أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - هندسة القدوة وتفكيك الوعي الأخلاقي















المزيد.....

هندسة القدوة وتفكيك الوعي الأخلاقي


حسين علي محمود

الحوار المتمدن-العدد: 8789 - 2026 / 8 / 6 - 07:10
المحور: المجتمع المدني
    


ليست أخطر أدوات السيطرة على المجتمعات تلك التي نراها بوضوح كالقمع، المنع، و مصادرة الحريات بل تلك التي تعمل بهدوء على تغيير ما نراه طبيعيا و ما نعتبره نجاحا و من نراه جديرا بالإعجاب و الاحترام.
فالإنسان لا يولد و هو يعرف من يستحق أن يكون قدوة له و إنما تتشكل هذه الصورة تدريجيا من البيت و المدرسة و الشارع و الإعلام و الدراما و وسائل التواصل الاجتماعي.
لهذا فإن السؤال ليس فقط ماذا يشاهد أبناؤنا؟! لكن السؤال الأهم من يرون أمامهم و يقولون في داخلهم أريد أن أصبح مثله؟!
إذا كان الطفل يرى الطبيب و العالم و المعلم و المهندس و المبدع شخصيات عادية لا تحظى إلا بالقليل من الاهتمام بينما يرى الشخص العنيف أو المتنمر أو المحتال أو صاحب المال المشبوه شخصية قوية، ذكية، و مثيرة للإعجاب فإننا لا نكون أمام مشكلة فنية فقط لكن أمام مشكلة في تشكيل الوعي.
لنفترض أن طفلا عاد من المدرسة و قال لوالده "أريد أن أصبح مهندسا" هنا سيفرح الأب و يشجعه لكنه قد يسمع بعد أيام كلاما مختلفا "فلان لم يدرس و مع ذلك أصبح لديه مال و سيارة و بيت" أو "الدراسة لا تنفع .. المهم أن تعرف كيف تعيش".
قد تبدو هذه الجمل عابرة لكنها ليست عابرة بالنسبة لطفل ما زال يبني تصوراته عن الحياة، فالطفل لا يتعلم من النصائح فقط انما من التناقض بين ما نقوله و ما نكافئه في الواقع.
نقول له إن الأخلاق مهمة ثم نضحك عندما يتفاخر شخص بالغش و التحايل.
نقول له احترم الآخرين ثم يرى الكبار و هم يهينون بعضهم بسبب خلاف بسيط.
هنا يبدأ الطفل في اكتشاف رسالة مختلفة هي أن القيم جميلة في الكلام لكن الحياة الحقيقية لها قواعد أخرى.
تظهر المشكلة أيضا في المدرسة قد يكون هناك طالب هادئ و متفوق يحب القراءة و يحترم معلميه لكنه يتعرض للسخرية لأنه لا يشارك في المشاجرات بينما يحظى طالب آخر بالخوف و الاهتمام لأنه يفرض نفسه بالصوت العالي و التهديد.
عندما يصبح هذا الطالب هو الأكثر شهرة بين زملائه تصل رسالة خطيرة إلى الآخرين لكي تكون مهما عليك أن تكون قويا بطريقة تخيف الآخرين.
و قد يحمل الشاب هذه الفكرة معه إلى الجامعة و العمل و الأسرة فيصبح المدير الذي يستخدم الإهانة بدل القيادة و الأب الذي يعتقد أن التربية تعني الخوف و المواطن الذي يرى أن القوة أهم من القانون.
هكذا تنتقل ثقافة القوة من سلوك فردي إلى طريقة في التعامل مع الحياة.
لا يعني ذلك أن الدراما هي سبب كل مشكلات المجتمع لكنها تستطيع أن تجعل نموذجا معينا أكثر جاذبية و انتشارا. عندما تظهر شخصية عنيفة تخالف القانون لكنها تبدو ذكية و قوية و ثرية و مهيبة فقد يتذكر المشاهد هيبتها أكثر مما يتذكر نتائج أفعالها.
أما إذا عرض العمل الشخصية نفسها و كشف ثمن العنف و الفساد على صاحبها و أسرته و المجتمع فإن الرسالة تصبح مختلفة.
إذن المشكلة ليست في عرض الشر و إنما في طريقة تقديمه حيث هناك فرق بين أن تعرض المجرم لكي يفهم المشاهد خطورته و أن تعرضه بطريقة تجعل المشاهد يتمنى أن يكون مثله.
ولا يرى الطفل الشخصية كما يراها الناقد قد لا يفهم الرسالة الاجتماعية العميقة للعمل لكنه يرى السيارة، الملابس الفخمة، الهيبة، طريقة الكلام، و القدرة على فرض النفس ثم يبدأ بتقليد بعض العبارات أو التصرفات.
لهذا يجب أن نسأل من هم الأشخاص الذين نضعهم أمام أبنائنا ليقلدوهم؟!
أما وسائل التواصل الاجتماعي فقد صنعت سوقا واسعا للقدوة إذ يستطيع المراهق اليوم أن يدخل إلى هاتفه فيجد أمامه آلاف النماذج بعضها يقدم العلم و الفن و الرياضة و بعضها لا يقدم سوى الاستعراض و السخرية و الجدل.
قد يحصل شخص على ملايين المشاهدات لأنه تشاجر أو أهان غيره بينما لا يحصل معلم أو باحث على جزء بسيط من هذا الاهتمام.
عندما تتكرر هذه الصورة قد يتعلم الشاب أن الظهور أهم من الإنجاز، الإثارة أهم من الفكرة، الصوت العالي أهم من الحجة، و الفضيحة أهم من المعرفة.
