أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد اسماعيل السراي - من المظلومية إلى السلطة: لمَ غاب مشروع الدولة؟















المزيد.....

من المظلومية إلى السلطة: لمَ غاب مشروع الدولة؟


محمد اسماعيل السراي

الحوار المتمدن-العدد: 8788 - 2026 / 8 / 5 - 01:45
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


لم يكن الجمهور الشيعي، كجمهور مقلدين واتباع او كمرجعيات دينية على حد سواء، يمتلك أي مشروع سياسي يترجم مظلوميته التي كان يتغنى بها قبل عام ٢٠٠٣، والتي كان يعتبرها مظلومية تاريخية ممتدة ليس في عهد البعثيين فقط ولا عهد السلطةـ التي يعتبرها سنية- التي قامت بعد أنشاء الدولة العراقية عام ١٩٢١ وما تلاها، بل اعتبرها مظلومية ممتدة عبر تاريخ الشيعة جميعه، وربما اوصل مظلوميته إلى حدود واقعة السقيفة.
لكن هل كان الجمهور الشيعي "الغالبية" ومرجعيته الدينية الرسمية، يمتلك أن يترجم تلك المظلومية إلى برنامج سياسي أو حتى إلى مجرد رؤية سياسية!!؟ لا أعتقد ذلك!!!
أن الرؤى السياسية البسيطة، المغمورة على استحياء، التي مثلتها نخب شيعية معارضة، غالبيتها كانت خارج البلاد، سواء كانت تيارات دينية أو مدنية، إنما كانت تمثل جماعاتها واحزابها وتمثل نفسها أكثر مما تمثل الجمهور الشيعي العراقي بغالبيته. ولذلك لم يكن الاندماج بين هذه الأحزاب أو التيارات السياسية الشيعية من جهة وبين الجمهور الشيعي العراقي من جهة أخرى، اندماجا واقعيا وقويا بعد سقوط نظام حكم البعثيين. بل على العكس ربما نالت هذه الحركات السياسية الاستهجان والرفض، بل وأحيانا كثيرة نالت العداء، بعد أن طرحت نفسها كممثل للشارع الشيعي العراقي، وربما كانت التيارات الداخلية ذات الصبغة الدينية والشعبوية، بشكل أكثر من الصبغة السياسية التنظيمية، هي من نالت القبول أكثر لدى الجمهور الشيعي.

