عطا درغام
(Atta Dorgham)
الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 11:09
المحور:
مقابلات و حوارات
في رحاب الكلمة التي تتقاطع فيها عراقة الماضي بنبض الحاضر، يأخذنا الشاعر حسني الإتلاتي في رحلة ممتعة بين ضفاف القصيدة العمودية وآفاق التراث الشعبي العريق. يتجلى هذا الحوار كمرآة صادقة لمشروع شعري يرفض الجمود، موازناً بدقة بديعة بين صرامة القواعد الفصحى وعذوبة الفنون الشفاهية كـ «فن الواو»، ومؤكداً أن الإبداع الحقيقي هو الذي يلامس وجدان الناس جميعاً بلا استثناء، ليظل الشعر طاقة حية تتجدد ولا تنطفئ.
المحور الخامس: تطور الأشكال وفن الواو والتراث
ما الذي أضافه ديوانك "يُرتّل سورتها في الغياب" الصادر عام 2022 إلى مشروعك الشعري العام؟
اكتسبت، بعد أن عدت إلى القصيدة العمودية، بعد ديوان «يؤرقه الحنين»، أن أخذت أطور من نفسي حتى تصبح القصائد أكثر خصوصية، ولكن كان أيضًا فيها نفس الامتداد الصوفي الذي اتخذته في ديوان «يؤرقه الحنين»، ولكن بتمكن أكبر، وجرأة أكثر في استخدام اللغة، والأوزان، والقوافي. قد أقول إنني وصلت في ديوان «يرتل سورتها في الغياب» إلى شيء من السلطنة والتجلي، بلغة الصوفيين.
في أبريل 2024 أصدرت ديوان "آهات الجبل والنيل من فن الواو"؛ لماذا اخترت التحول نحو هذا الفن تحديدًا؟
كنت أريد، من خوض تجربة فن الواو، أن أقول إن شاعر الفصحى، الذي يجيد ستة عشر بحرًا، ولغة عربية منضبطة وزنًا، وقافية، ونحوًا، وصرفًا، لن يهزمه أن يكتب على بحر المجتث: مستفعلن فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن. وفن الواو يكتب على هذا البحر، مجزوء بحر المجتث، من أربع شطرات، قافية الشطرة الأولى والثالثة متفقتان، والثانية والرابعة متفقتان.
مثال على ذلك:
«ولابد من يومٍ معلوم
تُردُّ فيه المظالم
أبيضُ على كلِّ مظلوم
أسودُ على كلِّ ظالم»
وهذان البيتان من التراث، منسوبان إلى ابن عروس.
كان في رأيي أن يكتب الشعراء المثقفون والمتعلمون، الذين لديهم خبرات حداثية، وحضارية، وعلمية، مربعات جديدة لغةً ومضمونًا، وألا يجتروا لغة الأقدمين، وقوافيهم، وموضوعاتهم، فلا يكتبوا عن الخسيس، والندل، والبخيل، والأصيل، وهكذا، ولكن يكتبوا فيما يشغل الناس الآن، وهذا ما حاولت أن أقوم به في ديوان «آهات الجبل والنيل»، الصادر عام 2024 عن دار حروف الفارس للنشر والتوزيع.
ما هو التحدي الإبداعي الذي واجهته عند محاولة تقديم "فن الواو" في ديوان مطبوع ومكتوب؟
لا يوجد تحدٍّ في كتابة فن الواو إلا التحدي الأكبر، وهو الجناسات التامة والناقصة، والمحافظة على الوزن قدر المستطاع، ومحاولة تحديث الموضوعات، فلا تأتي بنفس الأفكار والموضوعات القديمة، ولا تأتي بنفس القوافي والجناسات القديمة.
