أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - زوربا اليوناني بين الرواية والسينما















المزيد.....

زوربا اليوناني بين الرواية والسينما


هويدا صالح
روائية ومترجمة وأكاديمية مصرية

(Howaida Saleh)


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 09:29
المحور: الادب والفن
    


ستظل شخصية "زوربا اليوناني" التي كتبها الروائي نيكوس كازنتاكس هي الأكثر دهشة، يبحث عنها القراء، وتعيد ترجمتها دور النشر المختلفة للغة العربية، وما بين فيلم هوليودي تألق فيه أنتوني كوين، وشخصية روائية رسم معالمها كازنتاكي ترتسم الصورة الذهنية لهذه الشخصية المدهشة والمفارقة. تحكي الرواية قصة مثقف, اسمه باسيل, غارق في الكتب، لا يجيد شيئا سوى القراءة، رسم للحياة صورة ذهنية افتراضية من خلال ما قرأه من كتب، يلتقي مصادفة برجل أميّ بسيط لم ينل حظا من الثقافة والتعليم، لكن خبرته في الحياة كبيرة وتجاربه ثرية بخلاف المثقف المتفاخر بثقافته وعلمه. تنشأ صداقة بين الرجلين يتعلم فيها المثقف باسيل الذي ورث مالا من أبيه الكثير من زوربا عن الحياة وعن حبها وفن عيشها. رسم نيكوس كازنتاكس ملامح شخصية زوربا عبر لغة وصفية تأملية جعلت الشخصية تتحول في ذهن القارئ للحم ودم حسبما يقول أسامة إسبر في مقدمة الرواية عن شخصية زوربا، بل عن بقية شخصيات الرواية:"كانت الشخصية أمامي حية، بدم ولحم حقيقيين، تحاورني وأحاورها"، وذلك لدقة الوصف العميق والمفصل الذي أجاد رسمه الكاتب، حتى أنك تشعر لوهلة أن زوربا هو الشخص الأعظم في هذا العالم. بدا زوربا في النص محبا للحياة بكل أشكالها, لا يذكر الحزن, بل يذكر الفرح دائما في لحظات حزنه الشديد, أو سعادته الشديدة, يرقص رقصته المشهورة على أنغام موسيقى حية وصاخبة. إن هذا الرجل لم يذهب إلى المدرسة، ولكنه مر بكل أنواع التجارب، فتفتح عقله، وكبر قلبه، دون أن يفقد ذرة واحدة من جرأته البدائية. وجميع المشكلات التي تبدو لنا معقدة مستعصية على الحل، يحسمها هو كأنما بضربة سيف، ومن العسير أن يخطئ مثل هذا الرجل هدفه، لأن قدميه ثابتتان في الأرض تحت ثقل جسمه. إنه زوربا بكل صخب الحياة وقوتها، لا يدع للحزن مكانا في قلبه، ولا للكراهية مكانا في روحه.
تقف شخصية زوربا ابن الطبيعة بكل ذكائها وتوقدها في مقابل شخصية باسيل أو"الرئيس" المثقف الذي قضى وقتا كبيرا بين الكتب، لكنه لم يختبر الحياة بقسوتها وعطائها، وهو يمتلك المكانة الاجتماعية والمال، لكنه يراقب الحياة ولا يحياها. لكن من يقرأ الرواية يكتشف أن نيكوس الكاتب ينحاز لشخصية زوربا وينتصر لها، ألم يجعلها العتبة الأهم لقراءة هذا العالم ببكارته ودهشته؟ ألم يجعله عنوانا للرواية؟ إن زوربا الساخر الأبدي من الكتب يواجه صديقه باسيل:" كتبتك تلك أبصق عليها، فليس كل ما هو موجود، موجود في كتبك ". لقد جمعت الرواية بين هذين الشخصين المتناقضين فكرياً وعقائدياً وسلوكياً بعلاقة وشيجة لم يكن قوامها المصلحة أو تبادل المنفعة، بل هي علاقة تحكمها التكاملية فكل منهما رأى في الآخر مكملا لنفسه، وكأن كل منهما وجد في الآخر نصفه المفقود أو نصفه الذي يبحث عنه.
