أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط














المزيد.....

قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 08:37
المحور: الادب والفن
    


ليس كل من حمل بندقية كان راغباً في القتل، وليس كل من أقسم على الثأر استطاع أن يعبر الجسر الفاصل بين الغضب والرصاصة. فهناك لحظة خفية، لا يسمعها أحد، تتحاكم فيها النفس إلى ضميرها، وتكون أثقل من هدير البنادق كلها.
حين قُتل أخوه الأكبر، الذي كان ما يزال عريساً لم يجف حناء كفيه بعد، ولم تذبل الزهور التي زُين بها باب داره. وقف أمام الجثمان، وأقسم بصوتٍ ارتجف له الواقفون:
- والله لن يبرد دمي حتى آخذ بثأرك.
هز الرجال رؤوسهم موافقين، وردد بعضهم:
- هذا هو الحق... الدم لا يغسله إلا الدم.
أما أرملة أخيه، فقد بقيت في بيت العائلة أشهراً طويلة. كانت شابةً يكسوها السواد، ويثقلها الصمت. وكل يوم كانت تشعر أن الجدران تضيق بها أكثر، وأن أي كلمة، ولو جاءت على سبيل المزاح، تصيب قلبها كالسهم.
كانت في البيت كنّات أخريات، لكل واحدة حياتها وأطفالها، أما هي فكانت وحيدة، تخشى نظرات الشفقة أكثر مما تخشى نظرات الرجال. وكلما رأت الشباب يملأ وجوه الآخرين، شعرت أن عمرها توقف عند لحظة سقوط زوجها.
همست ذات مساء لحماتها:
- سامحيني... سأعود إلى بيت أهلي.
قالت الأم وهي تخفي دمعتها:
- البيت بيتك يا ابنتي.
- أعرف... لكن الذكرى أصبحت أثقل من قدرتي على الاحتمال.
ورحلت...
مضت سنوات، والرجل الذي أقسم على الثأر لم ينس قسمه. كان يسأل ويتتبع الأخبار، ويجمع الخيوط، حتى جاءه ذات مساء رجل يعرف الطرق الخفية.
قال له:
- وجدته.
ارتجف قلبه.
- أمتأكد؟
- نعم... الليلة لن ينجو.
بعد غروب الشمس، سارا بصمت حتى وصلا إلى منخفض كثيف نبت فيه القصب. اختبآ بين سيقانه، ولم يكن يسمع سوى صوت الريح وهي تمر بينها كأنها تهمس بأسماء الموتى.
أشار الرجل بيده.
- هناك... انظر.
رفع رأسه بحذر، فرأى الرجل الذي قلب حياته إلى خراب. كان يتحرك مطمئناً، لا يدري أن عينين تراقبانه منذ دقائق. فك مرافقه أجزاء بندقيته بهدوء، ثم ناوله إياها.
قال بصوت خافت:
- هذه فرصتك.
تردد.
- اقترب أكثر...
اقترب القاتل خطوات.
همس الرجل:
- صوب إلى صدره... واضغط فقط.
ارتجفت أصابعه. رأى وجه أخيه، ثم رأى وجه الأرملة، ثم رأى الأطفال الذين سيكبرون وهم يسألون عن أبيهم.
ارتفع صوت الرجل مرة أخرى:
- ماذا تنتظر؟ هذا ثأرك.
ظل صامتاً.
ثم فجأة...
رأى طفلاً صغيراً يخرج من باب الدار مسرعاً. ركض نحو الرجل المطلوب، فتلقفه بين ذراعيه، وضحك الطفل وهو يشد على عنقه. بعده خرج طفل آخر، ثم امرأة تحمل رضيعاً، ساد الصمت. قال مرافقه بانفعال:
- أطلق... الآن.
لكن إصبعه ابتعد ببطء عن الزناد.
قال الرجل غاضباً:
- أتخاف؟
أجاب وهو لا يزال يحدق في الأطفال:
- لا...
- إذن لماذا؟
تنهد طويلاً وقال:
- لأنني أعرف هذا المشهد.
- أي مشهد؟
- بكاء الأطفال حين يعود الرجل محمولاً على الأكتاف.
ساد صمت ثقيل. أعاد البندقية إلى صاحبها، وقال بصوت بدا كأنه خرج من أعماق سنواته كلها:
- أخي مات... ولن يعود. وإذا قتلته... فسأصنع لأطفاله الوجع نفسه الذي صنعه لنا. يكفينا قبر واحد... لا أريد أن أزرع قبراً آخر.
نهض من بين القصب، وغادر المكان دون أن يلتفت خلفه.
أما الرجل الآخر، فظل ممسكاً بالبندقية، ينظر إليه مبتعداً، كأنه يرى لأول مرة رجلاً انتصر على نفسه.
وفي تلك الليلة... بقي الزناد صامتاً. لكن ذلك الصمت كان أعلى صوتاً من أي رصاصة، لأن بعض الثأر لا ينتهي بقتل القاتل، وإنما حين يرفض القلب أن يرث الكراهية.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الطوق
- استنطاقُ الطين بين عفوية النشأة ورهبةِ النفي: قراءة تأملية ف ...
- قصة قصيرة: ما بعد التصفيق
- قصة قصيرة: هناك يضيع الاسم
- قصة قصيرة: محكمة الصمت
- قصة قصيرة: رِجّلٌ غائبة تقود
- قصة قصيرة: ثقوبٌ في الذاكرة
- قصة قصيرة: الخوف
- الأرض التي تحفظ أسماءها: قراءة تأملية في كتاب التقنيات الأثر ...
- قصة قصيرة: ثِقل السنابل
- قصة قصيرة: محاكمة أنثى
- قصة قصيرة: الحقل الأصفر
- قصة قصيرة: العجوز والنافذة
- قصة قصيرة: رقصة الفجر
- قصة قصيرة: رائحة الخوف
- قصة قصيرة: دَين الكلمة
- قصة قصيرة: كُحلُ أُنثى
- قصة قصيرة: الوكر
- قصة قصيرة: مهلا أيها القلب
- قصة قصيرة: ضفتان من الفقد


المزيد.....




- خمسة انقلابات غيّرت وجه الإمبراطورية الروسية
- كاريليا في صدارة المناطق الروسية الأكثر ارتباطا بالسينما بفض ...
- فن الفسيفساء الجلدية.. حرفة قازانية عريقة في معرض بمدينة يكا ...
- كاتب يهودي يفكك الرواية الإسرائيلية ويوثق -هندسة الإبادة- في ...
- إطلاق حراك فني فلسفي عالمي من بغداد (مدرسة الأنطولوجيا الحيو ...
- مخرجة فرنسية سورية تروي قصة مهاجرة سورية في فيلم (الغريبة)
- تجربة في المشاهدة: المخرج الصيني تشانغ ييمو
- -ليلة العمى- التركية: موهبة سينمائية ومُنجز مُبهر
- كلاكيت: ملحمة هوميروس في السينما
- هجمات إسرائيل وسلاح حماس.. سلام غزة في فخ التفاصيل يعتبر ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الزناد الذي لم يُضغط