كيف ينظر حسني الإتلاتي إلى اعتماد "فن الواو" تاريخيًا على الأداء الشفاهي القوي بدلًا من التدوين؟
فن الواو من الفنون الشفاهية التي يتناقلها الناس عن طريق السماع، وليس عن طريق القراءة. فكان الشاعر الشعبي يقول الأبيات، أو يرتجلها، بمعنى أصح، مناسبةً لموقف معين أو مناسبة معينة، فتعجب الناس، فيحفظها الناس، فيتناقلونها من وحي الذاكرة.
ولهذا كان المربع سطرين فقط، بيتين من الشعر، مكونًا من أربع شطرات، يتضمن موضوعًا كاملًا في سطرين، فيه موسيقى، وفيه قافية، وفيه جناسات كاملة، وفيه خيال، وفيه تصوير، وفيه مناسبة لموقف معين، فهو أقرب إلى الأمثال الشعبية وغيرها، يعني سهل أن يُحفظ.
وحاليًا، في أسوان مثلًا، وفي قنا، والبحر الأحمر، والأقصر، أعتقد أن أسوان أكثر، ما زالت جلسات الفن الشفاهي، جلسات جر النميم والارتجال، ولكنها أصبحت ضيقة جدًا، وفي محيط الشعراء وأحبابهم، في جلسة ما، ربما على مقهى، وربما في مكان ما، وما زالت.
ولكن اتخذ الموضوع شكلًا آخر في التدوين على وسائل التواصل، مثل الفيسبوك وغيره، فبدأوا بالتدوين، بكتابة الأبيات على صفحاتهم على الفيسبوك، ونالت استحسان الناس، وبعضهم طور نفسه، وبدأ يقولها أو يرتجلها في بث مباشر، أو في فيديو مسجل، ثم ينشرها على التيك توك، أو الفيسبوك، أو اليوتيوب، وتحصل على مشاهدات أكبر.
وبعضهم لجأ إلى الموسيقى المصاحبة لها، وأصبح يأخذ ألحان الأغاني المشهورة، ويركب عليها من ارتجالاته هو، وهذا أيضًا جيد، وجعل جمهور الفنون الشفاهية الأسوانية يتسع إلى مساحات أوسع من الجمهور.
لكننا انتقلنا حاليًا إلى مرحلة التدوين، فأصبح لكل شاعر كتاب، أو اثنان، أو ثلاثة من كتب فن الواو، فهذا يدل على أننا انتقلنا من مرحلة النقل الشفاهي إلى التدوين، وإلى الحفظ في كتاب، فأصبحت العين تقرأ، وربما لا تسمع نبرة الشاعر وهو يقولها.
وهنا توجد مشكلة؛ لأن الشاعر عندما يقول الأبيات بنبرة صوته، ربما يدغم كلمتين أو ثلاثًا ليضبط الوزن، ويسرع في النطق، ويختصر المد، ويضم بعض الكلمات إلى بعضها ليسلم الوزن.
وربما عندما نقرأ نحن هذه الأبيات المكتوبة لا يسلم لنا الوزن، ونظن أن الشاعر عنده كسر في الوزن، وهذا غير صحيح؛ لأن الشعر عندما يرتجل شفاهة، ثم يدون، ما زلنا نحن في مشاكل في تدوين العامية، خاصة تدوين اللهجة العامية.
ومن المقترحات التي أود تنفيذها أن يوزع مع الكتاب المكتوب أسطوانة عليها صوت صاحب الديوان، وقد فعلها الشاعر الكبير عبد الرحمن الأبنودي في أواخر أيامه، رحمه الله.
ما هو تفسيرك للمقولة التراثية: "ولابد من يوم معلوم تترد فيه المظالم" وكيف وظفتها شعريًا؟
ما بيت عمليًا في ديوان «آهات الجبل والنيل»، ناديت عمليًا أن يطور الشعراء المتخصصون في فن الواو أداءهم، بحيث يكتبون فن الواو المفتوح، الذي يفهمه أهلنا في تونس، والجزائر، والمغرب، والسعودية، والصومال، وموريتانيا، وفي أوروبا وغيرها.
