|
|
الإنسان والثورة: رحلة البحث عن اليقين والخلاص
خالد علي سليفاني
شاعر وكاتب ومترجم
(Khaled Ali Silevani)
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 22:13
المحور:
الثورات والانتفاضات الجماهيرية
لا يثور الإنسان لأنه يحب الثورة، ولا لأنه يعشق الفوضى، بل لأنه يصل إلى لحظة يعجز فيها عن احتمال العالم كما هو. وحين يطول الخوف، وتضيق الحياة، وتتراكم الإهانات الصغيرة، يبدأ شيء ما في التشكل داخل النفس. لا يكون هذا الشيء غضبًا خالصًا، ولا شجاعة خالصة، بل يكون مزيجًا غريبًا من الخوف والأمل والرغبة في الخلاص. ويقال إن الإنسان يبحث عن الحرية، نعم، وهذا صحيح، ولكنه ليس الحقيقة كلها. فالإنسان لا يبحث عن الحرية وحدها، بل يبحث عن اليقين أيضًا. إنه يريد أن يعيش في عالم واضح الحدود، وأن يعرف أين يقف، وإلى أين يسير، ومن معه، ومن ضده. ولذلك تبدو الثورات، في لحظاتها الأولى، وكأنها وعد باستعادة النظام بعد الفوضى، والمعنى بعد العبث، والكرامة بعد الإهانة. وفجأة، يصبح العالم بسيطًا في نظر الناس. هناك خير وشر، وضحية وجلاد، وماضٍ ينبغي التخلص منه، ومستقبل ينبغي الوصول إليه. وفي خضم هذه الحماسة، لا يدرك الإنسان أنه لا يهرب من الفوضى الخارجية وحدها، بل يهرب كذلك من الفوضى الكامنة في أعماقه. ولعل الخوف هو الحلقة الأولى في هذه السلسلة الطويلة. فالإنسان الذي عاش زمنًا طويلًا في القلق لا يعود قادرًا على احتمال الغموض. إنه يخشى كل شيء، ويرتاب من كل شيء، ويتوقع الخطر في كل مكان. والخوف، حين يطول أمده، يتحول إلى عبء ثقيل. ولذلك تسعى النفس إلى التخلص منه بأي وسيلة ممكنة. وعند هذه النقطة، يبدأ الخوف في البحث عن وجه يحمل ملامحه. فالعدو ليس خصمًا سياسيًا دائمًا، بل هو ضرورة نفسية في كثير من الأحيان. ذلك أن النفس البشرية تعجز عن مواجهة المخاوف الكثيرة دفعة واحدة، فتسعى إلى جمعها كلها في صورة واحدة. وهكذا يتحول الخوف المبعثر إلى خوف متمركز، ويتحول القلق الغامض إلى تهديد واضح المعالم. وعندئذ يشعر الإنسان بأنه استعاد شيئًا من سيطرته على العالم. ومن المفارقات العجيبة أن الإنسان، كلما ازداد خوفه، ازداد يقينه. فالخوف لا يدفع الإنسان إلى الشك دائمًا، بل يدفعه، في أحيان كثيرة، إلى التمسك بأفكار أكثر صلابة وأشد حدة. فالعقل المتعب يبحث عن أجوبة سهلة، والنفس المثقلة تبحث عن طريق مستقيم لا تعرف فيه الحيرة سبيلًا إليها. ثم تظهر الحاجة إلى الرمز. فالجماهير لا تجتمع حول الأفكار المجردة إلا نادرًا، بل تجتمع حول الأشخاص والأسماء والرايات والشعارات. وهي لا تبحث عن قائد قوي فحسب، بل تبحث عن صورة تتجسد فيها أحلامها وآلامها وآمالها. ولهذا السبب لا يظهر الرمز بوصفه فردًا عاديًا، وإنما يظهر بوصفه أبًا رمزيًا، أو مخلصًا منتظرًا، أو تجسيدًا حيًا للحلم الجماعي. لكن الثورة لا تصنعها الجماهير وحدها، كما لا تصنعها النخب وحدها. بل إن الثورات تولد حين تتقاطع الإرادة الإنسانية مع الظروف التاريخية. فالدولة تضعف، والسلطة تتصدع، والمؤسسات تتآكل، وتتغير موازين القوى، فتفتح الأحداث ثغرة صغيرة في الجدار، فيندفع الناس منها إلى المجهول. ولهذا لا يكون النصر انتصارًا كاملًا على الخوف، بل يكون لحظة عابرة ينجح الإنسان فيها وينفلت من قبضته. وقد تكفي تلك اللحظة لتغيير التاريخ كله. ثم تبدأ مرحلة جديدة. فبعد الانتصار، تسعى الجماهير إلى بناء معنى جديد لحياتها. إنها تحتاج إلى قصة تفسر الماضي، وإلى حلم يبرر الحاضر، وإلى وعد يمنح المستقبل ملامحه. وهكذا تتشكل الهويات الجديدة، وتنشأ الروابط الجديدة، ويولد شعور جديد بالانتماء. لكن المأساة الحقيقية لا تبدأ عند سقوط النظام