و هنا لا تعود المشكلة في وسائل التواصل وحدها لكن في المجتمع الذي بدأ يغير تعريف النجاح أمام أبنائه.
و الأخطر من ذلك أن المجتمع الذي يفقد أبناءه القدرة على السؤال يصبح أكثر قابلية للتلاعب.
الإنسان الذي يسأل لماذا؟! و ما الدليل؟! و هل يمكن أن أكون مخطئا؟؟ يمتلك مساحة للتفكير.
أما من يتعود على التقليد و الانفعال و اتباع الجماعة فقد يصبح سهل التوجيه و الاستقطاب.
هنا تتحول قضية القدوة من مسألة ثقافية إلى قضية سياسية لأن إضعاف التفكير النقدي يجعل الناس أكثر استعدادا للصراع حول قضايا صغيرة بينما تتراجع قدرتهم على السؤال عن التعليم، الاقتصاد، المؤسسات و مستقبل الشباب.
الشباب ليسوا مشكلة بل طاقة نافعة لكن الطاقة تحتاج إلى اتجاه إذا وجد الشاب ملعبا جيدا قد يصبح رياضيا و إذا وجد مختبرا قد يصبح باحثا و إذا وجد جامعة جيدة قد يصبح عالما و إذا وجد مؤسسة تدعم مشروعه قد يصبح صاحب عمل.
أما إذا لم يجد إلا الشارع و الصراعات و الاستعراض فقد تتحول طاقته إلى منافسة على من يصرخ أكثر أو من يستطيع فرض نفسه على الآخرين.
لذلك فإن مواجهة القدوة المشوهة لا تكون فقط بقول "هذا النموذج سيئ" بل بتقديم بدائل حقيقية.
نريد أن يشعر الشاب بالفخر لأنه نجح في دراسته، الباحث لأنه حل مشكلة، المعلم لأنه غيّر حياة طالب، الموظف لأنه رفض الرشوة، و الشاب لأنه استطاع أن يضبط غضبه عندما كان يستطيع تحويل الخلاف إلى شجار، هذه هي البطولة التي يحتاج إليها المجتمع.
نحن لا نحتاج إلى أبطال مثاليين إنما إلى أشخاص حقيقيين يستحقون الاحترام.
فالبطل قد يكون أبا يعمل طوال اليوم من أجل أسرته أو معلمة تجعل طفلا يحب القراءة أو طبيبا يخدم مريضا لا يعرفه أو مهندسا يرفض توقيع مشروع غير آمن أو طالبا يواصل دراسته رغم ظروفه الصعبة.
المشكلة الأكبر ليست أن يرى الطفل شخصية سيئة فهو سيقابل أشخاصا سيئين في الحياة و إنما أن تصبح الشخصية السيئة طبيعية، محبوبة، و مثيرة للإعجاب فيرى الكذب ذكاء، التنمر قوة، العنف رجولة، التحايل شطارة، و الشهرة نجاحا.
عندها لا يخطئ الطفل في السلوك فقط لكن يخطئ في معيار الحكم على السلوك و هذا أخطر بكثير.
حين يصبح المعلم غير مرئي، العالم مجهولا، المهندس بلا حضور، المبدع بلا تقدير بينما يملأ المشهد أصحاب الاستعراض و الضجيج فإننا لا نخسر صورة جميلة فقط بل نخسر أحلاما يمكن أن يحملها أطفالنا إلى المستقبل.
لهذا فإن صناعة القدوة ليست ترفا ثقافيا على العكس هي جزء من صناعة المجتمع نفسه.
فالبيت، المدرسة، الإعلام، الدراما، و وسائل التواصل جميعها تشارك في الإجابة عن سؤال بسيط و خطير من يستحق أن يكون قدوة لأبنائنا؟!
إذا كانت الإجابة هي من يملك المال مهما كانت طريقته أو من يخيف الآخرين أو من يصرخ أكثر أو من يحصل على الشهرة بأي وسيلة فإننا نرسل رسالة خطيرة إلى الجيل الجديد.
أما إذا كانت الإجابة هي من يتعلم، يعمل، يبني، يحترم القانون، يحفظ كرامة الآخرين، يختلف دون عنف، و ينجح دون فساد فإننا نضع أساسا مختلفا للمستقبل.
فالمجتمعات لا تبدأ بالانهيار فقط عندما تسقط مؤسساتها أحيانا يبدأ الانهيار عندما تتغير معايير الإعجاب.
و عندما يصبح الإنسان معجبا بمن يخيف الآخرين أكثر من إعجابه بمن ينفعهم تكون المشكلة قد تجاوزت الترفيه إلى طريقة فهم المجتمع لنفسه.
لهذا فإن الدفاع عن المعلم، العالم، المهندس، المفكر، و المبدع ليس دفاعا عن مهن محددة بل دفاع عن الإنسان الذي يبني بدل أن يهدم، يفكر بدل أن يقلد، يقنع بدل أن يفرض، و يعمل بدل أن يستعرض.
فالقوة التي يحتاجها الجيل الجديد ليست قوة العضلات وحدها انما قوة العقل، الأخلاق، المعرفة، و الشخصية التي لا تحتاج إلى إذلال الآخرين لكي تشعر بقيمتها.
هنا تبدأ مقاومة تفتيت الوعي الأخلاقي ليس بمنع أبنائنا من رؤية العالم إنما بتعليمهم كيف يفهمونه كذلك ليس بإخفاء الشخصيات السيئة عنهم لكن بتعليمهم لماذا لا ينبغي أن تكون قدوة لهم، و ليس بتكرار عبارة "العلم مهم" انما بجعلهم يرون في حياتهم اليومية أن العالم، المعلم، المهندس، المبدع، و الإنسان الشريف يستحقون فعلا أن يكونوا في مقدمة الصف.



