أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد اسماعيل السراي - الفضيلة؛ مشروع بشري لم يكتمل بعد..














المزيد.....

الفضيلة؛ مشروع بشري لم يكتمل بعد..


محمد اسماعيل السراي

الحوار المتمدن-العدد: 8541 - 2025 / 11 / 29 - 15:54
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


ا

أنا لا أرفض الفضيلة، لكنني أرى أنها ليست أصيلة في الإنسان. فالإنسان يجد صعوبة في بلوغ الفضيلة، وإن بلغها وجد صعوبة أكبر في الثبات عليها. وليس سبب ذلك عيبًا في الإنسان ذاته، بل في المنظومة الأخلاقية نفسها؛ فهي وُضعت ابتداءً لضمان وحدة الجماعة، فمالت إلى مراعاة الجماعة على حساب الفرد، ثم تراكمت عليها قيم وحدود كثيرة عبر التاريخ حتى أثقلتها وأثقلت الإنسان معها.
إن الفضيلة مشروع غير مكتمل، ولذلك يبقى الإنسان مسكونًا بهاجس الكمال الذي ربما لن يبلغه يومًا، لكنه يظل مشروعًا مفتوحًا وساميًا، ولا تزال الأمم إلى اليوم تمجّد الفضيلة، ولهذا بقي الإنسان كائنًا أخلاقيًا.

لقد تحوّلت الأخلاق في زمن ما إلى وسيلة للبقاء، على الصعيدين المجتمعي والفردي. فعلى مستوى الجماعة لعبت الأخلاق دورًا حاسمًا في الحفاظ على الكيان الاجتماعي من التفتت والاندثار أمام همجية الغرائز الفردية التي تنزع إلى الأنانية والإشباع والعنف. وهذه الغرائز لا تناسب المجتمعات الكبيرة لأنها تُفضي إلى صراع داخلي دائم، فجاءت المنظومة القيمية أدواتٍ جماعية لتنظيم الجماعات وضبطها.

هذا التحول القيمي جاء متأخرًا نسبيًا في تاريخ الإنسان؛ ففي حقب الصيد والالتقاط كانت البشرية أقرب إلى القيم الفردية، رغم وجود بعض النظم الجماعية البسيطة. أما حين استقرّت الجماعات البشرية في مرحلة الزراعة في العصر الحجري الحديث، وظهرت القرى الأولى، ثم المجتمعات الأكبر في الحضارات اللاحقة، أصبحت الأخلاق ضرورة لحفظ هذه الهياكل الاجتماعية واسعة الحجم من الصراع والتفتت.
هنا أصبحت الأخلاق عنصرًا من عناصر البقاء، لكن البقاء هذه المرة لم يعد بيولوجيًا كما كان في العصور القديمة قبل الزراعة والحضارة، بل أصبح بقاءً اجتماعيًا.

ففي الأزمنة السحيقة كان البقاء يعتمد على القوة البيولوجية: تطور الجسد، وانتصاب القامة، وزيادة حجم الدماغ، وحرية اليدين، وتطور الإبهام، وفقدان الشعر، والقدرة العضلية… إلخ.
أما بعد تشكل المجتمعات، فقد احتاج الإنسان إلى عناصر أخرى للبقاء، إذ بات يعيش داخل جماعات كبيرة لا تقوم على روابط الدم وحدها كما في المجتمعات الصيادة الصغيرة أو الروابط الأسرية والقبلية البدائية. هنا أصبح من الضروري وجود روابط معنوية ورمزية تجمع الأفراد، كالديانة، والوطنية، والقومية، بل وحتى رموز معنوية كالعَلم والنشيد، أو حتى فرق كرة القدم في المجتمعات الحديثة.
وبالطريقة نفسها جاءت المنظومة القيمية والأخلاقية لتكون الرابط الذي يشدّ الأفراد إلى الجماعة، بما يشبه “العقد الاجتماعي” الذي يشمل الأخلاق والدين والقانون والعرف والتراث الجمعي.
وهذه هي وظيفة الأخلاق في الحضارة: تنظيم السلوك، وإقصاء الغرائز الفردية لصالح النظم الجماعية، ومنع الصراعات الداخلية.

إننا نقر بصعوبة تحقيق الفضيلة أو الثبات عليها لأنها نشأت في مرحلة قصيرة نسبيًا مقارنة بتاريخ الانفلات الغريزي الطويل الذي عاشه الإنسان منذ بداياته وحتى قيام الحضارة. ولأن هذه الأخلاق راعت الجماعة أكثر مما راعت الفرد، نشهد اليوم –خصوصًا في مجتمعاتنا العربية– نزوعًا دائمًا نحو الازدواجية والتناقض في السلوك، وهو ما يظنه البعض نفاقًا. وفي المقابل نرى المجتمعات الغربية تميل أكثر نحو مراعاة الفردانية، وإن كانت لم تقوّض كليًا القيم الجماعية بعد.

