أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد اسماعيل السراي - الزمن لا يعود مرتين.. قصة قصيرة














المزيد.....

الزمن لا يعود مرتين.. قصة قصيرة


محمد اسماعيل السراي

الحوار المتمدن-العدد: 8589 - 2026 / 1 / 16 - 20:48
المحور: الادب والفن
    


لم يكن الحلم يزورُه.
كان ينتظره.
كلما أغمض عينيه، كان الممر حاضرًا، لا يتغير، كأنه لم يُبنَ في الذاكرة بل في مكان آخر لا يخضع للنسيان. الممر نفسه، بطوله المبالغ فيه، بجدرانه الرمادية التي لا تحمل أثر عمر، وبضوء لا يُدفئ ولا يُظلم، ضوء يشبه الزمن حين يفقد تعاطفه.
كان يعرف، منذ الخطوة الأولى، أنه متأخر.
لا يحتاج إلى ساعة ليعرف.
التأخر هنا شعور، لا وقت.
في يده دفتر.
دفتر واحد دائمًا، لا يزيد ولا ينقص.
يحمله كما يحمل المرء شيئًا يخشى أن يُسأل عنه.
يدخل القاعة.
المشهد لا يتبدل.
الطلاب جالسون، صامتون، كأنهم جزء من ترتيب سابق عليه. السبورة ممتلئة. ليس امتلاء الفوضى، بل امتلاء التراكم؛ ما كُتب فوق ما كُتب، وما بُني فوق ما لم يشهده.
يحاول أن يتذكر:
متى بدأ الغياب؟
أكان قرارًا؟
أم تسويفًا ظنه فسحة؟
لا يجد جوابًا.
الأسئلة هنا لا تُنقذ.
الأستاذة تشرح.
لا تلتفت.
لا تعاتب.
وجودها محايد كقانون طبيعي: لا يُخاصم أحدًا، ولا ينتظر أحدًا.
يجلس.
يفتح الدفتر.
الصفحات بيضاء.
بياضها ليس عاديًا.
ليس بياض الورق الجديد، بل بياض غريب، كأن الصفحة لم تمسّها فكرة، لم تخطئ، لم تُجرَّب.
بياضٌ يشبه اليد حين تُخرج من الجيب:
لا سوء فيها،
ولا أثر لما كان ينبغي أن يُكتب.
يرتجف.
يقول لنفسه: هذه المرة فقط، سأبدأ.
يرفع القلم.
لكن القلم لا يترك أثرًا.
الشرح يتقدم.
المعادلات تتكاثر.
المادة تتشعب، كأنها تعرف أنه لن يلحق بها.
يحاول أن يعتذر.
أن يشرح.
أن يقول إنه كان مشغولًا، وإنه سيعوّض.
لكن لا أحد هنا ينتظر التعويض.
يستيقظ.
القلب يخفق، والليل في مكانه، وكل شيء يبدو ثابتًا. لكنه يعرف—يعرف بيقين ثقيل—أن الحلم لم ينتهِ. هو فقط تراجع خطوة.
في الليلة التالية، يعود.
وفي التي بعدها.
وفي ليالٍ لا يتذكر عددها.
أحيانًا يصل أسرع.
أحيانًا يجلس أقرب إلى السبورة.
أحيانًا يحلف في الحلم أنه لن يغيب مرة أخرى.
وفي كل مرة…
يفتح الدفتر.
الصفحات بيضاء.
لا تمتلئ.
لا تتسخ.
لا تُخطئ.
كأن الزمن يمنحه الفرصة نفسها، دون أن يمنحه الزمن نفسه.
وفي إحدى المرات، وهو يغلق الدفتر بيأس لم يعد حادًا بل منهكًا، يخطر له سؤال لم يسأله من قبل:
ليس: لماذا تأخرت؟
بل: لمن كان ينبغي أن أكتب؟
ينظر حوله.
الوجوه مألوفة أكثر مما يحتمل.
عيون لا تلوم، لكنها تنتظر.
انتظارًا صامتًا، أثقل من العتاب.
يفهم—ولا يفهم في آن—أن الدفتر ليس مادة.
وأن الحصة ليست درسًا.
وأن ما لم يُكتب… لا يُكتب لاحقًا.
يستيقظ.
يمشي في البيت ببطء.
يمر قرب الأبواب.
يتوقف.
يصغي.
كل شيء هادئ.
هادئ أكثر مما ينبغي.
يعود إلى سريره.
يعرف أن الحلم سيعود.
ليس لأنه لم يفهمه…
بل لأنه لم يملأ الدفتر بعد.
والزمن—يعرف هذا الآن—
لا يعود مرتين.



#محمد_اسماعيل_السراي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لمَ توصف الشخصية العراقية بأنها شخصية: متمردة، وعنيفة، ومقلق ...
- ((الهامش الحضري المنهار: نموذج تطبيقي من الواقع العراقي))
- الفضيلة؛ مشروع بشري لم يكتمل بعد..
- الاخلاق ترف بشري.. ورداء يُخلَع عند الضرورة..!!
- بطل الحكاية
- محاولة اغتيال صدام حسين.. المجهولة..
- الشخصية العراقية.. واسباب ظاهرة التمرد والقلق، والتي طبعت هذ ...
- عن الشعر الشعبي العراقي.. المعاصر...
- الانسان.. وإشكالية الخير والشر..
- المُتَهيِئون.. ام.. المتَوَهِمون..؟
- هل لدينا طبقة وسطى في مجتمعنا العراقي حاليا!!؟
- مدنيتنا المؤنثة.. والمقموعة...
- هل الانسان كائن اخلاقي؟ هل ان اخلاقنا اصيلة وتكوينية ام طارئ ...
- عن العائلة البشرية قديما..
- الصور الذهنية.. وآلية اشتغال الدماغ البشري..
- احفاذ الشمبانزي، واحفاذ الاورنجاوتان( انسان الغاب)
- الانسان.. ذلك الحيوان النرجسي، والتافه..
- الأنسان العراقي.. الديموغرافيا والتاريخ....
- مقولات
- الهويات الفرعية ومعضلة الهوية الوطنية العراقية


المزيد.....




- برنامج ثقافي يمتد ثلاثة أعوام للاحتفاء ببوشكين ومتحفه في روس ...
- نجوم «10 أشياء أكرهها فيك» يجتمعون لتكريم هيث ليديجر على الم ...
- الأوبرا المصرية تفتتح مهرجان الموسيقى العربية بليلة وفاء للف ...
- -العم تيتو-.. فنان فلسطيني يداوي جراح أطفال غزة بعروض السيرك ...
- مهرجان الموسيقى العربية الـ34 يفتتح فعالياته بليلة هاني شاكر ...
- فنان هندي يسجل رقماً قياسياً بأكبر لوحة فنية مصنوعة من التوا ...
- دراسة: شكسبير شارك مارلو في كتابة مسرحية «إدوارد الثالث»
- جلسة عن الإنتاج العربي .. وفيلم هندي ينال رضا النقاد
- من -باب الشمس- إلى -مرسيدس-.. يسري نصر الله يكشف كواليس رسم ...
- وفاة الفنانة الكويتية المعتزلة رجاء محمد


المزيد.....

- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد اسماعيل السراي - الزمن لا يعود مرتين.. قصة قصيرة