ازهر عبدالله طوالبه
الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 16:48
المحور:
القضية الفلسطينية
قبل أكثر من نصف قرن، شكَّلت حدود الرابع من يونيو/حزيران 1967 مرجعًا سياسيًّا وقانونيًّا للصراع العربي الإسرائيليّ، ورمزًا لإقامة دولةٍ فلسطينية على ما تبقى من الأرض. لكن، الوقائع التي نشهدها اليوم، تطرح سؤالًا مصيريًّا: هل ما زال الصراع العربي الإسرائيلي قائمًا بصيغته التقليديّة، أم أنَّ التحوّلات الكُبرى التي شهدتها المنطقة جعلت منه أثرًا من الماضي..؟!
الإجابةُ عن هذا السؤال تتطلَّب وقفة مُتأنّية عند أدقّ التفاصيل السياسيّة الّتي أوصلتنا إلى واقعنا الراهن، والتغيُّرات الجوهريّة، التي طرأت على خريطة المنطقة، والّتي أدخلت إسرائيل، بموجب اتفاقيات السلام والمعاهدات، في صُلب البنية الإقليميّة، بل جعلتها، في جوانبٍ كثيرة، المتسيّد للإقليم.
أولًا: التحوُّلات الجذريّة في طبيعة الصراع...من المُواجهة العسكريّة إلى التطبيع الاستراتيجي
مرّ الصراع العربي الإسرائيلي بخمس مراحلٍ رئيسية في تطوُّرِه: بدأ بتدشين المشروع الصهيونيّ في فلسطين (1898-1948)، ثم الصراع العسكريّ بجبهةٍ عربيّةٍ موحدة (1948-1967)، فمرحلة نكسة 1967، ثم ما بعد حرب أكتوبر 1973 حتى تفكُّك الجبهة العربية عام 1996، وأخيرًا، مرحلة انتقال العلاقات من السلام إلى التطبيع مع وجود مقاومةٍ داخلية (1996-2023). وكانت السّمة المُميزة لهذه الصراعات هي التوتُّر الدّائم حتى في أوقاتِ المُفاوضات، من كامب ديفيد مرورًا بمؤتمر مدريد للسلام 1991 واتفاق أوسلو 1993، وصولًا إلى وقتنا الحالي.
غير أنَّ عام 2020 شكّلَ منعطفًا حاسمًا في مسار هذه العلاقة، بعد أن أُعلنَ عن توقيع "الاتفاقيات الإبراهيميّة" بين إسرائيل ودول عربيّة، في خُطوةٍ وُصفت بأنَّها "تغييرٌ جذريّ في خريطة التَّحالُفات والمصالح الإقليميّة". وعلى الرغم من أنَّ بعض الدُّول العربيّة، مثل مصر (1978) والأردن (1994)، سبقت تلك الخطوة بتوقيعِ مُعاهدات سلام، جاءت الاتفاقيات الإبراهيميّة مُختلفة من حيث إنها لم تُبرَم نتيجة حرب مع إسرائيل، بل جاءت في إطار "تفاهُماتٍ سياسيّة" اتّسمت بطابعٍ استراتيجيّ.
وهكذا نجحت إدارة ترامب في توقيع اتفاقات تطبيع العلاقات بين إسرائيل وأربع دولٍ عربية هي: "البحرين والمغرب والسودان والإمارات"، وفي نوفمبر 2025 أُعلنَ عن انضمام كازاخستان رسميًّا إلى الاتفاقات، مع حديث عن إمكانيّة توسيعها لتشمل السعودية وسوريا.
فصل القضية الفلسطينية عن التطبيع العربي
لعلَّ أخطر ما في هذه التحوُّلات، كما يرى الدكتور مصطفى البرغوثي، هو مُحاولة فصل القضيّة الفلسطينيّة عن كُلِّ الدول العربيّة، وتصوير التطبيع وكأنَّه هو السلام بحدِّ ذاته، بينما كان المقصود هو المُساعدة على تصفية القضيّة الفلسطينيّة برُمّتها. ويُضيف البرغوثي أنَّ "ما طُرح يهدف إلى تطوير علاقات اقتصادية وتجاريّة وسياسيّة مع الدول العربية بهدف تسهيل تمرير المّخطّطات الإسرائيليّة بسهولة.
فقد تحولت العلاقة بين إسرائيل وبعض الدول العربية من عداء عسكري إلى تعاونٍ اقتصاديٍّ وأمنيٍّ مُتنامٍ." تُشير البيانات الحديثة إلى أنَّ الدُّول العربيّة، بدءًا من السّابع من أُكتوبر وإلى الآن، زادت من صادراتها ووارداتها مع إسرائيل. وقد كشَفت الكثير مِن التقارير عن تعاونٍ عسكريٍّ عميقٍ ومُكثَّف بين الجيش الإسرائيليٍّ وجيوش ستّ دولٍ عربيّة، وهو ما يؤكَّد أنَّ التطبيعَ لم يعُد مُجرّدَ شعارٍ سياسيّ، بل واقعٍ ملموس في مُختلفِ المجالات.
