أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ازهر عبدالله طوالبه - الجولاني/الشرع وحزب الله: ما الذي تغيّر..؟!















المزيد.....

الجولاني/الشرع وحزب الله: ما الذي تغيّر..؟!


ازهر عبدالله طوالبه

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 16:18
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن صحّت الأنباء المُتداولة عن أنّ ثمّة لقاء سيجمع حزب الله بسلطةِ الأمر الواقِع في سوريا، بعد ترتيبٍ من دولةٍ إقليميةٍ تمتلك مشروعًا عابرًا للحدود وحضورًا وازنًا في الجغرافيّتين، اللبنانيّة والسوريّة، فإنّ الحدث لن يكون لقاءً عاديًا بين خصمين، ولا مُجرّد محاولةٍ لتبريد جبهةٍ سياسيةٍ اشتعلت خلال السنوات الماضية، بل سيكون إعلانًا عن بداية مرحلةٍ جديدة في الإقليم، عنوانها: إعادة ترتيب الأولويات، وإعادة تعريف العداوات، وإخضاع الشعارات القديمة لمُقتضيات المصالح الجديدة.

ذلك أنّ العلاقة بين الطرفين لم تكن، منذ سقوط نظام بشار الأسد، علاقة خلافٍ سياسيٍّ فحسب، بل كانت محمّلةً بإرثٍ ثقيل من الدماء والاتّهامات والقطيعة العقائدية. فالجولاني، الذي أصبح رئيسًا انتقاليًّا للدولة السورية باسم أحمد الشرع، بنى جُزءًا كبيرًا من شرعيّته السابقة على مُواجهة المشروع الإيراني وأذرعه، فيما كان حزب الله يرى في الفصائل التي خرجَ منها الشرع امتدادًا لمشروعٍ تكفيريٍّ استهدف سوريا ولبنان معًا. ولذلك، فإنّ مُجرّد جلوس الجانبين إلى طاولةٍ واحدة، إذا حصل، سيكون اعترافًا مُتبادلًا بأنّ خرائط الأمس لم تعُد صالِحة لإدارة وقائعِ اليوم.

ولعلّ السؤال الأكثر إثارةً لا يتعلّق باللِّقاء نفسه، وإنّما بما يعنيه: هل هو مصالحة..؟! أم هدنة..؟!أم تفاهمٌ اضطراري فرضته التحوُّلات..؟! الأغلب أنّه سيكون من النوع الثالث. إذ إنّ المنطقة لم تعد تسمح لأحد بأن يدير صراعاته بالعقائد وحدها، بعدما أصبحت موازين القوى تتغيّر بوتيرةٍ أسرع من قُدرة الأيديولوجيّات على تفسيرها. فالدُّول التي كانت تدير الاشتباكات بالوكالة باتت تميل إلى إدارة التوازُنات، والقوى المُسلّحة التي اعتادت خوض الحروب المفتوحة أصبحت مُضطرةً إلى التفكير في كيفيّة البقاء أكثر من التفكير في كيفيّة الانتصار.

ومن هنا، فإنّ اللّقاء، إن وقع، لن يكون انتصارًا لأحد الطرفين على الآخر، بل انتصارًا للبراغماتيّة على الخطاب العقائدي. فالسياسة، في نهاية المطاف، لا تحفظ الشعارات بقدر ما تحفظ المصالح، وما يبدو مستحيلًا في زمن الحرب يصبح ممكنًا حين تتغير خرائط النفوذ وتختلف حسابات الرعاة الإقليميين.

لكنّ المُفارقة الكبرى تكمن في أنّ أحمد الشرع نفسه كان قد رفع، في مراحلٍ سابقة، خطابًا يتحدَّث عن القدس بوصفها الوجهة النهائيّة للمشروع الجهادي. وإذا كان الرجل سيجلس اليوم مع حزب الله، الذي طالما رفع شعار "الطريق إلى القدس"، فإنّ السؤال لن يكون: هل فُتحت الطريق إلى القدس..؟! بل: أيُّ طريقٍ هذه التي تغيّرت خرائطها حتى أصبحَ الخصوم شُركاء محتملين فيها..؟! وهل كانت القدس، طوال تلك العقود، غايةً حقيقية، أم رمزًا استخدمته مشاريع مُتنافسة لتبرير صراعاتها المحليّة والإقليميّة؟