ولكن الانغلاق، أو كتابة شعر مغلق، وجناسات مغلقة فيها ليُّ عنق الكلمات، لن يفيد الجمهور، ولا نكسب جمهورًا أكثر من جمهور المحافظة التي نكتب منها.
وضربت على ذلك أمثلة للشاعر صلاح جاهين؛ فرباعيات صلاح جاهين، رغم أنها ليست من فن الواو، لكنها انتشرت أكثر من انتشار شعراء الفصحى؛ لأنه حافظ على الحد الأدنى من شعر العامية، وهو الحد الأقرب إلى الفصحى، أي الذي يفهمه غير المصريين، يفهمه عموم الناس، ولم يغرق في المحلية، وألفاظها المحلية التي لا يفهمها إلا أبناء القرية، أو القبيلة، أو المدينة.
هذا ما أردته، وضربت أمثلة على ذلك، أن الشاعر ابن عروس معظم أبياته يفهمها جميع الناس، وليس أبناء مدينة قوص، أو أبناء مدينة أسوان مثلًا، أو أبناء مدينة قنا؛ لا يفهمها أهل هذه المناطق الصعيد فقط، بل يفهمها جميع الناس في الوطن العربي:
«ولابد من يوم معلوم
تترد فيه المظالم
أبيض على كل مظلوم
أسود على كل ظالم»
أكيد النساء يشبه الكي من مكرهم
سيرت هارب يتحزموا بالحنش حي
ويتلفحوا بالعقارب
هذه الأبيات سهلة ومفهومة، وليس فيها أي مفردات غامضة.
كيف ترى الخلاف التاريخي بين المتخصصين الذين ينسبون فن الواو لـ "ابن عروس" ورأي الأبنودي بأنه شخصية أسطورية؟
ما تقييمك لإسهامات شعراء العصر الحديث في فن الواو مثل عبد الستار سليم، عادل صابر، ومحمد النوبي؟
كيف تصف "الصحوة الكبرى" الحالية لفن الواو ووجود أكثر من 50 شاعرًا ممارسًا له بالجنوب؟
الفنون القولية في مرحلة ازدهار، خاصة بعد اهتمام العالم كله بالأدب الشعبي، ودخول دراسات الأدب الشعبي إلى الجامعات، وإلى قاعات البحث الأكاديمي، ورسائل الماجستير والدكتوراه أيضًا.
بدأ توثيق عملية توثيق الفن الشعبي، أو الأدب الشعبي، بقوة في منتصف القرن الماضي حتى الآن. عملية التوثيق أخذت اهتمامًا أكبر، وأصبح كثير من الشعراء يجمعون في مشاريعهم، يجمعون الفلكلور والتراث الشعبي في القرى والنجوع، مثل فن العبودة، وفن الحداء، وأغاني الصيادين، وأغاني الأفراح، والسبوع، والميلاد، وأغاني القافلة، وهو الحداء، أغاني العمل، الحداء. كثير من الأكاديميين، والمبدعين، والنقاد اتجهوا إلى تدوين وجمع هذه الفنون والآداب أيضًا.
في فترة الشاعر أشرف أبو جليل، اهتم بفن البادية، وأصبح هناك نوادي أدب بادية، أظن في الشرقية، ومطروح، وألمانيا، وشمال سيناء، وجنوب سيناء فيما أظن، وأخيرًا في أسوان. وكان ذلك بالتنسيق بيني وبين الأستاذ أشرف أبو جليل، كان مدير الثقافة العامة بالهيئة العامة لقصور الثقافة في تلك الفترة.
أقمنا نادي أدب بادية النميم في أسوان، في قصر ثقافة كلابشة، وأصبح يعقد مؤتمرات تخص الفنون القولية والشفهية، فيما أظن في بلبيس، ويعقد أيضًا مهرجانات ومسابقات كل عام لشعر البادية.
كذلك في اتحاد الكتاب أصبح هناك قسم لأدب البادية، أظنه برئاسة الدكتور عبد أبو الفتوح البرعصي.