هذا كلّه يُنتج “المواطن المُدجَّن” أو الخاضع، وهو إنسان العصر الحضاري منذ نشوء الحضارات القديمة: فقد كُبِتَت فرديته، فأصبح عبدًا للقيم والمبادئ العامة، وعبدًا للنظام والسلطة.
لكن من جانب آخر كان لهذه النظم الجماعية أثر إيجابي مهم؛ فهي –كعنصر للبقاء الاجتماعي– حالت دون انهيار المجتمعات، وحفظت للفرد توازنه النفسي.

فعلى الصعيد الفردي أصبحت القيم والفضيلة عزاءً نفسيًا للفرد أمام المصائب والابتلاءات والفقر والضعف داخل الجماعات الكبرى؛ وهي تمنحه ما يحتاجه من تبرير لضعفه أمام الآخرين والظروف والطبيعة، كي لا يسقط في الجنون أو الانتحار أو صراع لا ينتهي مع الحياة والناس.

وربما تكون هذه الفضيلة هي نفسها التي أشار إليها نيتشه في جينيالوجيا الأخلاق بوصفها “أخلاق العبيد” التي رفضها بشدة، مقابل تمجيده لـ“أخلاق القوة” التي يزعم أن النبلاء الأقوياء هم من أسسوها.
ونحن نرى خلاف ذلك: فالقيم التي عدّها نيتشه “أخلاق عبيد” هي التي حافظت على التوازن الاجتماعي، وحمت الإنسان نفسيًا واجتماعيًا. فلو حاول الفرد أن يعيش وفق “أخلاق القوة” النيتشوية، فلربما عاش صراعًا دائمًا ينتهي بموته أو سجنه أو نبذه من الجماعة.



#محمد_اسماعيل_السراي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاخلاق ترف بشري.. ورداء يُخلَع عند الضرورة..!!
- بطل الحكاية
- محاولة اغتيال صدام حسين.. المجهولة..
- الشخصية العراقية.. واسباب ظاهرة التمرد والقلق، والتي طبعت هذ ...
- عن الشعر الشعبي العراقي.. المعاصر...
- الانسان.. وإشكالية الخير والشر..
- المُتَهيِئون.. ام.. المتَوَهِمون..؟
- هل لدينا طبقة وسطى في مجتمعنا العراقي حاليا!!؟
- مدنيتنا المؤنثة.. والمقموعة...
- هل الانسان كائن اخلاقي؟ هل ان اخلاقنا اصيلة وتكوينية ام طارئ ...
- عن العائلة البشرية قديما..
- الصور الذهنية.. وآلية اشتغال الدماغ البشري..
- احفاذ الشمبانزي، واحفاذ الاورنجاوتان( انسان الغاب)
- الانسان.. ذلك الحيوان النرجسي، والتافه..
- الأنسان العراقي.. الديموغرافيا والتاريخ....
- مقولات
- الهويات الفرعية ومعضلة الهوية الوطنية العراقية
- آلية التفكير البشري.. الاسطورة.. واصل الحقيقة..
- الصراع الوجودي للانسان.. ببن اصالة الشر وصناعة الخير
- شر الانسان.. مابين الظرف الطبقي والحضاري والشخصي


المزيد.....




- حريق هونغ كونغ.. وفاة أكثر من 100 شخص و200 ما زالوا مفقودين ...
- روسيا تشن أكبر هجوم بطائرات مسيرة وصواريخ على أوكرانيا منذ ش ...
- ليست في اليابان أو الهند.. أين تقع أكبر مدينة في العالم؟
- هجوم روسي يهزّ أوكرانيا.. قتلى وانقطاع الكهرباء عن أكثر من 6 ...
- خرافة أم حقيقة؟ تأثير غذاء الأم على لون بشرة المولود
- قتلى وجرحى في هجوم روسي ليلي كبير على أوكرانيا قبل مفاوضات س ...
- جيروزاليم بوست: رئيسة أيرلندا الجديدة حليف لحماس وخطر على إس ...
- -أطلقوا سراح مروان-.. حملة عالمية للإفراج عن البرغوثي
- غابات أفريقيا تتحول من خزان للكربون إلى مصدر له
- تعرف على تفاصيل اتفاق فصل القوات بين إسرائيل وسوريا لعام 197 ...


المزيد.....

- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- تقديم وتلخيص كتاب " نقد العقل الجدلي" تأليف المفكر الماركسي ... / غازي الصوراني
- من تاريخ الفلسفة العربية - الإسلامية / غازي الصوراني
- الصورة النمطية لخصائص العنف في الشخصية العراقية: دراسة تتبعي ... / فارس كمال نظمي
- الآثار العامة للبطالة / حيدر جواد السهلاني
- سور القرآن الكريم تحليل سوسيولوجي / محمود محمد رياض عبدالعال
- -تحولات ظاهرة التضامن الاجتماعي بالمجتمع القروي: التويزة نمو ... / ياسين احمادون وفاطمة البكاري
- المتعقرط - أربعون يوماً من الخلوة / حسنين آل دايخ
- حوار مع صديقي الشات (ج ب ت) / أحمد التاوتي
- قتل الأب عند دوستويفسكي / محمود الصباغ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - محمد اسماعيل السراي - الفضيلة؛ مشروع بشري لم يكتمل بعد..