القديم، بل تبدأ عند انتصار الفكرة الجديدة. ففي البداية تكون الفكرة مجرد وسيلة للخلاص، ثم تتحول إلى عقيدة، وتتحول العقيدة إلى حقيقة مطلقة، ثم تتحول الحقيقة المطلقة إلى سلطة. وعندئذ لا يعود الخلاف اختلافًا في الرأي، بل يصبح انحرافًا عن الطريق الذي رُسم للجميع، ولا يعود الخصم خصمًا، بل يتحول إلى عدو. وهنا تكمن المفارقة الأشد غرابة؛ فالجماهير لا تصنع الطغيان تحت وطأة الخوف وحده، بل قد تصنعه بدافع الحب أيضًا. فالناس لا يلتفون حول الزعيم لأنه الأقوى دائمًا، بل لأنهم يجدون فيه صورة لأنفسهم كما يريدون أن يكونوا، وصدى لآمالهم كما يتمنون أن تتحقق. ومن هنا لا يعود الزعيم فردًا عاديًا، بل يتحول إلى رمز، ثم إلى أسطورة، ثم إلى حقيقة يظن الناس أنها أكبر من النقد والمراجعة. وبمرور الوقت، يجد الرمز نفسه محاصرًا من كل جانب. فالجماهير ترفع صورته إلى مرتبة لا يستطيع بلوغها، والدائرة الضيقة المحيطة به تسعى إلى استغلاله، والقوى الكبرى تحاول احتواءه وتوجيهه. وهنا تنشأ المأساة الحقيقية؛ إذ يصبح الإنسان أسير صورتين متناقضتين: صورته التي يعرفها عن نفسه، وصورته التي صنعها الناس له. إنه يعرف ضعفه، لكنه يسمع المديح من كل مكان. ويعرف حدوده، لكنه يرى نفسه محاطًا بهالة من العظمة. ويعرف أنه مجرد إنسان، لكن الآخرين يطالبونه بأن يكون أكثر من ذلك. وعند هذه اللحظة، تبدأ الفجوة بين الحقيقة والأسطورة بالاتساع. وكلما اتسعت هذه الفجوة، ازداد خوف الإنسان من السقوط. وكلما ازداد خوفه، ازداد ميله إلى استعمال القوة. وليس السبب في ذلك أنه شرير بالضرورة، بل لأنه يحاول حماية الصورة التي صنعها الآخرون عنه، أو تلك الصورة التي صنعها هو عن نفسه. وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن كثيرًا من الثورات لا تفشل دائمًا لأنها خانت مبادئها، بل لأنها بالغت في الإيمان بها. فالإنسان، حين يظن أنه امتلك الحقيقة كاملة، يتوقف عن البحث عنها، وحين يتوقف عن البحث عنها، يفقد قدرته على الإصغاء. وحين يفقد قدرته على الإصغاء، يبدأ في النظر إلى الآخرين بوصفهم أعداء للحقيقة نفسها، لا أصحاب حقيقة أخرى. وعند هذه النقطة، لا يعود الصراع قائمًا بين فكرتين، بل بين يقينين. ولا يعود النزاع قائمًا على المصالح، بل على المعاني. ولا يعود الهدف هو بناء عالم جديد، بل الدفاع عن صورة ذلك العالم كما يراه كل طرف. وهكذا يتحول السعي إلى الخلاص إلى سعي إلى الهيمنة، ويتحول الخوف من الظلم إلى ممارسة الظلم، ويتحول الإنسان، وهو يحاول تغيير العالم، إلى نسخة أخرى من العالم الذي أراد تحطيمه. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: من كان على حق، ومن كان على باطل؟ بل كيف يتحول الحق نفسه إلى أداة للقوة؟ وكيف تتحول الرغبة في الخلاص إلى رغبة في الهيمنة؟ وكيف يتحول الإنسان، وهو يحاول البحث عن حريته، إلى سجين جديد لخوف قديم؟ ولعل التاريخ كله ليس إلا محاولة طويلة لفهم هذه الدائرة المغلقة. فالإنسان، منذ أن بدأ رحلته على هذه الأرض، لم يكن يبحث عن الحرية وحدها، بل كان يبحث كذلك عن المعنى واليقين والطمأنينة. وحين يعجز عن العثور عليها في داخله، يبدأ في البحث عنها في الخارج، في الأشخاص والأفكار والشعارات والأساطير. ومن هنا تبدأ الحكاية دائمًا: خوف يخفف من ثقله في صورة أمل، وأمل يترسخ حتى يغدو يقينًا، ويقين يتحول إلى إيمان، وإيمان يسعى إلى أن يتجسد في سلطة، وسلطة تلد خوفًا جديدًا. وهكذا لا ينتهي التاريخ، لأنه ليس تاريخ الدول والثورات فحسب، بل هو أيضًا تاريخ الإنسان في صراعه الدائم مع ضعفه، وفي سعيه الذي لا ينتهي إلى العثور على معنى يبدد قلقه ويمنحه شعورًا عابرًا بالأمان.