#حسين_علي_محمود (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التحالف بين الشراكة والتبعية
- نظرية مالتوس وتأثير النمو السكاني في مستقبل المجتمعات
- نظرية إرفينغ جانيس وإشكاليات التفكير الجمعي
- حين يصبح الصراع شرطا لاستمرار الوجود
- الرابع عشر من تموز ومسألة بناء الدولة العراقية
- هوملاندر وترامب بين الدراما والواقع السياسي
- بين الكاميرا والسلطة فيلم لم يكتمل بعد
- الفضاء الرقمي وأزمة الوعي المجتمعي المعاصر
- مثلث السلطة والمال والجسد وآليات الهيمنة
- الأستاذ الناجح وصناعة الأجيال
- الأوخلوقراطية ومأزق الديمقراطية الحديثة
- الشرق الأوسط بين التاريخ والصراع المستمر
- تآكل البوصلة الأخلاقية واتساع الفجوة المجتمعية
- الوعي العراقي وتحولات الفضاء الرقمي
- التنمية لا تبدأ بقطع الإنترنت
- الشهرة المفاجئة وثقافة القطيع الرقمي
- الشقاوات و أزمة الهوية الاجتماعية
- فخ ثوقيديدس والتحول العالمي
- الإنسان في عصر الخوارزميات
- الحرب على إيران وصراع النفوذ الدولي


المزيد.....




- في شأن أحداث سبتة: سفيرا إسرائيل لدى إسبانيا والأمم المتحدة ...
- إزالة ركام غزة تثير اتهامات بإتلاف أدلة محتملة على جرائم حرب ...
- الأمم المتحدة: أطفال أفغانستان يئنون من سوء التغذية
- الشيخة حسينة تتحدى حكم الإعدام وتعلن عودتها إلى بنغلاديش في ...
- الخوف من التقنين إيران بين أزمة معيشية متصاعدة، تحولات إقلي ...
- مفوضة حقوق الإنسان الروسية: مصير 302 شخص لا يزال مجهولا منذ ...
- الشباب والتضامن والأمم المتحدة يرسمون ملامح خطة مصر حتى 2027 ...
- الاتحاد الأوروبي يؤيد إنشاء مراكز ترحيل للمهاجرين في إفريقيا ...
- إسرائيل تنفذ عملية عسكرية واسعة النطاق في مخيم قلنديا للاجئ ...
- الأمم المتحدة تعلن اتفاقا على آلية اختيار رئيس مفوضية الانتخ ...


المزيد.....

- مدرسة غامضة / فؤاد أحمد عايش
- أسئلة خيارات متعددة في الاستراتيجية / محمد عبد الكريم يوسف
- أية رسالة للتنشيط السوسيوثقافي في تكوين شخصية المرء -الأطفال ... / موافق محمد
- بيداغوجيا البُرْهانِ فِي فَضاءِ الثَوْرَةِ الرَقْمِيَّةِ / علي أسعد وطفة
- مأزق الحريات الأكاديمية في الجامعات العربية: مقاربة نقدية / علي أسعد وطفة
- العدوانية الإنسانية في سيكولوجيا فرويد / علي أسعد وطفة
- الاتصالات الخاصة بالراديو البحري باللغتين العربية والانكليزي ... / محمد عبد الكريم يوسف
- التونسيات واستفتاء 25 جويلية :2022 إلى المقاطعة لا مصلحة للن ... / حمه الهمامي
- تحليل الاستغلال بين العمل الشاق والتطفل الضار / زهير الخويلدي
- منظمات المجتمع المدني في سوريا بعد العام 2011 .. سياسة اللاس ... / رامي نصرالله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - المجتمع المدني - حسين علي محمود - هندسة القدوة وتفكيك الوعي الأخلاقي