسأسترسل بهذا المقال ، لأبين دور هذه العقلية ، في نموذجي العراق وإيران .
الموضوع :
* الفرد السلبي : هناك أفراد ذو عقلية سلبية ، وهذه العقلية لا تستطيع أن تقييم الأمور ، فهم لا يمكن أن يفرقوا بين صالح أو طالح الأوضاع والأمور ، وهذه الفئة من الأفراد ، حتى وإن تيقنت من أمر ما ، فهي ليست لديها من ردة فعل تجاهه ، أو ليس لديها الرغبة بالقيام بأي فعل تجاه أي وضع - لأنها لا تملك القدرة على ذلك . كما أن هذه الفئة ، لا يمكن أن تخلق أي وعي في المجتمع ، ولا يعتمد عليها في أي تقديم أي خطوة أو مساهمة في أي تطور مجتمعي أو فكري .
* الفرد الإيجابي السلبي : هذه الفئة ، عامة تكون مثقفة وواعية ، ومتيقنة من كل الأوضاع الاجتماعية والسياسية .. وهي على أطلاع تام على حقيقة الأمور .. ولكنها لا تحرك ساكنا تجاه أي وضع ، لهذا هذه الشريحة ، هي إيجابية في نظرتها ومعرفتها للأمور ، ولكنها ليست لديها أي ردة فعل ، تجاه الأوضاع الغير صائبة من الأمور - لذا فهي سلبية ، بالرغم من كل وعيها المجتمعي الإيجابي .
* الفرد الإيجابي : هذه الفئة لديها الفكر والوعي والقابلية والإدراك لتقييم وإصلاح الأوضاع ، بما تمتلكه من ثقافة ووعي فكري ومجتمعي .. وهي تنقسم إلى فئتين : (أ) فئة على إدراك ووعي تام من حقيقة الأوضاع ، ولكن ليس لديها الأدوات لتقديم أي خطوة إصلاحية . (ب) فئة لديها كل الحقيقة ، ولها إدراك ومعرفة بكل الأوضاع ، ولديها القدرة والإمكانيات على تصويب الأوضاع والأمور .. وهذه الفئة هي التي يعول عليها في عملية التطور ، والتي تقود بالنتيجة إن تحركت ، إلى خلق تغيير إيجابي .
القراءة :
* للعقلية الشخصية للفرد ، مؤشرات على الأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية .. للدول ، وسأتناول في هذا المقام تحديدا العراق و إيران – كنموذج ، مركزا على جمهور الشيعة لأنهم يشكلون الغالبية العظمى للبلدين أعلاه / كما أن السلطة و الحكم شيعيا في البلدين ، أي تحت سيطرتهم .
1 . العراق و إيران - معا :- بصدد " الفرد السلبي " .. في العراق وإيران كما هو معلوم ، الغالبية العظمى منهم يتبعون المذهب الشيعي / الإثني عشري ، وأن هذه الفئة تشكل معظم المجتمع في البلدين - الذي هو مسير وليس مخير ، ويتبعون المرجعيات الدينية .. هنا يظهر بشكل جلي " ثقافة القطيع " ، ففي العراق / معظمهم يقلدون المرجع الشيعي علي السيستاني .. أما في إيران فيتبعون الولي الفقيه - مجتبى الخامنئي / الغائب تماما عن الساحة ! . وهذا القطيع في الدولتين شبه مغيب ، لأن معظمهم مشغولين بالطقوس الشيعية " وتبلغ عدد المناسبات السنوية الشيعية 32 مناسبة / نقل من موقع المرجع " ، وهذه الفقرة تشترك بها العراق و إيران بالعموم ، عدا بعض الاختلافات .
2 . العراق وإيران - معا :- بصدد " الفرد الإيجابي السلبي " .. هذه الفئة المثقفة الواعية ، هي موجودة في البلدين ، ولكنها تعيش حياتها الخاصة ، دون أي اهتمام بالوضع العام / سياسيا أو اجتماعيا .. لإنها غير مبالية بواقع الأحداث الآنية ، أو بما سيجري من أحداث . وهذه الفئة أيضا ، مهتمة بأعمالها الاقتصادية وحياتها المجتمعية الخاصة ، دون الاكتراث بأوفكري وضاع الآخرين .
3 . (أ) العراق : بصدد " الفرد الإيجابي " .. في العراق هناك نخب فكرية ولها بعد اجتماعي وثقافي / أما العلماء فأكثرهم قد صفوا أغتيالا أو قد هاجروا أو هجروا ! ، وهذه الفئة تفتقر للوسائل التي ممكن أن تحقق تغييرا في النظام - السياسي أو الاجتماعي .. خاصة السند العسكري . ولا زال رجال الدين مؤثرين مجتمعيا على فكرهم - نسبيا . وقد برزت فئات ثورية شبابية / ثوار تشرين ، ولكن هذه الشريحة ، فشلت في تحقيق أي تغيير مهم . والشباب قدموا مئات الشهداء في سبيل الوطن ، وأورد مقطعا - بهذا الصدد ، من مقال منشور بموقع / مركز الرافدين للدراسات الإستراتيجية ، للباحث : حسين صالح السبعاوي { اندلعت الثورة في تشرين الأول من عام ٢٠١٩ وتركزت في وسط وجنوب العراق احتجاجا على تردي الأوضاع الاقتصادية للبلد ، وانتشار الفساد المالي و الإداري ، إضافة لرفض نظام المحاصصة الطائفية ، ورفض التدخل الإيراني في الشأن العراقي ، ثم ارتفع سقف مطالب المتظاهرين إلى إسقاط النظام واستقالة حكومة " عادل عبد المهدي " ، وتشكيل حكومة مؤقتة وإجراء انتخابات مبكرة . وواجهت القوات الأمنية هذه المظاهرات بعنف شديد ، واستعملت الرصاص الحي والقناصة في مواجهة المتظاهرين ، حيث بلغ عدد الضحايا حوالي ٨٠٠ مواطن وأصيب أكثر من ١٧ ألف بجروح خلال المظاهرات ، ومن بينهم ٣ آلاف “ إعاقة ” جسدية ، فضلا عن اعتقال العديد منهم ، وتعتبر هذه الانتفاضة هي الأكثر ضراوة في العراق منذ انتهاء الحرب على “ داعش ” في كانون الأول عام ٢٠١٧ } .