يصف المترجم شخصية زوربا بجمل شعرية عذبة، وخاصة في أوقات الحزن، يقول:" يتحول زوربا إلى مغنٍ مقدوني جوال وهو يحمل في يده آلة "السانتوري"، وعبرأوتارها يجعلك تحب الحزن القاسي، وتنعم بالألم العظيم، وحين يثب في الهواء ببرقصته المشهورة، رغم أعوامه الكثيرة تتمنى مثل باسيل الرئيس أن تقفز مثله، وربما وقفت مثله ورقصت، يرقص زوربا حتى في الفجائع، فهل تقدر على مجاراته؟ يرقص أمام جثة ابنه، فهل ترقص أنت لموت عصفور أو فراشة أو آيل؟يرقص في الحزن لكي لا يميته الحزن والأسى، يرقص لأن اللغة لا تقول شيئا، فهل تجرب في وضع مماثل؟" مجنون هو زروبا، وحكيم في نفس الوقت:" كلا لا أؤمن بشيء بالمرة . كم مرة يجب أن أكرر هذا . فأنا لا أؤمن بأي شيء أو بأي شخص . بل بزوربا وحده , ليس لأن زوربا أحسن من غيره , ولكن لأن زوربا هو الوحيد الذي يقع تحت سلطتي,والوحيد الذي أعرفه . أما الباقون فكلهم أشباح, فانا أرى بهاتين العينين, واسمع بهاتين الأذنين , وأهضم بهذه المعدة . كل الباقون أشباح أقول لك, عندما أموت, فسوف يموت كل شيء معي. كل العالم الزوربي سوف يغوص في الأعماق".
مساءلة العالم والقلق الوجودي
إن النص يطرح أسئلة فلسفية عميقة، يتساءل عن ماهية الروح؟ وما علاقتها بغيرها مما يشكل هذا الوجود؟ ما الذي يجري في الأعالي؟ من صنع كل هذه الأشياء؟ ولماذا يموت الناس؟ إن زوربا مثل زراديشت، إنها رواية تتحرك داخل نظام فلسفي، رغم أن زوربا كان شغوفا بالحياة والنساء والنبيذ، فحتما هو لم يتوقف عن عيش الحياة؛ ليطرح أسئلة الوجود، ربما طرحها القارئ وهو يقارن الحوارات التي كانت تدور بين باسيل وزوربا، وكأن الكاتب أراد أن يبسط أسئلة الفلسفة، ويقرب عملية التفلسف من عوام القراء، وكأن الرواية سعت ـ بحسب المترجم ـ إلى أن :"تقهر المتعالي الفلسفي، والمتعالي اللاهوتي، وأي متعال آخر، تصبح فيه النفس البشرية سفينة نوح، لإنقاذ الجوهر، لا القشرة، القشرة تحملها المياه، أما الجوهر،فإنه يتمسك بتأملاته، بإرثه، بتراثه،بأسئلته،ضاحكا أو باكيا يعيد الجوهر ترتيب كونه الخاص،ليس مهما اللون، وليست مهمة الديانة، وليس مهما الجنس وليس مهما السن، المهم هي الروح".
يرحل زوربا في الحياة مثل كل العظماء في التاريخ البشري، لا من أجل المال، بل من أجل الإنسان،يأخذ سانتوره، آلته الموسيقية ويعيد تمجيد القمر العالي في سمائه، لأنه يدرك بفطرته أن العالم لا يحتاج لعمال فقراء يكدون في المناجم، ولا لرأسماليين أثرياء يستغلون هؤلاء الفقراء، إنما العالم يحتاج إلى روح وثابة وقلب ذكي يعرف كيف يقطر الحياة قطرة قطرة، فلا تأخذه الحياة من إنسانيته، إنما هو يمنح الحياة ألقا بهذه الروح الضاجة بالحياة الشغوفة بالمتعة التي تهدر مثل سيل، يتألق مثل نجم، أو ربما ـ بحسب تعبير المترجم ـ مثل" كويكب صغير معلق من أشفاره في سجن الفضاء، غامض خصب ملتبس، قادر على اختزال الأبدية في كلمة، وقادر على زرع حب الحياة وعدم الخوف من الموت".
إن نيكوس كازنتاكس يعلن أنه التقى زوربا، فلفت نظره بتلقائيته وعفويته، فقرر أن يخلده بهذا العمل الذي يضج بكثير من الدهشة والتمايز، فقرر أن يصنع منه شخصية ورمزا، لأن الكاتب ببساطة رأى أنه ليس وجها وقسمات، بل يصلح لأن يصير علامة، علامة بكل مفهومها التأويلي، فهو شخصية فاضت على كل حد، وهربت من سجن الرواية ؛لتصبح رمزا للمهمشين، للذين يتعلمون من الحياة، فيلسوف يستقي حكمته من خبرات المعيش ومعترك الوجود الإنساني. صارت رقصته رؤية للكون، رؤية تسخر من المعارف المتطاولة على الدنيا، المتعالية على الأرض. زوربا يعلمنا أن نثور على كل قيود الروح، نثور، ونكسر كل قالب، ونخرج على كل نمطي.
ينتصر نيكوس في هذا النص للثقافة الروحانية الصوفية التي تعلو وتسمو حد العرفانية، وتهبط وتدنو لتغرق في لذائذ الجسد والمتعة حد المادية، إنها الضدية في أبهى تجليها، وفي الحالتين نتعاطف مع شخوص الرواية، وننصت لهسيس أرواحهم دون إدانة لطرف ضد الآخر. إن الكاتب يعلي من المعرفة الحدسية العرفانية على حساب المعرفة المادية العقلانية.