فن الواو، والفنون القولية مثل النميم، والعدودة، والفن الثلاثي، والموال، والجنزير، وغيره من الفنون، أصبحت موضع اهتمام كبير أيضًا.
إذا رأينا أن قنوات التواصل الاجتماعي فتحت مجالًا للتعبير عن النفس، وللشهرة، فأصبح لدينا في أسوان، وقنا، والبحر الأحمر، والأقصر، أصبح لدينا شعراء كثيرون فتحوا قنوات، عبروا فيها بأشعارهم الشعبية.
غير أن أيضًا نقل الأفراح القديمة، والسامر القديم الذي كانوا يعقده الفنان الشعبي في الأفراح، مثل يونس، ورشاد عبد العال، والدرويش، وغيرهم، بدأ المحبون لهذه الفنون توثيق هذه الشرائط القديمة، وتحميلها على قنواتهم على اليوتيوب، والتيك توك، والفيسبوك، وغيره.
فأصبح الناس يتفاعلون مع هذه الفنون التي كانت محلية فقط لأبناء كل محافظة، وأصبح يتفاعل معها جمهور على مستوى الوطن العربي، مما ساهم في تطوير هذا الفن.
وأعتقد أن لدينا أكثر من 50 أو 60 شاعرًا في قنا، وأسوان، والبحر الأحمر، والأقصر، شعراء متمكنون، ومتمرسون، ومشهورون أيضًا، بعد أن كان لدينا في الصعيد كله شاعران أو ثلاثة، منهم عبد الستار سليم، ومحمد النوبي، وأمين الخربوش، شاعران أو ثلاثة فقط الذين أتيحت لهم الأضواء.
ما هو ديوانك تحت الطبع "برديات جديدة للفلاح الفصيح"، وما الذي تحمله من إسقاطات تراثية وفصحى؟
الديوان تم طباعته في مسابقة المستشار أشرف بدير الأدبية، وقد حصل على المركز الأول في شعر الفصحى، والديوان كل قصيدة تحمل اسم بردية، مثل: بردية الشوق، بردية الحب، بردية الحرب، بردية الطفولة، بردية الغريب، بردية الضيافة، بردية الاحتجاج، بردية الثورة، وهكذا، تقريبًا 33 قصيدة في هذا الديوان.
قسمتها إلى أقسام: برديات الحضور، ثم برديات الغياب، ثم برديات الخلود، ثم برديات العمل، ثم برديات الأبناء، الآباء لأبنائهم، ثم برديات الانتماء.
كيف ترى العلاقة بين كتابتك للعامية المصرية وكتابتك للفصحى، وهل تفصل بينهما في وجدانك؟
العامية هي الأسهل في الكتابة، حيث إنني أتحدث ما أريد وأكتب ما أريد، لا توجد عوائق، ولا شروط، ولا قيود، في حين أن الكتابة بالفصحى لها قواعد وقيود يجب أن تلتزم بها، وهي قواعد النحو والصرف، فقد تكون عائقًا أمامك.
وغالبًا العامية تمس الجمهور مسًّا مباشرًا، ولأن نسبة الأمية تقترب من الخمسين في المئة، والأمية الثقافية أضعاف هذه النسبة، يصبح شعر الفصحى للنخبة، وتصبح اللغة العامية هي لغة عامة الناس.
عندما أقرأ قصائد العامية أو فن الواو، فالمثقف والرجل العادي يفهمه، في حين أنني عندما أقول قصيدة فصحى، النخبة فقط أو المتخصصون فقط هم الذين يفهمون أو يتعاطفون معي.
لكنني لا أفصل بينهما في الوجدان. إذا كنت مهيئًا لكتابة لحظة انفعالية بالفصحى، أكون مستعدًا لها، ولا أجد تعبًا ولا مشقة، وإذا كنت مستعدًا لتدوين حالة أو إحساس جاءني باللهجة العامية، أكتبه باللهجة العامية، ولا أجد غضاضة في ذلك.
#عطا_درغام (هاشتاغ)
Atta_Dorgham#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