أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد اسماعيل السراي - من الأنياب إلى الجينات: كيف حكمت الكائنات المجهرية تاريخ الحياة والإنسان














المزيد.....

من الأنياب إلى الجينات: كيف حكمت الكائنات المجهرية تاريخ الحياة والإنسان


محمد اسماعيل السراي

الحوار المتمدن-العدد: 8601 - 2026 / 1 / 28 - 14:07
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


حين نفكر في أخطر الكائنات التي عاشت على هذا الكوكب، يتجه خيالنا تلقائيًا نحو المفترسات الكبرى: الأسود، الدببة، التماسيح، أو حتى الإنسان نفسه بوصفه الكائن الأشد فتكًا وتنظيمًا. لقد تعلّم وعينا الجمعي أن يربط الشراسة بالحجم، والعنف بالقوة العضلية، والهيمنة بالأنياب والمخالب. غير أن هذا التصور، على شيوعه، لا يصمد طويلًا أمام نظرة أعمق إلى تاريخ الحياة.
فأشرس الكائنات التي عرفها هذا الكوكب لم تكن ضخمة، ولا مرئية، ولا تمتلك أنيابًا ولا مخالب. إنها كائنات صغيرة إلى حد الاحتقار، لا تُرى إلا تحت المجهر: الفيروسات، الجراثيم، والعتائق. هذه الكائنات التي اعتدنا النظر إليها بوصفها هامشًا بيولوجيًا أو “أعداء صحية” عابرة، هي في الحقيقة القوة الافتراسية الأعمق أثرًا في تاريخ الحياة والحضارة.
الميكروبات لا تعمل فرادى، ولا تراهن على القوة المباشرة. إنها تعمل كمجتمعات هائلة العدد، كمستعمرات جينية تتبادل المعلومات، وتختبر الاحتمالات، وتعيد تشكيل آلياتها بلا توقف. ما لا يستطيع مفترس ضخم فعله خلال ملايين السنين، تنجزه هذه الكائنات خلال أزمنة قصيرة جدًا، لا لأنها أذكى بالمعنى العقلي، بل لأنها أكفأ تطوريًا.
في منطق التطور، ليست الشراسة مرادفة للعنف الظاهر، بل للقدرة على البقاء، والتكيف، والانتشار. والميكروبات هي السادة الحقيقيون لهذا المنطق. فهي لا تواجه خصمها وجهًا لوجه، بل تتسلل، تتحور، تجرّب، وتنجح حيث تفشل القوة الغاشمة. إنها لا تدمّر جسدًا واحدًا فحسب، بل تُنهك جماعات، وتُربك مجتمعات، وتُسقط أنماط حياة كاملة.
لقد شهد التاريخ الإنساني مرارًا كيف كانت الكائنات المجهرية لاعبًا خفيًا في تحولات كبرى: الطاعون، الجدري، الكوليرا، الإنفلونزات الوبائية، وصولًا إلى جائحة كورونا المعاصرة. لم يكن فيروس كورونا الأكثر فتكًا في تاريخ الأوبئة، لكنه كان تذكيرًا قاسيًا بمدى هشاشة الحضارة الحديثة. بضربة غير مرئية، تعطلت الاقتصادات، أُغلقت الحدود، ارتبك العلم، وانهار وهم السيطرة المطلقة الذي غذّته الحداثة طويلًا.
ما يميّز هذه الكائنات ليس قدرتها على القتل فقط، بل قدرتها على التعطيل الشامل. الأسد يفترس فردًا، والدب يهاجم مجموعة محدودة، أما الفيروس فيعيد ترتيب العالم. إنه مفترس لا يسفك الدماء وحدها، بل يربك المعنى، ويكشف هشاشة التنظيم، ويضع الإنسان فجأة في موقعه الحقيقي: كائنًا مشروطًا، لا سيدًا مطلقًا للطبيعة.
ورغم هذا الدور الحاسم، ما زالت الكائنات المجهرية تُهمَّش في السرديات الكبرى للتاريخ، وتُختزل بوصفها “أحداثًا صحية” لا قوى تاريخية. وربما لأن الاعتراف بها يعني الاعتراف بحقيقة غير مريحة: أن الإنسان لم يكن يومًا في مركز السيطرة، بل كان دومًا في قلب شبكة معقدة من القوى التي تفوقه صبرًا ومرونة.
المفارقة الأشد إثارة للسخرية أن هذه المعرفة، حين تُطرح، لا تسلم من المصادرة. إذ سرعان ما يأتي من يقتطع خلاصتها، ويوقّعها باسم أيديولوجيته أو دينه أو تحيزه، عبر جملة وعظية مبتسرة. بهذه الحركة السريعة، تُفرغ المعرفة من تعقيدها، وتُختزل إلى برهان أخلاقي أو لاهوتي، وكأن الدين أو الأيديولوجيا هو المنتج الأصلي لهذه الرؤية، لا أحد متلقّيها المحتملين.
ليست المشكلة في الإيمان أو القيم، بل في الاستيلاء الرمزي على المعرفة: في تحويل نتائج العلم والتأمل إلى ملكية حصرية، تُغلق باب السؤال بدل أن تفتحه. وهنا يتكرس وهم آخر، لا يقل خطورة عن وهم السيطرة على الطبيعة: وهم امتلاك الحقيقة النهائية.
إن الكائنات المجهرية، في صمتها وعنفها غير المرئي، تذكّرنا بحقيقة بسيطة ومهملة: التاريخ لم يُحكم دائمًا بالأنياب والسيوف، بل كثيرًا ما حُكم بالجينات، بالطفرات، وبكائنات لا تعترف بمعنى ولا أخلاق. وفي هذا التذكير، درس قاسٍ للإنسان المعاصر، الذي ما زال يبحث عن مركزية وهمية في كون لا يعترف بالمراكز.