الراجح أنّ الطريقَ إلى القدس لم يُعبَّد، وإنّما الطريق إلى التسويات الذي هو بدأ يُعبَّد. فالقُدس بقيت حيث هي، تحت الاحتلال، بينما تغيّرت التحالُفات من حولها مراتٍ لا تُحصى. من قاتل باسمها تصالح مع خصومه، ومن رفع رايتها دخل في تفاهماتٍ مع من كان يكفّره، ومن جعلها عنوانًا لمعركته الأولى وجد نفسه مضطرًا إلى إعادة ترتيب أولويّاته تحت ضغط الوقائع السياسية والعسكرية.

ومن هنا أيضًا، يبرز سؤالٌ آخر أكثر عمقًا: هل نحن أمام اندماج مشروعين أيديولوجيين..؟! في الظاهر يبدو الأمر كذلك، لكنّ التدقيق يكشف أنّ الأيديولوجيات لا تندمج، وإنما تُعلَّق حين تصبح عبئًا على أصحابها. ما يلتقي ليس الفكر، وإنّما الضرورة. وما يجلس إلى الطاولة ليس العقيدة، وإنما المصلحة. ولذلك، فإنّ أيّ تفاهمٍ مُحتمل لن يكون قائمًا على اقتناعٍ متبادل، بل على إدراكٍ مُشترك بأنّ تكلفة الصراع أصبحت أعلى من تكلُفة التفاهُم.

أما الدولة الراعية لهذا اللقاء، إن صحّت الروايات، فإنّها لن تكون معنيةً بإزالة الخلافات الفكريّة بين الطرفين، وسيتمركَز دورها بإنتاج منظومة استقرارٍ تخدم مشروعها الإقليميّ. فالقوى الإقليمية لا تستثمر في الانسجام الأيديولوجي بقدر ما تستثمر في إدارة التوازنات. وهي تُدرك أنّ الخُصوم الذين يمكن التحكُّم بخلافاتهم أكثر فائدةً من الحُلفاء الذين يصعب ضبط طموحاتهم.

وفي حال نجح اللقاء وأُتبعَ بخطواتٍ عمليّة، فإنّ سوريا ستدخل مرحلةً مختلفة من إعادة تشكيل المشهد الأمني والسياسي. فقد يتراجع منسوب الاحتكاك بين دمشق وحزب الله، وقد تُفتح قنواتٌ أمنيّة لتنسيقٍ محدود، وقد يُعاد تنظيم الوجود العسكري على الحدود اللبنانية السورية بطريقةٍ أكثر توافقًا مع المصالح الجديدة. لكنّ ذلك كلّه لن يعني انتهاء التنافُس ؛ لأنّ الملفات التي فرّقت الطرفين لا تزال قائمة، وإن تغيّرت وسائل إدارتها.

أمّا لبنان، فسيكون المُتأثّر الأكبر. إذ إنّ أيّ تفاهمٍ بين دمشق وحزب الله سيُعيد رسم جزءٍ من البيئة الاستراتيجية للحزب، وسيُخفِّف من الضغوط القادمة من الجبهة السورية، لكنّهُ في الوقت نفسه قد يدفع الحزب إلى إعادة تعريف دوره الداخلي والإقليمي، خصوصًا إذا كان الإقليم يتّجه نحو مرحلةٍ تقلّ فيها الحروب المُباشرة وتزداد فيها التسويات المرحلية.

وعلى مستوى الصراع الإقليمي، فإنّ اللِّقاء، إن تمّ، سيكون مؤشرًا إضافيًّا على أنّ المنطقة تُغادر زمن الاستقطابات الصلبة، لتدخل زمن الشبكات المُعقدة من المصالح المتقاطعة. ففي الشرق الأوسط لم يعد السؤال: من هو الحليف..؟! ومن هو العدو..؟! بل: من الذي يمكن التفاهم معه اليوم، ولو كان خصم الأمس، ومن الذي قد يتحوَّل إلى خصم الغد، ولو كان حليف اليوم..؟!