#هويدا_صالح (هاشتاغ)       Howaida_Saleh#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بانتاليون والزائرات : بلاغة السخرية
- الفن في عصر الذكاء الاصطناعي: الدور المتغير للفنانين
- محمد صلاح... حين يصبح لاعب الكرة نصًا ثقافيًا
- حين يهزم الظلم المهارة: تأملات في مباراة مصر والأرجنتين التي ...
- من -لعنة الفراعنة- إلى ما بعد الاستشراق: كيف صنعت هوليوود مص ...
- المايكرودراما الصينية: حين أعادت الدقائق القليلة تشكيل اقتصا ...
- أسد-.. حين تتحول السينما من صناعة الوعي إلى تزوير التاريخ-
- خريطة الملذات
- مسلسل -اللون الأزرق-: بين جمالية التمثيل وارتباك المعرفة
- عالم سعيد نوح الروائي .. ملائكة الشوارع الخلفية وذاكرة الموت ...
- حين يصبح الإلحاد معيارًا للتحضر: أزمة الفهم العلماني في الثق ...
- ستيفن هوكينغ بين الشبهة والخطاب: كيف استثمر الوعظ الديني قضي ...
- اغتيال الذاكرة حين تتحوّل السينما إلى شهادة زور فيلم -الست- ...
- رسائل ثقافية من حفل افتتاح المتحف المصري الكبير
- كارثة طبيعية: حين يتحوّل الحلم إلى عبء
- المتحف المصري الكبير بين الأصالة الكونية والهوية المعولمة
- صحف عالمية: المتحف المصري الكبير هو الحدث الثقافي العالمي ال ...
- الهرم القيمي والتربية في بردية إنسنجر: من حكمة المصري القديم ...
- دراسات ما بعد الاستعمار ودحض دعوات الأفروسنتريك
- رائدات بين الظل والنور: إيفا حبيب المصري.. تقاطعات نسوية في ...


المزيد.....




- الخارجية الروسية: الرواية الألمانية لتفجير -السيل الشمالي- ت ...
- ترامب ينقذ طفلا من السقوط على المسرح ويحول الموقف إلى نكتة ع ...
- خمسة انقلابات غيّرت وجه الإمبراطورية الروسية
- كاريليا في صدارة المناطق الروسية الأكثر ارتباطا بالسينما بفض ...
- فن الفسيفساء الجلدية.. حرفة قازانية عريقة في معرض بمدينة يكا ...
- كاتب يهودي يفكك الرواية الإسرائيلية ويوثق -هندسة الإبادة- في ...
- إطلاق حراك فني فلسفي عالمي من بغداد (مدرسة الأنطولوجيا الحيو ...
- مخرجة فرنسية سورية تروي قصة مهاجرة سورية في فيلم (الغريبة)
- تجربة في المشاهدة: المخرج الصيني تشانغ ييمو
- -ليلة العمى- التركية: موهبة سينمائية ومُنجز مُبهر


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - هويدا صالح - زوربا اليوناني بين الرواية والسينما