أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد اسماعيل السراي - السياسة السائلة وفشل العقل السياسي العربي














المزيد.....

السياسة السائلة وفشل العقل السياسي العربي


محمد اسماعيل السراي

الحوار المتمدن-العدد: 8599 - 2026 / 1 / 26 - 22:11
المحور: قضايا ثقافية
    


لا يمكن فهم المأزق الحضاري والسياسي العربي المعاصر بوصفه نتاجًا لضعف الموارد أو نقص الكفاءات أو حتى لتآمر خارجي فحسب، بل ينبغي النظر إليه باعتباره نتيجة خلل عميق في إدراك طبيعة العالم الذي نعيش فيه، وطبيعة السياسة التي تحكمه. فالعقل السياسي العربي لا يزال يعمل، في جوهره، وفق منطق السياسة الصلبة، بينما العالم من حوله انتقل منذ عقود إلى منطق السياسة السائلة.

السياسة الصلبة تقوم على افتراض وجود ثوابت أخلاقية وقيمية حاكمة للعلاقات الدولية، وعلى تصور التحالفات بوصفها علاقات طويلة الأمد، والعداوات باعتبارها مواقف مستقرة، والاتفاقيات بوصفها تعاقدات شبه مقدسة. هذا المنطق كان صالحًا – نسبيًا – في مراحل تاريخية سابقة، حين كانت الدول تُعرّف نفسها أيديولوجيًا، وتتحرك ضمن معسكرات واضحة، وتُدار السياسة الخارجية بوصفها امتدادًا لهوية أخلاقية أو رسالية.

غير أن العالم المعاصر لم يعد يعمل بهذه الطريقة. السياسة الدولية اليوم تُدار وفق منطق السيولة: لا صديق دائم ولا عدو دائم، ولا تحالف ثابت ولا التزام أخلاقي طويل الأمد. المصلحة هي المبدأ الأعلى، والمرونة هي الأداة، وإعادة التموضع هي القاعدة. القيم لم تختفِ من الخطاب، لكنها لم تعد تحكم القرار، بل تُستخدم لتبريره أو تسويقه.

المفارقة أن الفاعل العربي لم يُدرك هذا التحول إدراكًا بنيويًا، بل ظل يبحث عن «قبلة سياسية» في عالم بلا قبلات، وعن حليف أخلاقي في نظام دولي لا يعترف بالأخلاق إلا بوصفها لغة خطابية. وهنا يبدأ الفشل: حين تُدار السياسة السائلة بعقل صلب، تصبح النتائج كارثية.

يتجلى هذا الخلل بوضوح في تعاملات العرب مع القوى الكبرى. فما زال جزء كبير من الخطاب السياسي العربي ينطلق من ثنائية الولاء والخيانة، والصديق والعدو، وكأن العلاقات الدولية علاقات أخلاقية شخصية، لا شبكات مصالح معقدة. فحين تتغير مواقف القوى الكبرى، يُفسَّر ذلك عربيًا بوصفه غدرًا أو خيانة، لا بوصفه سلوكًا طبيعيًا في عالم تحكمه المصلحة. هذا العجز عن الفهم لا يؤدي فقط إلى الصدمة، بل إلى شللٍ سياسي مزمن، حيث يتحول القرار إلى ردّ فعل أخلاقي منفعِل بدل أن يكون حسابًا عقلانيًا باردًا. وحين تُصاب النخب السياسية بالصدمة، تنتقل العدوى إلى الرأي العام، فيُعاد إنتاج الخطاب ذاته: خطاب المظلومية، والخيانة، والمؤامرة، بدل مساءلة الذات عن قصور القراءة وسوء التقدير.
في السياسة السائلة، لا يُكافأ من يملك «الحق»، بل من يملك القدرة على المناورة. ولا يُعاقَب من يكذب أخلاقيًا، بل من يفشل في حماية مصالحه. غير أن العقل السياسي العربي، المشدود إلى ميراث أخلاقي–أيديولوجي ثقيل، يرفض الاعتراف بهذه الحقيقة، فيستمر في الرهان على خطاب القيم في سوق لا تُتداول فيه إلا المصالح.
الأخطر من ذلك أن هذا العقل لا يسيء فقط فهم العالم، بل يسيء فهم نفسه. فهو يتعامل مع الدولة بوصفها كيانًا أخلاقيًا، لا بوصفها أداة وظيفية لإدارة المصالح. ولذلك تتغلب الشعارات على الاستراتيجيات، وتعلو النوايا على الخطط، ويُستبدل التفكير المركب باليقينيات المبسطة. في عالمٍ سائل، هذا النوع من التفكير ليس فقط غير فعّال، بل مدمّر.
السياسة السائلة لا تعني التخلي عن القيم، بل تعني فصلها عن وهم التحكم في الواقع. القيم يمكن أن تكون أفقًا رمزيًا أو خطابًا تعبويًا، لكنها لا تصلح أن تكون بوصلة وحيدة للفعل السياسي. وحين تُرفع القيم إلى مقام المقدّس في مجالٍ تحكمه البراغماتية، يتحول صاحبها إلى ضحية دائمة، لا إلى فاعل أخلاقي.
إن فشل العقل السياسي العربي ليس فشل نوايا، بل فشل أدوات إدراك. إنه فشل في الانتقال من التفكير الرسالي إلى التفكير الاستراتيجي، ومن منطق الثبات إلى منطق الحركة، ومن السياسة بوصفها موقفًا أخلاقيًا إلى السياسة بوصفها فن إدارة الممكن. وما لم يحدث هذا التحول المعرفي العميق، سيظل الفاعل العربي خارج الزمن السياسي، يفسّر العالم بلغة لم يعد العالم يتحدث بها.
في النهاية، المشكلة ليست في أن العالم ظالم أو بلا أخلاق، بل في أن العقل السياسي العربي لا يزال يطالب عالمًا سائلًا بأن يتصرف وفق قواعد صلبة لم تعد موجودة إلا في المخيال. والسياسة، حين تُفهم على هذا النحو، لا تنتج خسائر ظرفية فحسب، بل تُراكم فشلًا تاريخيًا طويل الأمد.