ثانيًا: إسرائيل تتسيَّد المنطقة، أو بتعبيرٍ أكثر دقّة: الهيمنةُ الإقليميّة بلا مُنازِع.
لم تعد إسرائيل طرفًا خارجيًّا في المنطقة، بل أصبحت عضوًا فاعلًا ومتسيّدًا في جسمها. هناك من يرى أن ثمّة ضُغوطًا سياسيّة وأمنيّة كُبرى تّمارسها إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة لفرض نموذج تطبيعٍ قسريّ، توظِّفه كأداةٍ ضمن مساعيها للانتقال بالمنطقة إلى حُقبة "ما بعد استعمارية" جديدة، تُخضِع فيها المنطقة لهيمنة إسرائيليّة بلا منازع. ففي عام 2025، وبعدَ سقوط نظام الأسَد في سوريا، عاد مشروع "إسرائيل الكبرى" إلى الواجهة بشكلٍ صريح، بتصريحات المسؤولين والتحرّكات البرّية، حيث توسّعت حدود إسرائيل خلال هذا العام.
ففي غزة، بدأ الجيش الإسرائيلي بعد اتّفاق وقف إطلاق النار بترسيم ما أسماهُ "الخط الأصفر"، وهو نطاقُ انتشار قوّاته، عبر زرع مكعباتٍ إسمنتيّة ولافتات تحذيريّة، ويمتد هذا الخط على نحو 50 إلى 58% من مساحة قطاع غزة، وأضيفَ إلى ذلكَ اليوم، تغيير مُسمّى "الهجرة الطوعيّة"، إلّا أنّ الهدفَ واحد ؛ إفراغ غزّة من أهلها، وتوسيع المناطِق الآمنة للكيان، وهذا هو الحالُ أيضًا في لُبنان، حيثُ حدّد اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله في صيف 2025 انسحاب مقاتلي الحزب إلى شمال نهر الليطاني وإنشاء منطقة عازِلة.
وفي سوريا، بعد الإطاحة بنظام الأسد في 8 ديسمبر2024، كثَّفت إسرائيل من ضرباتها على الأصول العسكرية السوريّة، واستولَت على جبل الشيخ ونقلت قواتها إلى جنوب سوريا. وفي عام 2025 وحده، هاجمت إسرائيل ست دول هي: "فلسطين وإيران ولبنان وقطر وسوريا واليمن" وما زالَت تُهاجِم بعضها حتى هذه اللَّحظة، كما نفّذت ضربات في المياه الإقليميّة التونسيّة والمالطيّة.
الموقف العربي بين الرفض الشعبي والقبول الرسمي
على المستوى الشعبي، يُظهِر المؤشِّر العربيّ لعام 2025 رفضًا كاسحًا للاعتراف بإسرائيل رغم موجة اتفاقات التطبيع في المنطقة. ويُشير استطلاع للرّأي إلى أنَّ "السلام الدافئ" سيبقى دائمًا عملية صعبة، بل يبدو مستحيلًا في الظروف الحالية بين إسرائيل والدول العربيّة. فحرب غزة عزّزت الغضب الشعبيّ في الدول العربيّة، وزادت من حدَّته.
غير أنَّ الموقف الرسمي للأنظمة العربيّة يروي قصة مُختلفة. ففي سبتمبر 2025، ولأوَّل مرة منذ السابع من أكتوبر 2023، وجدت إسرائيل نفسها أمامَ موقفٍ عربيٍّ موحَّدٍ وجاد، وذلك بعد عدوانها على العاصمة القطريّة الدوحة. لكن، هذا الموقف الموحَّد لم يُترجم إلى إجراءاتٍ عقابيّة فعليّة. إذ لم تُفرَض عقوبات على إسرائيل، ولم تُقطع العلاقات بها. وهذا التناقُض بين الموقف الشعبي والموقف الرسمي يعكس حالةَ من الانفصامِ في السياسة العربية تجاه إسرائيل.
ثالثًا: هل الصراع من الماضي..؟!
حول هذا، ثمّةَ انقِسام إلى فئتين. فئةٌ تقولُ بنهاية الصّراع، ولها حجها في ذلك، وأُخرى تؤكّد استمرار هذا الصّراع، ولها حُججها في ذلك أيضًا.