كان رجل الدين الشيعي، سواء كمرجعية عليا أو كطبقة وسطى من خطباء وشيوخ ومبلغين ودعاة أو حتى من الجمهور المتدين، تكون علاقته بالاصلاح محصورة في جانب الإصلاح الفقهي والاجتماعي والسلوكي فيما يخص المجتمع أو أفراد المجتمع، غير آبه بالسلطة أو إصلاح السلطة. نعم هو كان ناقم على السلطة، وغالبا هو ناقم عليها ليس من جانب إصلاحي مؤسساتي بل ناقم عليها من جانب طائفي ديني لا اكثر. وحتى وإن انتقدها وانتقد أداءها السيء سواء في داخله أو أمام أصحابه ومعارفه من الثقاة، فهو نقد يتوقف عند عتبة النقد لا الاصلاح أو محاولة التغيير. فرجل الدين معني بالاصلاح الديني والمجتمعي ويكون رافضا بشدة لكل انحراف ديني ومجتمعي، ويندفع بشدة لمواجهة هذا النوع من الانحراف وإصلاحه، لكن لما يتعرض لفساد أو انحراف السلطة فإنه سيجابه ذلك الانحراف بالتحسر فقط والرفض والانتقاد، وربما التعليق البسيط بأنها سلطة ظالمة ومنحرفة، لكنه سيرجئ امر مجابهتها أو تغيرها أو حتى مواجهتها لله ولقوى الغيب. وبهذا كان الفرد الشيعي من جمهور الشيعة العراقية يفهم ذلك بشكل انطباعي دون الحاجة إلى شرح وتوضيح، لهذا هو أيضا يتبع هذا الخط المرجعي، اي أنه يرفض ويجابه ويصطدم مع اي انحراف ديني واجتماعي لكنه يكتفي أمام الانحراف السياسي أو انحراف السلطة بالرفض الداخلي فقط أو الاحتجاج الصامت وارجاء أمر مجابهة أو إسقاط هذه السلطة لله والقدر والغيب.
ويبدو أن السلطة السياسية آنذاك قد فهمت هذه اللعبة، فهي كانت غير معنية كثيرا بملاحقة الزعيم الديني ورجاله من الخطباء والشيوخ والوكلاء خصوصا، والذين يطمئن من ملاحقتهم ومراقبتهم انهم ملتزمين بحدود التبليغ الفقهي والإصلاح الديني والمجتمعي دون الإنخراط بعمل سياسي، أو حتى الخوض في السياسة والنقد السياسي بما يثير مشاعر العامة من جمهورهم. وايضا فالسلطة غير معنية كثيرا بجمهور المقلدين، في حدود مرسومة، مادامت هذه الجموع تبتغي التقليد الديني والتفقه لا التقليد والتثقيف السياسي. وكانت السلطة تعلم جيدا أن هذا الجمهور الشيعي ورموزه الدينية تقف عند عتبة الإصلاح والتغيير السلوكي والأخلاقي، اي موضوعة الدين والمجتمع، لكنها تقف إزاء السلطة وسياستها موقف الناقم فقط، والناقم داخليا ايضا لا المصرح والمحرض. لذلك تركت اغلب هذه التيارات الدينية الداخلية تمارس نشاطها الديني، المفرغ من التسيس والتعبئة، بحرية نوعا ما، لكن تحت مراقبة أجهزتها الأمنية في الغالب. وهي ترى أن لا خطر حقيقي منها مادامت تحت السيطرة، وربما على العكس فهذه الحركات والنشاطات الدينية كانت تعمل بشكل غير مباشر على خدمة السلطة لأنها تعمل على إفراغ النقمة المجتمعية على أداء السلطة بشكل مسيطر عليه.
ولهذا كانت المفاجأة بعد سقوط الدولة في العام ٢٠٠٣. حيث أن الحركات السياسية الشيعية والشخصيات السياسية لم تجد تجاوبا بينها وبين الجمهور الشيعي العراقي بعد تغير السلطة، وربما على العكس، وجدت نفورا وتشكيكا وتخوينا، ثم عداء وعنفا مع البعض منها. بل إن جمهور الشيعة وزعاماتها الدينية الداخلية لم تكن تمتلك اي مشروع سياسي أو حتى مجرد رؤية سياسية للدولة مابعد التغير الذي حدث عند سقوط نظام صدام حسين.
وهذا الأمر الذي صدم السياسي العراقي الراحل احمد الجلبي عندما التقى بعض الجمهور الشيعي في إحدى محافظات الجنوب العراقي، كما ينقل، بأنه لما كان يوجه لهم دعوات لبناء دولة المؤسسات والخدمات ويعدهم بنظام يحقق السعادة المجتمعية والخدمات والرفاه بعد حقبة من الظلم والجوع والذل، ويعدهم بعدم عودة دولة التخويف والأذلال والتجويع، وكذلك يحذرهم من الجماعات الدينية أن تركب الموجة وتستغل مشاعرهم الدينية لأجل مكاسبها ومغانهما الشخصية، مما سيمزق البلاد ويفرق العباد، كان تقابل كلماته هذه بعدم اكتراث، إزاء شعارات وهتافات يطلقها جمهور جائع، رث الملابس أشعث الشعر، مفلس سياسيا وثقافيا، يردد هتافات من قبيل: "لا شرقية ولا غربية.. نريد دولة إسلامية"، أو "وينه الحاربك وينه.. صدام النذل وينه"، أو شعارات "لا ولي الا علي.. ونريد حاكم جعفري".
وهي أيضا ذاتها الحالة التي استغرب منها عالم الاجتماع العراقي المرحوم فالح عبد الجبار، حيث يذكر في كتابه العمامة والافندي تلك الصورة العجيبة التي شهدها شخصيا وهو يلاحظ الجماهير الشيعية، في أكثر مناطق بغداد فقرا وجهلا واندحارا، وهي تخرج للشارع بعد سقوط نظام البعث في العام ٢٠٠٣ وتعبر عن رفضها ومشاعرها الاحتجاجية بحمل بعض سعفات النخيل وأقراص من ترب الصلاة( التربة الحسينية) دون أن تردد اي شعارات أو هتافات معينة سواء ضد السلطة السابقة أو ما تبتغيه وترجوه من السلطة القادمة أو المستقبلية.
أن هذا الجمهور الذي وصفه فالح عبد الجبار هو جمهور يمثل الحالة التي تم صناعتها قبل العام ٢٠٠٣، اي جمهور ناقم وجمهور ساخط على السلطة لكنه غير معني بتغييرها أو حتى بإصلاحها، مرجأً ذلك الامر لله والقدر والظروف. وفعلا كان ذلك، اي ان الصدفة او القدر والظروف هي من أسقطت النظام بما ليس فقط مما لم يخطط له الجمهور الشيعي بل بما لم يدر في خلده ابدا. ولهذا فالجمهور أو المكون الشيعي لم يكن يحمل اي برنامج سياسي للدولة بعد سقوط النظام، الذي كان يرفضه على مستوى السخط والنقمة فقط لا بمواجهة وعمل سياسي منظم، ولهذا لم يجد غير شعارات تمثل مشاعره الحقيقية الساخطة المباشرة غير المؤدلجة التي تمثل حلما لا واقعا، من قبيل؛ "لا ولي الا علي ونريد حاكم جعفري"، أو "لا شرقية ولا غربية ..الخ" ..
أن هذا الأمر، اي أمر غفلة الجمهور عن حقوقه المدنية في العيش الكريم والرفاه والخدمات وغيرها، يبدو أنه عمل على فتح مغارة علي بابا على مصراعيها للسياسيين العراقيين الذين جاءوا بعد سقوط النظام السابق، اي الطبقة السياسية التي جلبها المحتل أو المغيّر الأمريكي والغربي باذياله، وخصوصا السياسيين الشيعة، وان تبعهم بعد ذلك جميع ممثلي الكيانات والمكونات العراقية الأخرى بنفس اسلوب قيادة الدولة. حيث لما وجدت الطبقة السياسية مجتمعا خاليا من الرؤيا والبرنامج والطموحات السياسية والخدمية، بل مجتمعا يبحث عن التخندق والارتماء وسط الولاءات والهويات الفرعية الضيقة، يتنفس العداء والاختلاف والطائفية سواء الدينية أو القومية أو القبلية، إزاء كل ذلك وجدت الطبقة السياسية أن الدولة مجرد ضيعة منسية أو كنز مهمل أو أموال مجهولة المالك، وازاء رؤية الدولة على شكل غنيمة فإن النظام السياسي الأمثل الذي يقود هذا المجتمع وينظم تقسيم الغنيمة هو نظام المحاصصة، فكان ما كان.
لذلك كل ذلك الفساد المالي والإداري والأخلاقي والتحاصص وتقسيم الغنائم والطائفية والقبلية والقومية وكل ذلك التردي والجهل والسوء، هو برأي كان نتيجة لا سببا، نتيجة للصورة الاولى، اي صورة مجتمع غير معني بالدولة ولا يشعر بالانتماء لكيانها العام أكثر مما ينتمي لكيانات وهويات فرعية ضيقة. بل هو غير معني نهائيا بهذه الدولة أكثر مما أنه لا يمتلك رؤيا أو برنامج سياسي لها ، ولهذا كانت الدولة غنيمة بلا راعٍ لطبقة السياسيين الذين تقاسموا هذه الغنيمة بلا وازع أخلاقي وبلا ضمير.