#محمد_اسماعيل_السراي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الزمن لا يعود مرتين.. قصة قصيرة
- لمَ توصف الشخصية العراقية بأنها شخصية: متمردة، وعنيفة، ومقلق ...
- ((الهامش الحضري المنهار: نموذج تطبيقي من الواقع العراقي))
- الفضيلة؛ مشروع بشري لم يكتمل بعد..
- الاخلاق ترف بشري.. ورداء يُخلَع عند الضرورة..!!
- بطل الحكاية
- محاولة اغتيال صدام حسين.. المجهولة..
- الشخصية العراقية.. واسباب ظاهرة التمرد والقلق، والتي طبعت هذ ...
- عن الشعر الشعبي العراقي.. المعاصر...
- الانسان.. وإشكالية الخير والشر..
- المُتَهيِئون.. ام.. المتَوَهِمون..؟
- هل لدينا طبقة وسطى في مجتمعنا العراقي حاليا!!؟
- مدنيتنا المؤنثة.. والمقموعة...
- هل الانسان كائن اخلاقي؟ هل ان اخلاقنا اصيلة وتكوينية ام طارئ ...
- عن العائلة البشرية قديما..
- الصور الذهنية.. وآلية اشتغال الدماغ البشري..
- احفاذ الشمبانزي، واحفاذ الاورنجاوتان( انسان الغاب)
- الانسان.. ذلك الحيوان النرجسي، والتافه..
- الأنسان العراقي.. الديموغرافيا والتاريخ....
- مقولات


المزيد.....




- تحدٍّ مرعب .. أليكس هونولد يتسلق ناطحة سحاب بدون حبال ومعدات ...
- تفاصيل افتتاح مراكز لتسوية أوضاع عناصر من -قسد- في الرقة ودي ...
- كيف ينعكس العثور على جثة غويلي على نتنياهو داخليا ودوليا؟
- الفيديو في كل مكان.. أي دور حقيقي للصحافة؟
- بين الحماية والحظر.. هل تنجح القوانين في انتزاع الأطفال من أ ...
- صحف عالمية: إسرائيل بلا خطة لـ-اليوم التالي- وتهديدات ترمب ت ...
- الأمن السوري يحبط محاولة تهريب أسلحة إلى لبنان
- هل تجهز إسرائيل -مصيدة أمنية- للمسافرين قرب معبر رفح؟
- خبير روسي: أمريكا تسعى لتقويض نفوذ الصين عبر إيران
- الإمارات تؤكد عدم استخدام مجالها الجوي أو أراضيها لمهاجمة إي ...


المزيد.....

- قواعد الأمة ووسائل الهمة / أحمد حيدر
- علم العلم- الفصل الرابع نظرية المعرفة / منذر خدام
- قصة الإنسان العراقي.. محاولة لفهم الشخصية العراقية في ضوء مف ... / محمد اسماعيل السراي
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الأنساق الثقافية للأسطورة في القصة النسوية / د. خالد زغريت
- الثقافة العربية الصفراء / د. خالد زغريت
- الفاكهة الرجيمة في شعر أدونيس / د. خالد زغريت
- المفاعلة الجزمية لتحرير العقل العربي المعاق / اسم المبادرتين ... / أمين أحمد ثابت
- في مدى نظريات علم الجمال دراسات تطبيقية في الأدب العربي / د. خالد زغريت
- الحفر على أمواج العاصي / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قضايا ثقافية - محمد اسماعيل السراي - السياسة السائلة وفشل العقل السياسي العربي