أمّا حجج الفئتين، الّتي تقول بنهاية الصراع، والفضة التي تقول بإستمرار الصّراع، فإنّنا سنتناولها على النّحو الآتي:
يميل بعض المُحلّلينَ إلى القول بأنَّ الصراع العربي الإسرائيلي، بصيغته التقليدية، قد ولّى. فمَع توقيع اتفاقياتِ السلام والتّطبيع، وتفكُّك الجبهة العربيّة الموحّدة، وتحوُّل الصراع من مواجهةٍ عسكريّة بين دولٍ إلى صراعٍ داخليّ فلسطينيٍّ-إسرائيليّ، يمكِن القول إن "العرب" كجبهة موحدة لم يعودوا طرفًا في الصراع. بل إنّ الاتفاقيات الإبراهيميّة، كما يراها البعض، "تمهّد الطريق لإنهاء الصراع العربي الإسرائيليّ، وتفتح آفاقًا لمُستقبلٍ قائمٍ على السلام والتسامح".
كما أنَّ سقوط النظام السوري في نهاية عام 2024، وإضعاف محور المقاومة، وتهميش الدور الإيراني في بعض الساحات، كُلّها عواملٌ أسهمت في إعادة تشكيل خريطة الصراع بما يخدم المصالح الإسرائيلية. والواقع أنَّ إسرائيل تمكَّنت في العام 2024 من احتواء الصدمة التي أحدثتها هجمات 7 أكتوبر، واستعادة توازنها.
في المقابل، يرى آخرون أنَّ الصراع لم ينتهِ، بل تحوّل وتعمق. فالقضيةُ الفلسطينيّة ما زالت حاضِرة في وجدان الأُمّة العربيّة، وتتصدَّر المشهد العالميّ مع دخول عام 2025، مُسجلةً أعلى المُستويات في الانتشار الجُغرافيّ ومستوى الخطر. فالحربُ على غزة، التي أوقعت آلاف الشهداء ودمّرت أكثرَ من 70% من البنية التحتية، أعادت القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام العالمي، وأظهرت أنًّ الصراعَ لم يُحل بعد.
بل إنّ إسرائيل تواجه اليوم عزلة دوليّة مُتسارِعة تدفعها نحو مسار "الدولة المنبوذة"، مع تفاقم الانقسامات الدولية حول الحرب وسياساتها العدوانية. ففي 19 يوليو 2024، أصدرت محكمة العدل الدوليّة رأيًا استشاريًّا اعتبرته تاريخيًّا، بأنَّ استمرار الوجود الإسرائيليّ في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني.
كما أنَّ الصراعَ نفسه تجاوز كونه عربيًّا-إسرائيليًّا، ليُصبح صراعًا إقليميًّا مُتعدِّد الأبعاد. ففي عام 2025، شهد الشرق الأوسط تحولاتٍ كبيرة في مُختلفِ القطاعات، حيث يشهد المشهد السياسيّ تحوّلاتٍ في التحالُفات وديناميكيّات القوّة. واليوم، يمرّ المشرق العربيّ بواحدةٍ من اللَّحظات المفصليّة التي يُمكن أن يعاد معها تشكيل واقعه السياسي والاجتماعي.
بين حدود 1967 وخطوط 2025، يتشكَّل واقع جديد في الصراع العربيّ الإسرائيليّ. فما نراهُ اليوم هو ميلادٌ لحُدودٍ جديدة ترسمها الجُدران الإسمنتيّة قبل الاتفاقات السياسيّة. والجواب عن سؤال "هل أصبح الصراع من الماضي..؟!" لا يمكن أن يكون بـ"نعم" أو "لا" مطلقتين.
الصراع العربي الإسرائيلي لم ينتهِ، لكنّه تحوّل جذريًّا. فلم يعد صراعًا بين دُولٍ عربية وإسرائيل بالمعنى التقليديّ، بل أصبح صراعًا مُعقدًا يتداخل فيه البُعد الفلسطينيّ مع البُعد الإقليميّ والدوليّ. والواقع أنَّ إسرائيل نجحت في اجتياح الجسم العربي سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًا، عبر اتفاقيات السلام والتطبيع، وأصبحت متسيّدةً فيه. لكن، هذا النجاح لم يلغِ جوهر الصراع، بل أعادَ صياغته.
تبقى القضيّة الفلسطينيّة حاضرة، وتبقى المًقاومة قائمة، ويبقى الغضب الشعبيّ العربيّ مُتأجّجًا. لكن، الأدوات تغيّرت، والموازين تغيّرت، وخريطة المنطقة تغيّرت.
وعليه، فربما يكون سؤال: "إلى أين يتّجه الصراع في ظلِّ هذه التحوُّلات..؟!" أكثر دقةٍ مِن يؤال: "هل انتهى الصّراع...؟!" والإجابةُ على هذا السؤال تحتاجُ إلى قراءةٍ متأنّيةٍ للمُستقبل، في منطقةٍ لا تكفّ عن التغيّر، وصراعٍ لا يكفّ عن التجدُّد.
#ازهر_عبدالله_طوالبه (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