#محمد_اسماعيل_السراي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الهندسة الرمزية للمجتمع: كيف يصنع وضوح المعنى الاستقرار النف ...
- - عبثٌ في الاجتماع-
- الرعيل الأخير من العبث...
- العصبية من أجل البقاء: كيف صنعت البداوة روح الجماعة ؟
- من البقاء إلى الأخلاق: كيف قيّدت الجماعة الإنسان..
- من الأنياب إلى الجينات: كيف حكمت الكائنات المجهرية تاريخ الح ...
- السياسة السائلة وفشل العقل السياسي العربي
- الزمن لا يعود مرتين.. قصة قصيرة
- لمَ توصف الشخصية العراقية بأنها شخصية: متمردة، وعنيفة، ومقلق ...
- ((الهامش الحضري المنهار: نموذج تطبيقي من الواقع العراقي))
- الفضيلة؛ مشروع بشري لم يكتمل بعد..
- الاخلاق ترف بشري.. ورداء يُخلَع عند الضرورة..!!
- بطل الحكاية
- محاولة اغتيال صدام حسين.. المجهولة..
- الشخصية العراقية.. واسباب ظاهرة التمرد والقلق، والتي طبعت هذ ...
- عن الشعر الشعبي العراقي.. المعاصر...
- الانسان.. وإشكالية الخير والشر..
- المُتَهيِئون.. ام.. المتَوَهِمون..؟
- هل لدينا طبقة وسطى في مجتمعنا العراقي حاليا!!؟
- مدنيتنا المؤنثة.. والمقموعة...


المزيد.....




- هل يُفتح مضيق هرمز -خلال ساعات-؟.. واشنطن تأمل في التوصل إلى ...
- استنفار عسكري في سوريا.. والعراق يعلّق: الوضع على الحدود طبي ...
- تقارير عبرية: تغيير في قواعد تنفيذ الهجمات الإسرائيلية على ق ...
- بيانات منصة -كبلر-: العراق صدّر أكثر من 30 مليون برميل نفط ع ...
- إيطاليا بين المرشحين.. مفاوضات روما تبحث الجهة التي ستتولى ا ...
- بث مباشر إلى هاتفه.. تغريم عمدة كان يتلصص على سكرتيرته بكامي ...
- بوتين ولولا دا سيلفا يبحثان هاتفيا النزاع الأوكراني والعلاقا ...
- تركيا تندد بمهاجمة سفينتيها
- مصدر إيراني: نتفاوض مع سلطنة عمان بشأن مضيق هرمز ولا يوجد أي ...
- الصين تكشف لأول مرة قدراتها على شن ضربة نووية جوية (فيديو)


المزيد.....

- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد اسماعيل السراي - من المظلومية إلى السلطة: لمَ غاب مشروع الدولة؟