(ب) إيران : بصدد " الفرد الإيجابي " .. في إيران فيها أيضا نخب فكرية وثقافية وعلمية / العلماء مشغولون بالبرامج النووية ، أما الشباب فقد قاموا بمظاهرات جماهيرية واسعة ، وقدموا ألاف الضحايا ، ووفق موقع / فرانس 24 ، أورد التالي { تم تأكيد مقتل 4 آلاف شخص في حصيلة مؤقتة ، فيما تحدثت تقديرات عن سقوط 20 ألف قتيل .. يبقى من المستحيل بالنسبة إلى مختلف المراقبين من تقديم حصيلة دقيقة لعدد ضحايا القمع الذي تشنه السلطات الإيرانية القمعية . } .
* وكل هذه المظاهرات في العراق وإيران ، كانت محاولات من أجل تحقيق ولو فسحة أنفراج سياسي و اقتصادي ومؤسساتي - نسبي .. ولكن الحراك تمخض في البلدين فقط عن ألاف الضحايا ، دون أن يسفر عن أي نتيجة ! . وذلك بسبب البطش الدموي للحرس الثوري في إيران ، وتنكيل قوات المليشيات والعناصر الأمنية العراقية معا .. تجاه المتظاهرين .
4 . في نهايات المقال ، لا بد لنا أن نذكر أن في البلدين معا / العراق وإيران ، هناك عقلية بني فكرها على نصوص و روايات وأحداث ووقائع ماضوية ، وهي عقلية رجال الدين ، وهذه الفئة ، التي كلما توسعت سلطتها ونفوذها في الحياة المجتمعية .. أدى ذلك ، إلى تحجم و انكماش دور العقلية الشخصية للأفراد .. وكلما أنحصر دور رجال الدين ، أبدعت العقلية الشخصية للأفراد .
إضاءة :
* في هذا المقام لا بد لنا أن نذكر أن " عقلية البنية الشخصية للفرد " بالعموم - بغض النظر من توصيفنا المذكور في أعلاه ، تأثرت ، بالوازع الديني المذهبي ، الأمر الذي جعلها أن لا تتطور كما يجب ! ، بل أن لا تقدم أي مساهمة في تقدم الأوطان / أي في العراق وإيران .. فرجال الدين بعماماتهم وسبحهم و جلاليبهم وخواتمهم ، سيطروا على عقلية الأفراد ، حتى بالأمور الحياتية و المجتمعية والفكرية .. وأصبحت العقلية الشخصية للفرد ، تخضع لتوجهات وضغوطات رجال الدين ، وهذا الوضع أدى بالعراق لأكثر من عقدين ، وبإيران لحوالي خمس عقود ، أن تكونا في وضع الأكثر تأخرا وفسادا وتخلفا في العالم ! .
* أيضا لابد لنا أن نبين أن ثورة الخميني 1978 / الشيعية - التابعة لولاية الفقيه ، ومحاولة تصديرها لدول المنطقة ، ألقت بثقلها على عقلية الفرد الإيراني أولا ، بحيث أنها غرزت فيه النزعة المذهبية ، وقيدت من فكره ومن أي إبداع فكري أو ثقافي ممكن أن يقدمه ، وأيضا أن الثورة الإيرانية ، غيرت من مظاهر الطابع المجتمعي ، فجعلته متقوقع على نفسه - وغير منفتح حضاريا .. ثانيا ، وأن هذه الثورة كرست وعمقت القومية الفارسية ، وجعلت رجال الدين والسياسة ، في إيران أن يشعروا بعلو انتمائهم الفارسي ! .. ثالثا ، من ثم وبذات الوقت ، تمدد هذا الحراك المذهبي كالغزو العقائدي ، إلى العراق تحديدا ، من ثم لبنان فاليمن .. فنشأت أحزاب ومليشيات وحركات ولائها لإيران ، وليس لأوطانهم الذي ينتمون إليه ! .
نقطة نظام :
توسع وتمدد نفوذ رجال الدين في العراق / الشيعة تحديدا ، كان من أهم أسباب بروزه ، هو : (أ) سقوط النظام في العراق في 2003 ، الذي أدى إلى تدخل رجال الدين عقائديا وسياسيا واجتماعيا .. - بعد أنحصار ، بل أنحلال وتفكك ودور مؤسسات الدولة . والعامل الأخر ، هو (ب) امتداد وتوغل النفوذ الإيراني العقائدي والسياسي والميليشياوي .. في العراق - المرتبط بمصالح استراتيجية إيرانية ، هدفها إضعاف العراق .. وهذه هي الطامة الكبرى .
#يوسف_يوسف (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