#محمد_اسماعيل_السراي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- السياسة السائلة وفشل العقل السياسي العربي
- الزمن لا يعود مرتين.. قصة قصيرة
- لمَ توصف الشخصية العراقية بأنها شخصية: متمردة، وعنيفة، ومقلق ...
- ((الهامش الحضري المنهار: نموذج تطبيقي من الواقع العراقي))
- الفضيلة؛ مشروع بشري لم يكتمل بعد..
- الاخلاق ترف بشري.. ورداء يُخلَع عند الضرورة..!!
- بطل الحكاية
- محاولة اغتيال صدام حسين.. المجهولة..
- الشخصية العراقية.. واسباب ظاهرة التمرد والقلق، والتي طبعت هذ ...
- عن الشعر الشعبي العراقي.. المعاصر...
- الانسان.. وإشكالية الخير والشر..
- المُتَهيِئون.. ام.. المتَوَهِمون..؟
- هل لدينا طبقة وسطى في مجتمعنا العراقي حاليا!!؟
- مدنيتنا المؤنثة.. والمقموعة...
- هل الانسان كائن اخلاقي؟ هل ان اخلاقنا اصيلة وتكوينية ام طارئ ...
- عن العائلة البشرية قديما..
- الصور الذهنية.. وآلية اشتغال الدماغ البشري..
- احفاذ الشمبانزي، واحفاذ الاورنجاوتان( انسان الغاب)
- الانسان.. ذلك الحيوان النرجسي، والتافه..
- الأنسان العراقي.. الديموغرافيا والتاريخ....


المزيد.....




- مفاجأة -عربيّة- في أسبوع باريس.. مغنيّة تونسيّة تتحوّل إلى ع ...
- مصرع سياسي هندي رفيع المستوى في تحطم طائرة.. شاهد آثار الحاد ...
- نجمات يرتدين -اللانجري- في عرض أزياء رجالي في باريس
- خلية تجسس إيرانية في تركيا.. أنقرة تفكك مجموعة خططت لتنفيذ ا ...
- -أب هيلي آ-: مئات من حملة المشاعل يتوافدون إلى جزيرة اسكتلند ...
- سر نقل شركات ألمانية لرساميلها من الولايات المتحدة إلى الصين ...
- عودة المالكي.. العراق يواجه اختبارا جديدا بعد تهديدات ترامب ...
- إسبانيا تسوى وضعية نصف مليون مهاجر وتفتح أمامهم جميع الأبواب ...
- ماتت على الشاشة… وظهرت حيّة لتفضح الفبركة!
- الشرع في ثاني زيارة إلى موسكو لبحث العلاقات السورية الروسية ...


المزيد.....

- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد
- أسباب ودوافع السلوك الإجرامي لدى النزلاء في دائرة الإصلاح ال ... / محمد اسماعيل السراي و باسم جبار
- العقل العربي بين النهضة والردة قراءة ابستمولوجية في مأزق الو ... / حسام الدين فياض
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد اسماعيل السراي - من الأنياب إلى الجينات: كيف حكمت الكائنات المجهرية تاريخ الحياة والإنسان