لهذا، فإنّ القيمة الحقيقيّة لهذا اللقاء لا تكمُن في الصورة التي قد تجمع الجانِبين، وإنما في الرسالة التي تحملها تلك الصورة. فهي تقول إنّ الشرق الأوسط لا تحكمه العقائد وحدها، ولا الشعارات وحدها، وإنّما تحكمه لحظةٌ سياسيةٌ تتغيّر باستمرار، وتُجبر الجميع على إعادة تعريف أنفسهم كلّما تبدّلت موازين القوى.

فإذا كان اللِّقاء قد أصبح ممكنًا، فإنّ ذلك لا يعني أنّ مشروعين عقائديين قد انصهرا في مشروعٍ واحد، بقدر ما يعني أنّ الجهة القادرة على إدارة الإقليم رأت أنّ استمرار القطيعة لم يعد يخدم مصالحها، وأنّ زمن إدارة الصراعات قد يفسح المجال، ولو مؤقتًا، لزمن إدارة التسويات. وفي الشرق الأوسط، كثيرًا ما تكون التسويات أقلّ وفاءً للمبادئ، لكنها أكثر تعبيرًا عن ميزان القوة ؛ لأنّ السياسة، في النهاية، لا تتذكّر الشعارات التي رُفعت، بقدر ما تتذكّر الوقائع التي استقرّت.



#ازهر_عبدالله_طوالبه (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الرّهان الآن على سقوط النتنياهو عن عرشه.. وإلّا، سينفّذ حكم ...
- هل أصبح الصراع العربي الإسرائيلي من الماضي..؟!
- كارثة الإتفاق الإطاري.
- هجرَة النبيّ: ميلاد جديد لمفهوم السيادة.
- هل نجحَت إيران في ترسيخ معادلة -الجنوب اللبنانيّ مقابل إسرائ ...
- الحجّ المُميّز جرّد الإستِطاعة من مفهومها..
- غزة لم تصنَع القطيعة، وإنّما كشفتها
- المُختطفات ومُصطلح دار الأخوات..
- المُختطفات ومصطلح دار الأخوات..
- هل هناك حاجة لاتفاق عربي_إيراني يتبلور على ضوء الاتفاق الأمي ...
- ضرورة التحرُّك من أجل مشروعٍ عربيّ
- لماذا تخفي إسرائيل الخسائر في تل أبيب وحيفا وتكشف عنها في دي ...
- بين وعيد أميركا وصبر إيران...هل الحرب مُقبلة على نهاية أم اس ...
- أيّهما الأخطر على سوريا: إسرائيل المتوسّعة أم حزب الله المتل ...
- أنحنُ أمامَ جنونٍ ترامبيّ أميركي في التعاطي مع العالم؟!
- بتولي -مجتبئ خامنئي-.. هل تحوّل المشروع الإيرانيّ من ولاية ا ...
- وقفةٌ مَع آية..
- إشكاليّة بدء شهر رمضان..
- الضفة الغربيّة ومصالح الأُردن فبها..
- مفاوضات مسقط وزيارة نتنياهو: وجهان لمسارٍ واحد.


المزيد.....




- بين العبقرية والجدل.. جون غاليانو يعود إلى واجهة الموضة عبر ...
- ترامب كان على متن مروحية -مارين وان- أثناء حادثة تتعلق بالسل ...
- الإمارات.. تأجيل نظر قضية -العتاد العسكري للسودان- بعد جلسة ...
- الجيش الإسرائيلي يعرب عن قلقه من ظاهرة عبور المستوطنين للحدو ...
- -ذا إيكونوميست-: دول إفريقيا تسارع خطاها للتخلي عن الدولار
- المبادرة المصرية تقاضي الداخلية لتعويض والدة محمد قنديل عن م ...
- هل يدفع بيدرو سانشيز ثمن مواقفه في أزمة سبتة، باعتباره استثن ...
- فيدان للشيباني: تهديد سوريا هو تهديد مباشر لتركيا وعلى إسرائ ...
- التصعيد الجديد في الحرب بأوكرانيا – ما نتائجه المحتملة؟
- الدفاع الروسية: استهداف مرافق مرتبطة بالجيش الأوكراني وإسقاط ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - ازهر عبدالله طوالبه - الجولاني/الشرع وحزب الله: ما الذي تغيّر..؟!