#خالد_علي_سليفاني (هاشتاغ)
Khaled_Ali_Silevani#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الموجة
-
هل تنقض قصة «الجدار» فلسفة سارتر في الحرية؟
-
الانعكاس الأخير
-
حين تغيب الاستراتيجية: من الفوضى بوصفها محصلةً سالبة إلى إمك
...
-
وهم الاكتمال
-
أفق وراء الكلمات
-
هدنة نفاق
-
لماذا يكتب الكتّاب؟ تأملات في الدائرة المغلقة
-
رهائن الرغيف
-
المراهقة الفكرية وتمجيد الآخر: رحلة الانبهار والحقيقة
-
الإبداع المُعلَّق: جدلية الصانع والواجهة في الفن الغنائي
-
ساموثريس - سر الجناح الوحيد
-
النغمة الخجولة
-
سُكْرُ المألوف
-
نوبل للآداب في بلاد الأوهام
-
لجنة الخلود العليا
-
مديح الهامش… ومراثي المعنى
-
من النوروز إلى الهوية
-
الكتابة بوصفها شرارة وجود: تأملات في جدلية الإبداع والتجدد
-
كسر المعروف
المزيد.....
-
حكمة التضاد.. قصة الأزهار التي تعرف يمينها من يسارها في جنوب
...
-
تركيا: غالبية النواب في البرلمان يوقعون على اقتراح قانون يتع
...
-
When Women Reach the Top, but Power Remains the Same: Murmu
...
-
Debt, Dependency, and the Modern Colonial Chokehold on Asia
...
-
Stillborn Peace Plans: Israel, Hamas and the Question of Dis
...
-
Germany’s Constitutional Mandate to Fight Global Warming
-
تحية جريدة المناضل-ة الى مؤتمر حزب النهج الديمقراطي العمالي
...
-
إسرائيل.. حركة -الوقوف معا- اليسارية تحاول اقتحام مقر حزب ال
...
-
إسرائيل.. يساريون يحتجون على إرهاب المستوطنين ضد الفلسطينيين
...
-
محتجون يساريون يحاولون اقتحام مقر حزب سموتريتش.. وانقسامات ف
...
المزيد.....
-
في نقد مسار التصفية وشروط إعادة بناء منظمة -إلى الأمام- الما
...
/ محسين الشهباني
-
ليبيا 17 فبراير 2011 تحققت ثورة جذرية وبينت أهمية النظرية وا
...
/ بن حلمي حاليم
-
ثورة تشرين
/ مظاهر ريسان
-
كراسات شيوعية (إيطاليا،سبتمبر 1920: وإحتلال المصانع) دائرة ل
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
ورقة سياسية حول تطورات الوضع السياسي
/ الحزب الشيوعي السوداني
-
كتاب تجربة ثورة ديسمبر ودروسها
/ تاج السر عثمان
-
غاندي عرّاب الثورة السلمية وملهمها: (اللاعنف) ضد العنف منهجا
...
/ علي أسعد وطفة
-
يناير المصري.. والأفق ما بعد الحداثي
/ محمد دوير
-
احتجاجات تشرين 2019 في العراق من منظور المشاركين فيها
/ فارس كمال نظمي و مازن حاتم
-
أكتوبر 1917: مفارقة انتصار -البلشفية القديمة-
/ دلير زنكنة
المزيد.....
|